نصائح وتوجيهات تربوية 7

الدرس في نصائح وتوجيهات تربوية 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الوسائل المعينة على الفهم وحفظ العلم: الابتداء بالأولويات وكثرة القراءة

يستعرض المحور أهم الوسائل المعينة لطالب العلم على الفهم والحفظ، وأولها البدء بالكتب المناسبة للمستوى والتدرج في الطلب، وثانيها الإكثار من القراءة والمطالعة والمذاكرة وتكرار المراجعة. ويضرب أمثلة بهمة السلف في تكرار قراءة الكتب العظيمة، ويستشهد بحديث تعاهد القرآن دليلاً على ضرورة المراجعة المستمرة لتثبيت الحفظ.

أهمية المراجعة والمذاكرة في تثبيت العلم وحفظ القرآن

يؤكد المحور أن إهمال المراجعة الدورية يؤدي إلى نسيان القرآن والعلم، مستشهداً باجتهاد السلف الصالح في تدارس العلم ليلاً. ويبين أن المذاكرة بصورتيها، التدارس مع الزملاء وتدريس الغير، هي السبيل العملي لتثبيت المعلومات وإحيائها في القلب.

أثر التكرار والتدريس والكتابة في ترسيخ العلم وبقائه

يوضح المحور أن تكرار دراسة الكتاب عدة مرات يرسخ المعلومات في الذهن، كما أن تدريس الغير ينال به الأجر ويثبت العلم لدى المعلم. ويوصي بكتابة البحوث واقتناء الكتب للمراجعة المستمرة كوسائل فعالة لحفظ العلم وبقائه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهَد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهَد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: فقد أخذنا في دروس ماضية بعض التوجيهات التي يوجه بها طالب العلم، وآخر ما ذكرنا الوسائل المعينة على الفهم، وعلى بقاء العلم وأكبر قدر من المعلومات. فذكرنا من أول هذه الوسائل: الابتداء بالأولويات في طلب العلم، يعني الأمور التي هي تناسب مستوى الطالب؛ فإن كان مبتدئًا ابتدأ بصغار الكتب، وهكذا يتدرج شيئًا فشيئًا حتى يرتقي في المستوى العلمي، وهكذا ينتقل من كتاب إلى آخر. وذكرنا في ذلك ما يسر من كلام أهل العلم، ومن حث أهل العلم على هذا الأمر. الأمر الثاني من الأسباب المعينة على الفهم، وعلى بقاء أكبر قدر من المعلومات عند طالب العلم: كثرة القراءة والاطلاع والمذاكرة للعلم. فهذه الأمور من أعظم الأسباب التي تعين على الفهم، وعلى كذلك الحفظ، حفظ المعلومات. كثرة القراءة: تكثر من قراءة كتب أهل العلم، وتبدأ بالكتب التي تفهمها، ذات الأسلوب السهل الميسر. وهكذا تسمع في جلوسك في حلقات العلم، وفي مجالس العلماء والمشايخ والطلاب المستفيدين، وهكذا من سماع الأشرطة النافعة لأهل العلم من أهل السنة. فإذا أكثرت من ذلك استفدت أمورًا عظيمة، سواء كان في باب اللغة واستقامة اللسان، أو في باب كذلك الفقه والعقيدة، وغيرها من أبواب العلم. وإذا نظرت إلى همة السلف في القراءة والمطالعة لرأيت العجب العجاب. فذكر محقق رسالة الإمام الشافعي عن الإمام المزني رحمه الله تعالى: أنه قرأ كتاب الرسالة للإمام الشافعي في أصول الفقه خمسين مرة. خمسين مرة قرأ هذا الكتاب، ليدلك هذا على همة السلف في هذا الباب، باب الاطلاع والقراءة والمذاكرة. وهكذا ذكر في ذيل طبقات الحنابلة عن عبد الله بن محمد، فقيه العراق، من العلماء الأجلاء: أنه طالع كتاب المغني لابن قدامة ثلاثًا وعشرين مرة. المغني مجلدات عدة، بضعة عشر مجلدًا، قرأها ليست مرة ولا مرتين، بل قرأها ثلاثًا وعشرين مرة. وهكذا إذا طالعت سيرة السلف الصالح في هذا الباب لرأيت العجب العجاب في حبهم ورغبتهم في القراءة، وكثرة المطالعة، وتكرار الكتاب، وكثرة القراءة فيه مرة بعد أخرى. هذا يثبت الحفظ ويثبت المعلومات؛ لأن التكرار والمعاهدة، أن تتعاهد هذا الكتاب بين فترة وأخرى بالمذاكرة والمطالعة والقراءة، هذا مما يثبت المعلومات ويثبت الحفظ. ويشهد لهذا حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، كما في صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «تعاهدوا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتًا من الإبل في عقلها». تعاهد القرآن: ما معنى تعاهد القرآن؟ يعني: أكثر من قراءته ومن مراجعته. لا تقرأه وتحفظه مرة وتتركه الأشهر والأسابيع والسنين، بل تعاهده وذلك بالرجوع إليه بين فترة وأخرى. قال بعض أهل العلم: هذا في القرآن، هو أشد تفلتًا من الإبل في عقلها. يعني: الإبل لما تعقل تُربط، تفك هذا الربط، تفك هذا الربط، ينفلت هذا الربط وتذهب. فهكذا القرآن: إن لم يجد معاهدة ومراجعة وتكرار يتفلت ممن حفظه. وهذا هو الواقع: تجد كثيرًا من طلاب العلم يشكو من نسيان ما حفظ من القرآن. وإذا تتبعت سبب ذلك وجدت أن السبب إهمال هذا الطالب، يريد هذا الطالب أن يحفظ القرآن ثم يبقى في صدره صَمًّا وبدون مراجعة. لا تجده يشكو، فإذا سألته: كم لك من مراجعة هذا الذي نسيت؟ ربما يذكر لك الأيام الكثيرة أو الأشهر الكثيرة. فكيف لا يتفلت القرآن من أمثال هذا؟ قال بعض أهل العلم: هذا في القرآن، من لم يتعاهده تفلت عليه، فكيف بغيره؟ والقرآن قد قال الله عز وجل في شأنه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، فغيره إن لم يجد معاهدته فمن باب أولى أن يتفلت، من باب أولى أن يتفلت. فهذا الحديث فيه أن طالب العلم ينبغي عليه أن يعاهد، وأن يذاكر معلوماته بين فترة وأخرى. درس كتاب وأتقن هذا الكتاب، لا يرمي به في رَفٍّ أو في مكتبته ولا يفتحه السنين والشهور. لا، يجعل له بعد فترة وقتًا في مراجعة هذا الكتاب، وهذا ما تسمى بالمذاكرة. وقد قال بعض السلف: حياة العلم مذاكرته. حياة العلم مذاكرته. تريد العلم يحيى في قلبك؟ أكثر من مذاكرته، ومن مراجعته. ومذاكرة ومراجعة العلم له صور: فمن صوره التدارس مع أصحابك، أن يكون لك صاحب تتدارس، وكذلك تتذاكر معه هذا العلم، إما عن طريق السؤال، وإما عن طريق القراءة حتى تنشط، وإما غير ذلك. المهم أن يكون لك من يراجع معك. ولقد كان السلف الصالح رحمهم الله تعالى يتدارسون العلم ويتذاكرونه، فلربما خرجوا من صلاة العشاء فالتقوا في الطريق فتذاكروا الحديث حتى بزغ الفجر، يتذاكرون الحديث من بعد العشاء حتى طلوع الفجر. ولعلكم تسمعون أحيانًا يقال مثلًا: البخاري اختصر هذا الحديث لأنه رواه مذاكرة. ما معنى مذاكرة؟ يعني: كتبه مذاكرة مع أصحابه ومع زملائه، كانوا يتذاكرون ما حفظوا، رحمهم الله تعالى. وهكذا هو حال علمائنا، تجد أنهم في وقت الجلوس مع طلابهم، وفي بعض الأحيان، وفي بعض الأحيان يتدارسون العلم. مثل شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى: كانت، كانت ما تمر ليلة إلا ويتذاكر فيها بعض مسائل العلم. فلربما خص ليلة من الليالي بمذاكرة قطر الندى، يسأل الطلاب في مسائل، وفي شواهد، وفي كذلك قواعد قطر الندى في النحو لابن هشام. وهكذا يسأل الطلاب في مسائل العقيدة، وربما أحيانًا خرج من على كرسيه وطاف المسجد ينتقي من الطلاب من يجيب على هذا السؤال، مذاكرة للعلم. وبهذه المذاكرة يجتمع، أو تجتمع من الفوائد الشيء الكثير؛ لأن هذا يأتي بفائدة، وهذا يأتي بأمر لا يحفظه الآخر، وهكذا تجتمع من الفوائد ومن العلم الشيء الكثير. فينبغي أن نحرص على هذا حتى نثبت المعلومات. تثبيت المعلومات يكون بالمذاكرة. وكما قلنا: من صور المذاكرة أن يكون لك صاحب تتدارس معه. ومن صور المذاكرة: تدريس ما تعلمت، وما قرأت، وما تهمت. تدرس من هو أقل منك علمًا، أو من هو مثلك، من هو مثلك. فالتدريس أيضًا مما يثبت المعلومات؛ لأنك تحرص على حفظ هذه الفائدة حتى تلقيها على الطلاب من حفظك، وليس أي حفظ، لابد أن تتقن هذا الحفظ حتى لا تحرج أمام الطلاب. فهذا يجعلك ماذا؟ يجعلك ذا عناية بالحفظ والإتقان، وهكذا تثبت المعلومات وتترسخ في الذهن. فكيف لو درست هذا الكتاب أكثر من مرة؟ درسته ثلاث مرات أو أربع مرات، يكون هذا الكتاب صَمًّا في صدرك، صَمًّا في صدرك. وكنا نعجب لما ندرس في المدارس، في مناهج فيها علوم دنيوية، فبعض المدرسين لكثرة تدريسهم لهذه المادة يدخل بلا كتاب، ويكتب على السبورة العبارات الموجودة في الكتاب، يمكن صفحة كاملة أو ورقة فيها مثلًا في علم الإحياء أو في علم الكيمياء قواعد ومعادلات، ويكتبها صَمًّا. فنتعجب، فتبين أن هذا المدرس له عشرات السنين وهو يدرس هذا الكتاب، حفظه حتى صار حفظًا متقنًا لكثرة ماذا؟ لكثرة التدريس في هذا الكتاب. وهكذا من باب أولى في باب العلم: لو الطالب يدرس كتابًا تجده متقنًا لهذا الكتاب، خصوصًا إذا درسه مرات عدة، لا مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع، فتجده راسخًا في هذا الكتاب وحافظًا لهذا الكتاب. فهذا يعطينا، بارك الله فيكم، أنه من رزق علمًا وفهمًا وقدرة على تدريس إخوانه أن يبادر إلى ذلك، فهو بهذا يستفيد فوائد كثيرة: منها أولًا نيل الأجر والثواب، وتعلمون فضل التدريس والتعليم، تعليم المسلمين. من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا. وهكذا الثلاثة. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث»، ومنها: علم نافع ينتفع به. فأنت تنفع إخوانك، وإخوانك ينفعون غيرهم وغيرك، فتكون سببًا في نشر العلم، أجر. ومن فوائد أيضًا تدريس إخوانك: أيضًا ما ذكرنا من رسوخ المعلومات وتثبيت كذلك المعلومات. وهكذا من وسائل المذاكرة: مذاكرة ومدارسة العلم، كتابة البحوث والمقالات المتعلقة بالدرس الذي تدرس. تبحث مثلًا اليوم درس في أحكام الجنائز، تذهب وتبحث، سواء كان في المجال الحديثي أو في المجال الفقهي، أقوال أهل العلم. فهذا مما يثبت المعلومات؛ لأنك ستكتب هذه الفوائد، وستعتني بنقل هذه الفوائد. وليس معنا كتابة البحوث أنك تنشر هذه البحوث، لا، تبقى في كراس خاص لك. وهكذا تعود نفسك على المطالعة، وعلى البحث. والبحث في الكتب فيه بركة، تقف على فوائد تشد لها الرحال. تبحث على حديث فتجد فوائد أخرى في غير الحديث الذي تريد. تبحث في مسألة فقهية تجد ما شاء الله من أقوال أهل العلم الشيء الكثير. فهذا أيضًا مما يثبت المعلومات ويرسخ المعلومات. فهذا من الأمور المهمة لطالب العلم: أن يكثر من مذاكرة ما درس، ومن معاهدة ما درس. وكما أشرنا في الدرس السابق: أن طالب العلم كذلك يقتني الكتاب الذي يدرس. فمن فوائد اقتناء الكتاب الذي يدرس: أن يراجع ما درس بعد فترة. إذا لم يكن معك كتاب، كيف ستراجع ما درست؟ ما تستطيع أن... ما عندك المرجع. فمهم جدًا أن يقتني طالب العلم الكتاب الذي يدرسه الشيخ أو يدرسه المدرس، حتى يبقى في مكتبته الخاصة، فيستطيع أن يراجعه بين فترة وأخرى، وكذلك يستفيد من الفوائد التي يعلق ويكتب في هذا الكتاب. فهذه أمور مهمة تعين على بقاء الحفظ وبقاء العلم، وكذلك حياة العلم في قلب طالب العلم. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر