الدرس في الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 38، الدرس الثامن والثلاثون:من( ومن الفروق الصحيحة بين مسح الجبيرة ومسح الخفين ... أن تزول بأي شيء وبأي عدد وقيل:لا بد فيها من سبع غسلات ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول الفرق بين مسح الجبيرة ومسح الخفين من حيث الشروط والضوابط، حيث يشترط للمسح على الخفين الطهارة السابقة بينما لا يشترط ذلك للجبيرة. كما يوضح اختلاف مدة المسح بين المقيم والمسافر.
يشرح الفرق بين طهارة الأحداث وإزالة النجاسات، حيث تتطلب الأولى النية بينما لا تتطلب الثانية ذلك. كما يشير إلى أن إزالة النجاسة تتحقق بزوال عينها بأي وسيلة.
يناقش أحكام النجاسات وتفاصيل تطهيرها، مع التركيز على بعض النجاسات الخاصة مثل الكلب والخنزير. كما يوضح أنواع النجاسات ودرجاتها وكيفية إزالتها.
يختتم الحديث بالإشارة إلى الاكتفاء بما تمت مناقشته، مع التأكيد على أن العلم الكامل عند الله تعالى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الملف رحمه الله تعالى: ومن الفروق الصحيحة بين مسح الجبيرة ومسح الخفين ونحوهما أن الجبيرة لا تكون إلا عند الضرورة إليها، وتمسح كلها في الحدث الأكبر والأصغر، ويمسح عليها إلى حملها أو برء ما تحتها، يعني إلى أن تزال أو يأتي وقت إزالتها أو الشفاء. قال: ولا يشترط لها تقدم الطهارة على الصحيح. وأما مسح الخفين والعمامة والخمار، فيجوز في الضرورة والسعة، ولا بد فيه من تقدم الطهارة، ويكون في الحدث الأصغر خاصة، ومدته للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها. أورد رحمه الله هذا الفرق، وقال إنه من الفروق الصحيحة التفريق بين المسح على الجبيرة والمسح على الخفين، فذكر أن المسح على الجبيرة تكون عند الضرورة، وأن المسح على الخفين تكون لأجل الحاجة، سواء ضرورة أو غير ضرورة. فأنت يجوز أن تمسح الخفين في الحضر وفي السفر، وفي الضرورة وفي غير الضرورة. وهكذا كذلك من الفروق، قال: إن المسح على الجبيرة يكون لها جميعًا، وأما المسح على الخفين فيكون لأعلاها فقط. هذا فرقان. والفرق الثالث، قال: إن المسح على الجبيرة يكون سواء لبستها على طهارة أم على غير طهارة، وأما المسح على الخفين فلا يكون إلا إذا لبست على طهارة. والصحيح في هذه المسألة أن الجبيرة لا تمسح لعدم ورود الدليل الصحيح الصريح الذي يدل على مسحها. ورد في حديث صاحب الشجة، حديث جابر بن عبد الله، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا سأله إذ لم يعلموا، إنما دواء العي السؤال». هذه الجملة من الحديث صحيحة، وتوجد فيها زيادة فيها المسح على الشجة، أنه أمره من يمسحه على الشجة، يعني موضع الضربة، أن يمسح عليها. وهذه الزيادة ضعيفة لا تصح. وصحح الحفاظ أنها جاءت عن عطاء مرسلة، فهو مرسل صحيح عن عطاء، ولا يصح مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا كان كذلك، فالصحيح أن الجبيرة لا تمسح لعدم ورود الدليل الذي يدل على ذلك، ولا أمر واسع. إذا رأى بعض أهل العلم، كما ها هنا، والكثير من أهل العلم على هذا، فيمسح على ما ذكر المؤلف رحمه الله. ولكن كما قلنا، الراجح والصحيح أنه لم يرد شيء صحيح صريح في ذلك، فلا يمسح. فإن قال قائل: فماذا يصنع؟ الجواب: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. إن كان العضو الذي يريد مسحه، الذي لا يستطيع غسله لأنه فيه جبيرة أو رباط أو جرح أو نحوه، عُبأ كاملًا، تتعطل به أعضاء الوضوء، ينتقل إلى التيمم. وإن كان بعض العضو، لا تتعطل أعضاء الوضوء، يعني صفة الوضوء تبقى على ما هي عليه، فهنا يغسل ما يتيسر، ويترك ما لا يتيسر. لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. وأما المسح على الخفين، فقد وردت فيه الأدلة الكثيرة، فهو كما قال رحمه الله. وفي كتب الفقه تفاصيل أحكام المسح على الخفين بشروطه المعلومة المعروفة. ومنها أن تلبس على طهارة، وأن يكون سابغًا للقدم إلى الكعبين، وأن يكون كذلك في مدة المسح، وأن يكون من الحدث الأصغر لا الأكبر. وأما ما ذكره عن العمامة والخمار، والخمار هو العمامة إذا اختمر بها، يعني ربطت من أعلى إلى أسفل العنق، أرخيت ثم لفت من طرفي العنق، فهذا اختمار بالعمامة، يفعله الذكر وتفعله الأنثى. فهل يشترط فيه كما يشترط في المسح على الخفين؟ الصحيح: لا، لعدم ورود الدليل الدال على الإلزام بذلك، والأصل البراءة من التكليف. ففي حديث بلال: «مسح على الموقين والخمار»، ولم يذكر أنه لبسها على طهارة. وفي حديث المغير بن شعبة كذلك. وهكذا كذلك أحاديث كثيرة: «مسح على العصائب والتساخين، مسح على العمامة، وكمل على رأسه». كل الأحاديث ليس فيها ذكر اشتراط لبسها على طهارة، وهذا هو الصحيح. وهكذا مثله الخمار، وهل المرأة تمسح على خمارها؟ الصحيح: أنه يجوز لها ذلك، وقد ثبت عن بعض الصحابيات رضي الله عنهن فعل ذلك. فالخلاصة في هذا الخلاف: أنه لا يمسح على الجبيرة، وأن كذلك العمامة والخمار لا يشترط لهما ما يشترط للخفين. وهنا تنبيه: من أين يكون المسح في مسألة المسح على الخفين؟ هل من لبسه أو من أول مسحة؟ الصحيح: أنه من أول مسحة، لا من لبسه، وإنما من أول مسحة. فلو لبس الخف الساعة الثانية عشر ظهرًا، وأول مسحة مسحها بعد صلاة العصر، فإن مدة المسح تكون للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر ثلاث أيام بلياليها، ليس من وقت اللبس، وهو الساعة الثانية عشر، ولكن من أول مسحة، وهو ما بعد العصر. قال رحمه الله تعالى: ومن الفروق الصحيحة أن طهارة الأحداث لا بد فيها من نية؛ لأنها معنى من المعاني، وطهارة النجاسة لا يشترط لها النية، سواء كانت على البدن أو الثوب أو البقعة؛ لأنها من أقسام التروك التي القصد منها إزالتها. وهذا فرق آخر من الفروق الصحيحة، وهو التفريق بين طهارة الأحداث، والمراد بطهارة الأحداث أي إزالة الحدث من على الجسم. يقول: لا بد فيها من نية، يعني من انغمس في الماء وخرج ولم ينو رفع الجنابة لم ترتفع جنابته. ومن كذلك إن غمس بالماء وخرج ولم ينو بذلك الوضوء لم يصح أنه يجعل هذه الغمسة مكان الوضوء؛ لأنه لم ينو الوضوء. وهذا صحيح. لكن من فعل فعل الوضوء بأفعاله المعروفة المعلومة، هل هذا يشترط له أن ينوي مع هذا الوضوء؟ قال بعض أهل العلم: نعم، بذلك، وهم الجمهور. وقال بعضهم، ومنهم ابن القيم رحمه الله: إن الوضوء خاصة لا يحتاج إلى نية؛ لأن النية متمكنة في نفس الفعل، لا يتصور رجل يتوضأ من دون نية وضوء؛ لأن هذا العمل ليس له نظير لا في عادة ولا في عبادة أخرى حتى يلتبس ويحتاج إلى تمييز. فلأجل ذلك قال: لو فعلت من دون نية أجزأت. وهي في الحقيقة لا تتصور أن تفعل بدون نية. هل يتصور أن إنسان يأتي يبدأ يغسل كفيه ثلاثًا، ثم يتمضمض ويستنثر، ويغسل وجهه ثلاثًا، وهكذا يديه للمرفقين ثلاثًا، ويمسح برأسه، ويغسل رجليه، يفعل هذه الأفعال كلها وهو لم ينو الوضوء؟ ما يتصور؛ لأنه ليس له عادة تشبهه، ولا عبادة تلتبس به. واشتراط النية كما ذكر العلماء هو للتمييز بين العادة من العبادة، أو العبادات بعضها من بعض. فلما كان كذلك، كان ما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: إنه لأجل أنه لا يلتبس بغيره، فلا حاجة إلى النية. فإذا لو قيدنا قول المؤلف رحمه الله: أن طهارة الأحداث لا بد فيها من نية، نقول: ما كان يلتبس بغيره. طهارة الأحداث التي تلتبس بغيرها لا بد فيها من نية، مثل غسل. نعم، أما مثل الوضوء، ففي هذا خلاف. والصحيح ما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله تعالى. بقي الآن من الفروق: أن طهارة النجاسة لا يشترط لها نية مطلقًا؛ لأنها من التروك، والتروك كما قال رحمه الله: المقصود منها الإزالة. ويدل عليه حديث النعلين، وحديث طرف خمار المرأة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر بخمار جلباب المرأة الذي يطول، وقيل له: إنه قد يمر على النجاسة، قال: «يطهره ما بعده»، يعني بدون نية. يطهره ما بعده بمجرد مروره عليه، وزوال النجاسة منه، حصلت الطهارة. وهكذا في النعلين، أمر النبي عليه الصلاة والسلام من أراد أن يصلي بنا أن ينظر في نعليه، فإن كان فيهما ما أذى صلى، وإن لم يكن فيهما ما أذى لم يصلي. طيب، هذا يفهم منه ماذا؟ يفهم منه أنه يمر على نجاسات وأشياء كثيرة، فإن علم بها أزالها، إن لم يعلم بها، فما كان زوالها به هو مجزئ لزوالها، وليس في ذلك نية. فعلم أن باب التروك لا يشترط له نية، وهذا هو الصحيح. وهنا نستفيد شيء آخر، وهو أن الصحيح في إزالة النجاسات هو زوال عينها، بغض النظر بأي شيء تزول؛ لأن بعض أهل العلم اشترط في إزالة النجاسات أن لا تزال إلا بالماء. والصحيح خلاف ذلك، فإن الأدلة دلت بمعانيها الكثيرة أن المقصود هو زوال عين النجاسة. فإذا زالت عينها زال حكمها. فالحكم يدور مع علة وجودًا وعدمًا. فإن زيل بالمطهرات الأخرى غير الماء، الصحيح أنه يجزئ. أزلته مثلًا ببعض المواد البترولية، وما كان بمعناها، هل يجزئ؟ عند جمهور أهل العلم الذين يقولون: لا يجزئ إلا بالماء، لا يجزئ. لو غسلت ثوبًا نجسًا ببنزين مثلًا، عندهم لا يجزئ. والصحيح: أنه يجزئ، ما دامت النجاسة زالت، فهو مجزئ. وهكذا عند هؤلاء إذا زالت النجاسة بمغاسل البخار مثلًا، لا يجزئ؛ لأنه لم يزل بماء. والصحيح: أنه يجزئ؛ لأن النجاسة قد زالت. فإذا زال عينها زال حكمها، وهذا هو الصحيح. فقد أجزأ النبي صلى الله عليه وسلم في النعل أنه يطهره التراب، وفي الثوب أنه يطهره ما بعده، يعني بالمرور عليه. فكذلك سائر النجاسات يجوز إزالتها بما يزيل عينها. فإن زالت عينها زال حكمها، وثبت حكم الطهارة بدلًا منها. وإن لم تزل، إذن لا بد من إزالتها، سواء بالماء أو بغيره من السائلات أو بغيره من السائلات الأخرى. بخلاف طهارة الأحداث، فإنه يشترط لها الماء. فإن لم يكن الماء، فالتيمم. إذا لم يكن الماء، فالتيمم. وهذا فرق آخر صحيح من الفروق الصحيحة على الراجح بين طهارة الأحداث وإزالة النجاسات. قال رحمه الله تعالى: ومن الفروق الصحيحة تقسيم النجاسة إلى ثلاثة أقسام: أحدها مغلظة، كنجاسة الكلب والخنزير، التي لا بد فيها من سبع غسلات، إحداها بتراب ونحوه. والثاني مخففة، كنجاسة بول الغلام الذي لم يأكل الطعام لشهوة، وقيئه. فيكفي فيها النضح. وكذلك يعفى عن الدم والقيح والصديد اليسير، ونحو ذلك. والثالث متوسطة، وهي باقي النجاسات، يكفي فيها على الصحيح أن تزول بأي شيء، وبأي عدد. وقيل: لا بد فيها من سبع غسلات. هذه ثلاثة أقسام من أقسام النجاسات، وجعله رحمه الله تعالى على هذه الأقسام الثلاثة، وفيها الفروق المذكورة. أولها نجاسة مغلظة، قال: نجاسة الكلب، يعني لما ورد من الأحاديث الكثيرة في أمر طهارة ولوغ الكلب. إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا. وفي رواية: «أولاهن في التراب». رواية: «إحداهن بالتراب». رواية: «أخراهن بالتراب». ورواية: «عفروه الثامنة بالتراب». وأصح هذه الروايات: «إحداهن بالتراب». وأما رواية «أخراهن بالتراب»، فالصحيح أنها شاذة. وهكذا «عفروه الثامنة بالتراب»، رجح كثير من الحفاظ شذوذها. فإذا كان كذلك، بقي: هل هذا الحكم لأجل النجاسة، أم أنه تعبدي؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. فذهب جمهور أهل العلم: إنه لأجل النجاسة. وذهب المالكية وجماعة: إلى أنه تعبدي. فالتحديد بهذا العدد، بالتحديد بهذا العدد، ليس لأجل النجاسة، ولكن لأجل التعبد لله عز وجل بما شرع، لحكمة قد نعلمها، وقد لا نعلمها. وهذا الأخير هو الأقرب والأصح؛ لعدم ورود دليل صحيح صريح يدل على النجاسة، وأن إزالتها بهذا العدد لأجل النجاسة. لكن الكلب خبيث لا شك. ومن أجل خبثه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإزالة ما أصاب من ولوغه بسبع غسلات، إحداهن بالتراب. وقد أثبت العلم الحديث أن في لعاب الكلب مما هو ضار ما يقتضي إزالته بمثل هذا الاعتناء وزيادة، وهو أن يكون بالتراب. فقد أثبت العلم الحديث أن بعض ما يضر في ريق هذا الكلب لا يزيله إلا التراب. فإذا كان كذلك، فهذا يؤكد المعنى السابق، وهو أنه ليس لأجل النجاسة، ولكن لأجل خبثه. ويدل ويؤكد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بغسل اليد ثلاثًا لمن مس الكلب، وهو مما تعم به البلوى. فقد أذن النبي عليه الصلاة والسلام باتخاذ كلب الصيد، وكلب الحراسة والزرع. ومع ذلك لم يبين النبي عليه الصلاة والسلام مثل هذا الحكم، مع أن الابتلاء بولوغ الكلب أكثر أم بمسه؟ أيهما أجد؟ ابتلاء المس الكلب، الناس تبتل به أكثر من ولوغه في الإناء. فأمر النبي عليه الصلاة والسلام إذا ولغ في الإناء أن يغسل سبعًا، إحداهن بالتراب. ولم يذكر حكمًا فيما يتعلق بمس جسده أو شعره أو شيء من ذلك. والأصل في هذا أنه على أصل العفو. فإن كان يغسل فيغسل كسائر كل خبيث. فإذا كان هذا هو الراجح: أن غسل ما ولغ الكلب خاصة سبع غسلات ليس لأجل نجاسته، ولكن لأجل خبثه. فإذا من باب أولى ما قيس عليه. وقد قيس الخنزير على الكلب، فقالوا: إن ما ولغ فيه الخنزير فإنه يغسل سبع غسلات، وإحداهن بالتراب؛ لأجل غلظ النجاسة التي فيه. والصحيح: أنه لا يؤمر بذلك؛ لعدم ورود دليل صحيح صريح يدل عليه. بل الصحيح: أنه كغيره من النجاسات، لكنه خبيث لا شك، وهو كذلك أقرب إلى النجاسة؛ لأنه رجس، أو لحم خنزير، فإنه رجس. هكذا قال جمهور أهل العلم. ورجح بعض أهل العلم إلى أن الرجس أعم من النجس. فالرجس: الخبيث، والنجس: هو من فيه حكم النجاسة التي هي معلومة في الشرع. فليس كل رجس نجس، وكل نجس فهو رجس. يعني كل نجس هو خبيث، وليس كل خبيث ماذا؟ نجس. فالله عز وجل سمى الأوثان ماذا؟ رجسًا. ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾. فهل معناه أن الأوثان تعتبر نجسة؟ الجواب: لا. فإن الأوثان ما هي؟ أحجار. ومن الأوثان الأوثان ما هو ماذا؟ أكل يؤكل. يصنع. تصنع بعض الأوثان من الأكل الذي يؤكل. فليس كل رجس فهو نجس، لكن كل نجس هو رجس. فلهذا كان الصحيح: أن الخنزير خبيث، وإن قيل بنجاسته، فهو لا يقتضي كذلك أن يغسل ما مس سبع مرات. هذا هو الصحيح. طيب، إذا كان كذلك، فإذا هذا الفرق من جهة التطهر على الإطلاق في نجاسة الكلب ليس بصحيح، ولكن فيما ولغ خاصة. وقوله: «والثاني مخفف، كنجاسة بول الغلام الذي لم يأكل الطعام لشهوة»، يعني قد يأكله لغير شهوة، مثل الصبي الذي يعطى التمر أو العسل أو الشيء اليسير من الطعام، وهو لا يشتهيه. فهذا لم يأكل الطعام. فإذا أكل الطعام لشهوة، ولو كان يرضع، فهو ليست نجاسته مخففة، بل نجاسته مغلظة، يعني أو نقول عادية، كسائر نجاسات الأطفال الآخرين؛ لما جاء في حديث عائشة، وبمعناه حديث أم حطان الأسدية، في الصحيحين، في قصة الغلام الذي لم يأكل الطعام، فبال في حجر النبي عليه الصلاة والسلام، فأتبعه بوله، ولم يغسل. وأما قوله: «وَقِيْئِهِ»، الصحيح: أن القيء ليس بنجس أصلا، لا قيء الصبي الذي لم يأكل الطعام، ولا الكبير الذي أكل الطعام. هذا هو الصحيح. فإذا لا حاجة لأن يلحق ببوله. وإلحاقه بالبول على قول من يقول: إن القيء نجس. والصحيح: أن القيء ليس بنجس؛ لعدم ورود الدليل الدال على ذلك. والأصل هو البراءة. الأصل هو البراءة. قوله: «فَيُكْفَى فِيهِ النَضْحُ»، للحديث الذي تقدم، أو الحديثين المتقدمين. قال: «وَكَذَلِكَ يُعْفَى عَنْ ...»، نعم، يعفى عن كل دم يسير، ولو كان دم نجس صحيح. إذا كان يسير، لا يمكن التحرز منه، يعفى عنه. وأما إذا كان يمكن التحرز منه، فيجب إزالته. إذا كان يمكن التحرز منه، فيجب إزالته. ولكن هل كل دم نجس؟ الصحيح: لا، ليس كل دم نجس. وأما قول الله عز وجل: ﴿أَوْ دَمٍ مَسْفُوحٍ﴾، الدم المسفوح، نقول فيه كما قلنا في الخنزير: هو رجس. وكما قلنا في الأوثان: لكنه لا يلزم كونه رجسًا، أي خبيثًا، أنه يكون نجسًا. ولهذا كان الصحيح: التفريق بين دماء ما يؤكل لحمه، فهي طاهرة على الصحيح، وما لا يؤكل لحمه فهي نجسة. ودماء الإنسان كلها طاهرة، إلا دم الحيض النفاس، فإنه نجس؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتطهيره، كما جاء في ذلك الدليل. قال: «والصديد اليسير»، كذلك الصديد اليسير يعفى عنه. ولكن هل هو نجس؟ على التفريق في الدم هو هو تابع لحكم الدم. فما كان من الدماء ليس بنجس، فهو ليس بنجس. وما كان من الدماء نجس، فهو تبع له، فهو نجس. والكل خبيث. النجس وغير النجس كله خبيث، لا نشك أنه خبيث. قال: «والثالث متوسط، وهي باقي النجاسات، يكفي فيها على الصحيح أن تزول بأي شيء، وبأي عدد». هذا الإطلاق يحتاج إلى التقييد. إنما يزول بأي شيء يزيله. وفرق بين الشيء الذي يزيله، والشيء الذي لا يزيله. مثلا: صب الماء على النجاسة يزيلها في الغالب. وهكذا كذلك البخار يزيل النجاسة. كذلك بعض المواد المعاصرة من المطهرات بأنواعها، بترولية أو كيماوية، وغيرها، يزيلها. فهذه كلها مطهرة. وبعض الأفعال لا يزيلها، ولكن قد يغير هيئتها. فإذا غير كيفيتها بما يزيل حكم النجاسة، فالصحيح أنها كذلك تزول. مثل إحراق النجاسة. النجاسة إذا أحرقت، صارت هذه الاستحالة سببا في حصول الطهارة، إذا تم الإحراق، وتحولت مثلا إلى رماد. فالصحيح: أن هذا يطهرها. أو كذلك وضعت في الأرض سمادًا، فتحولت إلى زرع، أو تحولت إلى غيره. هل هذا يزيلها؟ الجواب: ننظر. هل هذه الاستحالة أزالت عينها؟ أن بقي شيء من عينها؟ إن بقي شيء من عينها، فقد دل الدليل الشرعي أن حكمها باق. مثل الجلالة في الحيوان، فكذلك نقول في النبات. كذلك نقول في النبات. ومنه كذلك الشمس إذا أصابت الأرض، الشمس إذا أصابت الأرض قد تزول تلك النجاسة، لكن لا تزول إزالة كاملة. فلذلك كان الصحيح: أن الشمس لا تطهر الأرض. الشمس لا تطهر الأرض. إذا علمت في موضع معين نجاسة، وجب عليك أن تغسله. ويدل عليه حديث أنس في الصحيحين، في قصة الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد، أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يتبع بذيء. فلو كان الهواء يكفي في تطهيره، أو الشمس، لا ترك. لكن لا يكفي. الصحيح: أنه لا بد أن يصب عليه ماء، أو ما كان بمعناه مما يطهره. وقوله: «وَقِيلَ: لَابُدَّ فِيهَا مِنْ سَبْعِ غَسَلاَتٍ»، وقيل: غير ذلك، إلى ثلاثة، إلى أقل. والصحيح: أنه يزال بحسب ما تزول به النجاسة، إلا في موضع واحد، وهو الاستنجاء. فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن لا يستنج بأقل من ماذا؟ من ثلاث أحجار. مع أن النجاسة قد تزول بحجر واحد، ممكن. أو غير متصور؟ الجواب: متصور. ممكن أن تزول النجاسة بحجر واحد. يبول الإنسان مثلا بولة يسيرة صغيرة، ويستنج بحجر واحد، تنتهي النجاسة. ممكن. لكن في الشرع لم يؤذن له أن يكتفي بحجر. لا بد من ثلاثة أحجار، أقل شيء ثلاثة. الحكمة من ذلك كما قال بعض أهل العلم: هو زيادة تيقن إزالة النجاسة. المقصود منه: زيادة تيقن إزالة النجاسة. وغير ذلك مما ذكر. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، والله تعالى أعلم.