مجالس رمضانية لعام 1429هـ 2

الدرس في مجالس رمضانية لعام 1429هـ 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفسير الآيات والأحكام الفقهية المتعلقة بالصيام

يتناول تفسير آية الشفع والوتر والأحكام الفقهية المتعلقة بالصيام مثل بلع البصاق في نهار رمضان. يشرح أيضًا حكم التعوذ عند سماع نباح الكلاب ونهيق الحمير والدعاء عند سماع صياح الديك.

أحكام متفرقة في الطهارة وتعظيم المصحف

يتناول عدة أحكام متفرقة منها حكم العين وعلاجها، وحكم الإفرازات المهبلية للمرأة وتأثيرها على الوضوء والصلاة، وحكم وضع المصحف على الأرض وتعظيمه.

علاج الوساوس الشيطانية وآداب المسجد

ينصح بالابتعاد عن التوطن في مكان معين في المسجد ويشير إلى علاج الوساوس الشيطانية بقطع الخواطر السلبية والانشغال بطاعة الله وأعمال الدنيا، مع التأكيد على الثقة بالله والابتعاد عن كيد الشيطان.

رفقة الخير والابتعاد عن المعاصي

يوصي بالحرص على رفقة الخير والابتعاد عن رفقة السوء والمعاصي لتجنب تسلط الشيطان، ويشدد على أهمية صحبة الخير للمساعدة على الطاعة والتضرع إلى الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذا سائل يسأل، يقول: ما معنى ما جاء في سورة الفجر: ﴿والشفع والوتر﴾؟ فما هو الشفع والوتر؟ الشفع معروف، هو ما كان فيه معنى التثنية أو الزوج، ما أُخذ من معنى الشفاعة، فالشافع هو العاضد، قول غيره. والمراد بالوتر، أي ما هو ضد الشفع، وهو الواحد أو الفرد، العدد الفردي. وأما ما هو المراد بالشفع والوتر، فلأهل العلم من أهل التفسير في ذلك أقوال كثيرة، جاء في ذلك منها ما كان من مواضع فضل في أيام معدودات، ومواضع كذلك معدودة، واللفظ أعم من هذا، فيشمل ما فيه فضل من أيام فاضلة أو مواسم خيرات وطاعات، أو غير ذلك مما يدخل في معنى الشفع ومعنى الوتر في كل معنى من المعاني الأخرى. يقول: هل بلع البصاق في نهار رمضان يفطر؟ ما كان من ذلك لا يمكن التحرز منه، فهذا على قاعدة المشقة تجلب التيسير، كسائر الريق الذي لا يسلم منه إنسان. وما قد يفعله بعض الناس من بسق كل ريقه، هذا فعل لما فيه إضرار، فكل إنسان له ريق، فريقه معفى، ريقه معفى، لا بأس ببلع ريقه، لكن لا يتكلف، لا يتكلف بإخراجه، ولا يتكلف بجمعه، لا يجمع الريق ليبلعه دفعة واحدة، ولا كذلك يتكلف إخراج الريق بمناديل أو نحوه حتى يجف ريقه وحلقه، وهذا خطأ. ومنه ما هو ليس كذلك، مثل النخاعة والنخامة وما كان بمعناها، مما هو أمر عارض، فمثل هذا كذلك يفصل فيه، ما كان من ذلك عمد، فينبغي للإنسان أن يخرجه. وقد أفتى بعض أهل العلم أن تعمد بلع ذلك يفطر، وبعض أهل العلم قال: وإن كان لا يفطر، لكن هو من الخبث الذي ينبغي أن يتنزه عنه الإنسان، فإذا كان كذلك، فمثل هذا ينبغي أن يجتنب على أقل الأحوال؛ ليسلم صومه وليكمل، وليجتنب ما هو خبيث. وأما ما كان بغير عمد، نخاعة ونخامة ونحوها، ونحوها يبتل بها الإنسان، فيبلع ذلك خطأً ونحوه، فهذا إن شاء الله عفو، ما جعل عليكم في الدين من حرج، وكذلك «إن مع العسر يسرى، إن مع العسر يسرى»، والمشقة تجلب التيسير، والله أعلم. يقول: هل التعوذ عند سماع نباح الكلاب ونهيق الحمير مطلق في أي وقت، أم هو مقيد في الليل؟ فيما أعلم، والله أعلم، أنه مطلق، ولا أعلم دليلًا يخصص الليل، فهو عام. يقول: عند سماع صياح الديك، يسأل الله من فضله، هل هذا في جميع اليوم، أم في الليل، أم يدعو مرة أم ثلاث مرات؟ الحديث على عمومه، «تسأل الله من فضله». وهنا قاعدة ذكرها العلماء، وهو أن الأصل في الأمر هو المرة الواحدة، قد ذكر العلماء هذه المسألة في كتب الأصول، ولا يؤمر بالتكرار إلا إذا دل الدليل بلفظه أو معناه على التكرار، يعني: مثلًا جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر: إذا سمعنا صياح الديك، فإننا نسأل الله من فضله، هل بكل صيحة لو كرر ثلاثًا نكرر الدعاء ثلاثًا؟ الجواب: الأصل أن الصياح، ولو تكرر ما دام في وقت واحد، فإنه يكون له دعاء واحد، الأصل هو الامتثال بالمرة الواحدة، والزائد عن المرة الواحدة يحتاج إلى دليل أو قرينة، دليل لفظي أو قرينة تفهم من المعنى، كان يعلق الشيء بسببه، فإنه يكرر بتكرار سببه، والله أعلم. يقول: إذا أصيب الرجل بعين، واقتسل من الماء الذي توضأ منه أو توضأ منه الحاسد، هل هذا الحكم ينطبق على الحيوانات إذا أصيبت بالعين، أنك تغسلها؟ وهل هذا الحكم يدخل كذلك في الجمادات إذا أصيبت بالعين؟ ينبغي أولًا أن نعلم أنه لا ينبغي لنا التوسع في باب العين، فإن من الناس من يتوسع بهذا الباب توسعًا عظيمًا، حتى يصاب بشيء من الوسوسة وسوء الظن بالناس، وهذا خطأ، وهكذا في المقابل لا ينبغي لنا أن ننكر العين، العين حق كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، لكن بدون إفراط ولا تفريط، ليس كل شيء ننسبه إلى العين، فنسيء الظن بالناس، وهكذا كذلك يبدأ الإنسان فيما وساوس وأوهام، وهذا خطأ. لكن إذا تحقق ذلك وعلمه، فإنه يؤمر بالتوضؤ أو كذلك بغسل أطراف العائن، ثم يصب على المعيون. وهل هذا خاص بالإنسان أم يقاس عليه غيره؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، فمن أهل العلم من قاس عليه غيره لعموم الأدلة، ومن أهل العلم -لكن بشرط إذا تحقق حصول العين- ومن أهل العلم من قال: لا، بل هذا في الإنسان خاصة، وأما في غيره فليس كذلك؛ لأن للإنسان شرف، وكذلك ما ليس لغيره، والحكم جاء في حقه خاصة، فالأمر في هذا واسع، وينبغي -كما قلنا- نحتاط في هذا الباب، لا نتوسع فيه. يقول: ما حكم الإفرازات المهبلية التي تخرج من المرأة إذا كانت بكثرة، وخاصة عند وجع الظهر، علما أنه يتم الوضوء منها ثم تعود مرة أخرى أثناء الصلاة، وكذلك أيضًا عند الطواف والسعي في بيت الله الحرام؟ الجواب الصحيح من أقوال أهل العلم أن مثل هذه الإفرازات، وما يسمى بطهرة المرأة ونحوه، لا يضر المرأة، فليس يبطل الوضوء، يعني الطهارة، وليس كذلك يبطل الصلاة، فهو مما يبطل به يبطل به بعض النساء، والمشقة تجلب التيسير، هذا أمر. وأمر آخر أن بعض أهل العلم ألحقه بحكم السلس، وأنها تحتاج الوضوء لكل صلاة فقط، وهذا على تقدير تنزيل هذه الفتوى وتصحيحها، فيكون لا حاجة لها أن تتوضأ إلا لكل صلاة. والصحيح أن هذا الخارج هو أرفع من أن يقاس بسلس البول، فإذا كان سلس البول هذا حكمه، فكيف بطهرة؟ وكيف إذا علمنا أن هذا يخرج من موضع الولد، وليس يخرج من موضع النجاسة؟ فالصحيح، والله تعالى أعلم، أنه ليس عليها شيء، ولا يضر ذلك، وهذه فتوى شيخنا محمد بن صالح عثيمين رحمه الله تعالى. يقول: وضع المصحف في الأرض في المسجد باتجاه القبلة، عندما يصلي صلاة النافلة الأولى، أن يرفع المصحف من الأرض، لعموم قول الله عز وجل: ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنه من تقوى القلوب﴾. ولقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما أتي له بالتوراة، دعا بوسادة فوضعها على الأرض، ثم وضع التوراة على الوسادة، وهي التوراة التي فيها شيء من التحريف، ولكن تعظيمًا لما هو صحيح منها مما هو من كلام الله، أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالوسادة أن توضع على الأرض، ثم توضع التوراة عليه، فإذا هذا في حق التوراة، فكيف بالقرآن الذي كله حق، وليس به شيء من التحريف؟ فهو أولى بالتعظيم، والله عز وجل يقول: ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنه من تقوى القلوب﴾. لكن إذا اضطر الإنسان، مثلًا احتاج إلى وضعه على الأرض لضرورة، كأن لا يكون هناك شيء مرتفع، فليس هذا بكبيرة، ولا محرم؛ لأن بعض الناس ربما يرى هذا قرين الكفر، وضعه على الأرض لا، لكن لا شك الأكمل والأفضل والأحسن أن يرفع، مثلًا الإنسان كان يقرأ ثم نعس، فنام على الأرض والمصحف بجانبه عند رأسه، هذا ما في حرج، وإن رفعه في موضع أرفع مرتفع فهو أفضل. يقول: مداومة الصلاة في مكان واحد في المسجد، خصوصًا لأنه فيه سهولة الخروج من المسجد عند حدوث مواعظ لبعض الحزبيين. جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام النهي «أن يتوطن الرجل الموضع من المسجد كتوطن البعير»، البعير يتخذ لنفسه موطن واحد، لمن له خبرة بتربية الإبل، إذا اتخذ مكانًا فلا يجلس إلا فيه، يشم الأرض حتى يجد المكان الذي يجلس فيه، ثم يرجع فيجلس فيه، حتى لو ذهب وغاب أيام، بل وأسابيع، بل وأشهر، إذا رجع إلى البيت لا يجلس إلا في موضعه الذي يجلس فيه. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم «أن يتوطن الرجل المكان من المسجد كتوطن البعير»، يعني: لا تخص المسجد بمكان واحد للصلاة، صلي في أي مكان يتيسر لك. فإن كان هذا المكان المتيسر مثلًا سارية فيها سترة، ليس هذا من التوطن؛ لأنك اتخذت هذا المكان لأجل ماذا؟ لأجل السترة. وقد صح أن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كانوا رضي الله عنهم يبتدرون السواري بصلاة النافلة، يعني: يتسابقون كل منهم يريد أن يدرك سارية يستتر بها ويصلي، فهل فعل هذا مثل من التوطن؟ الجواب: لا. فإن كان هذا الرجل اتخذ هذا المكان لحاجة كسترة أو نحوه، فلا بأس، ولا يحاول أن يخص هذا المكان. وأما إذا كان مثل ما قال: لأجل أن يخرج من المسجد، ممكن أن يخرج من أي مكان، ليس شرط من هذا المكان. يقول: جزاكم الله خيرًا، عندي وساوس، ففي بعض الأحيان أرى نفسي كافرًا، وأسأل نفسي: لما خلقت؟ أو كذا، فماذا تنصحوني؟ أنصحك بأن تثق بربك الكريم الرحمن، الذي وفقك لأبواب كثيرة من أبواب الخير والطاعة، وأن تتذكر أن الله الذي خلقك ابتلاك بهذا الشيطان الذي أخبر سبحانه وتعالى عنه، ما أخبر عن نفسه من أنه أقسم بإضلال هذا الإنسان، فإذا كان كذلك، فأنت احرص أن لا تكون من هؤلاء الذين أضلهم هذا الشيطان. والشيطان إذا لم يستطع أن يوقعك في الذنوب والمعاصي، فإنه ربما أوقعك في ماذا؟ في الوساوس، وماذا قال الله عز وجل عنه؟ قال الله عز وجل عنه كما أخبرنا: أن نتعود منه «قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس، من شر الوسواس الخناس»، فإن الشيطان وسواس يوسوس، فأنت أحمد الله أن شره وصل إليك إلى الوسواس فقط، ولم يوقعك في شيء مما يطمع به بأن تكون من فريسته. فإذا كان كذلك، فأحمد الله، وقد سئل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الرجل لا يزال الشيطان به يقول: هذا الله خلق الخلق حتى يقول له: فمن خلق الله؟ فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن ذلك من صريح الإيمان، كما جاء في صريح مسلم وغيره، يعني: أن كيد الشيطان رد إلى الوسوسة، فإذا رد إلى الوسوسة، معناه أنه عجز أن يوقعك في شيء محسوس، فانتقل معك إلى الوسوس، فأنت خذ هذا الشيطان بأن تقطع هذه الوسوس، وتعلم أن الشيطان عجز أن يوقعك في الشر، فانتقل إلى الوسوس، فاقطع هذه الوسوس. وعلاج هذه الوسوس بثلاثة أمور، أولها: أن تقطع هذه الخواطر التي ترد عليك، كلما وردت هذه الخواطر، فاقطعها، لا تسترسل بمصاحبتها وبتأملها وتتبع أحوالها وأمورها، لا، اقطعها حتى تنتهي وترتاح منها. وثاني هذه الأمور: أن تنشغل بطاعة الله، من الذكر بلسانك وبقلبك، إن لم يكن فلتنشغل بسائر الأعمال الأخرى، ولو بعمل من أعمال الدنيا، تنشغل به حتى تتلهى به عن هذه الوسوس، بعض الناس يحب الخلوة والجلوس وحده، وهذه الخلوة والانفراد يدخل عليه بواب الوسوس الكثيرة، فإذا لا تكون وحدك، إن استطعت أن تنشغل بعلم وذكر وطاعة فذاك، إن لم تستطع، اذهب اعمل لك أي عمل من أعمال الدنيا، ولو أخذت مطرقة ومسامير واشتغلت، أو رممت في بيتك أي شيء يحتاج إلى عمل، أو نحو ذلك، لا تبقى خاليًا فيرد عليك الشيطان. والأمر الثالث والأخير: تحرص على رفقة الخير التي تعينك على الطاعة، وتجنب رفقة السوء، فإن المعاصي من أسباب تسلط الشيطان، نسأل الله عز وجل مفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يجنبنا ما يبغض، يا أبا... والحمد لله رب العالمين.