الدرس في التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين 16، الدرس السادس عشر:من( ثم قال رحمه الله:هنالك لا تثريب يوماً على امرئ*إذا ما بدا منه الذي كان يكتم ... كأنه يحث نفسه على انتهاز الفرصة والعمل قبل أن يدنو الأجل ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول الشيخ أهمية التعبد لله عز وجل في الحج والعمرة، ويشير إلى أن كثيرا من الناس يفتقدون الصفاء والحرص في أداء العبادات. أداء العبادات بحرص وصفاء يأتي من محبة عظيمة وشوق عالي نابعين من الإيمان وصدق التوجه.
يناقش المقطع أهمية استغلال المواضع المباركة في الحج بالعبادات الصحيحة، ويحذر من الكتيبات الصغيرة التي تحتوي على أدعية غير مشروعة. الالتزام بالأدعية المشروعة والمأثورة أمر مهم.
يشرح المؤلف كيف أن المحبة قد تصيب القلوب وتؤثر على الجوارح، ويبين أن الحب قد يكون ممدوحا أو مذموما حسب الضوابط الشرعية. ثم ينتقل إلى خطاب نفسه وتحفيزها على انتهاز الفرصة والعمل الصالح.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، رحمه الله تعالى. ثم قال رحمه الله: «هناك لا تثريب يوما على امرئ إذا ما بدى منه الذي كان يكتم». قال: قوله «الذي كان يكتم» أي من الأشواق والأحزان لفراق البيت. وبطبيعة الحال، فإن من العادة في مثل هذا أن يلحقه البكاء عند فراق البيت. وإذا قست هذه الحال التي صورها المؤلف رحمه الله بحالنا اليوم، وجدت الفرق العظيم بيننا وبين هذه الحال. فغالب الناس اليوم ببغاوات يأتون خلف المطوف، يؤمنون. فإذا قال «اللهم»، قالوا «اللهم»، وهو لا يدري ما يقول، وهم لا يدرون ما يقال لهم. فيأتي المطوف، مثلا في أيام العمر، ويقول «اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا». لأن المطوف جاهل، وحفظ أذكارا لا يتمعن فيما هو المناسب الذي يقال في هذا المقام، وما هو الذي لا يقال في هذا المقام. قال: ولنقول إنه قد اطلع على حديث عمر بن حزم، والذي فيه أن رسول الله ﷺ سمى العمرة حجا أصغر. والحديث -كما أشار المعلق- أنه مختلف فيه، فمن أهل العلم من صححه، ومن أهل العلم من أشار إلى ضعفه، لكنه بالجملة معناه صحيح. فالعمرة كالحج، لكنه مصغر. قال: وذلك لأنه من أجهل ما يكون، لكنهم بدوا الآن -والحمد لله- يقولون «اللهم اجعلها عمرة مقبولة»، وكأنهم قد نبهوا على هذا. والشيخ رحمه الله -شيخنا- كان كثير الزيارة لبيت الله الحرام، فهو يحج في كل عام، وهو كذلك يعتمر في العام مرات، فلا تخلفه عمرة في رمضان، كما كذلك تتخلل العام عمرات أخرى. فهو بهذا يتكلم عن خبرة ومعرفة بأحوال هؤلاء المطوفين، مع ما في هذا التطويف من مخالفة للسنة، وكذلك تضليل للحجاج والمعتمرين. فبدلا من أن يجتهدوا بالدعاء، ويتعلموا ويحفظوا ويقرأوا، صار الواحد منهم يتكل أنه إذا وصل الحرم يدفع دريهمات مقابل أن يطوف به أحد هؤلاء. وحال هؤلاء أشبه ما يكون كما قيل: «هذا للين حاجة، وهذا للين المال». هذا قصده ينتهي من عمرته بأسرع وقت، وذاك قصده أن يقبض المال بأسرع وقت. ولذلك تجد ذاك الركض، وتلك العجلة في كل من الطرفين، لأنه لا اعتناء بأداء العمرة على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه. الشاهد: هذا شيء عارض ذكره الشيخ رحمه الله، يريد أن ينبه به على أهمية التعبد لله عز وجل، واستشعار مواقف العبودية في الإتيان، وفي الذهاب، وفي سائر الأقوال والأفعال. فما ذكره الناظم رحمه الله من حزن الفراق، ودمع العين، والأسى، وغير ذلك، كل ذلك إنما يقع عن محبة عظيمة، وشوق عالي، بسبب ما في القلب من إيمان، وما فيه كذلك من صدق توجه. ولا يكون ذلك في الغالب إلا بصفاء وحرص. ومن همش هذه الأعمال أن يعملها بنفسه، ورضي لنفسه أن يكون متبعا، يفتقد هذا الصفاء، وذاك كذلك الحرص، بسبب تسليمه زمام أمره إلى غيره. والإنسان إذا أتى إلى مثل تلك المواضع المباركة، فإنه يحاول أن يخلو بربه سبحانه وتعالى، ويخضع بين يديه، ويستغل تلك اللحظات والساعات، وأيام العبادات بما يحيي قلبه وإيمانه، ويتقرب لربه سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: «لكنهم -قال رحمه الله- كثير من الحجاج مساكين، لا يدرون ماذا يقولون». ولو يسر لك أن استمعت إليهم وهم ينقلون ما في هذه الكتيبات، ويدعون بها، لسمعت العجب والعجاب، يعني من جهلهم فيما يتكلمون به، خصوصا وأن الكثير من هؤلاء من الأعاجم الذين لا يعرفون العربية. فأحيانا ينطقون الكلمات بما يغير المعنى تماما، إما من جهة خطأ في القراءة، أو خطأ في السماع حين يردد خلف المطوف. وأعظم من ذلك ما اتخذه بعض الناس سنة في تلك المطويات الصغيرة، والكتب التي تباع في أطراف المكتبات حول الحرم، وفيها «دعاء الشرط الأول»، «دعاء الشرط الثاني»، «دعاء الشرط الثالث» إلى آخره. فيحصل في ذلك -مع ما فيه من التشديد على الناس بغير برهان- من الخطأ ما يجعل هؤلاء في حيرة ومشقة. أحيانا بعضهم يدعو ولا يدري بنفسه إلا وهو دخل في «دعاء الشرط الرابع»، وهو ما زال في الشرط الثاني. فيسبب له ربكة، وربما يظن أن هذا يضر بالطواف، فيبدأ يعيد الطواف من جديد، لأن الدعاء اختلف مع الطواف. وكل هذا بسبب هذه الكتيبات التي فيها أولا الإشقاق على الناس، مع ما فيها من المخالفات، والأدعية التي تخالف السنة. فالالتزام بالأدعية -لو كانت مباحة أو بعضها مستحب- الالتزام بها بكل شوط ليس من السنة في شيء، فضلا عما فيها من بعض الأدعية المنافية لعمومات الشريعة. قال: ثم قال رحمه الله: «فيا سائقين العيس بالله ربكم قفوا لي على تلك الربوع وسلموا وقولوا محب قاده الشوق نحوكم قضى نحبه فيكم تعيشوا وتسلموا». قال: قوله «العيس» عن الإبل. وقوله «قضى نحبه» أي حاجته. وهو يريد رحمه الله تعالى -أي الناظم- أن يصف منازل الحجيج وحالهم، وهكذا كذلك منازل المحبين الذين لم يصلوا إلى ما وصل إليه هؤلاء. فخلط بين حال هؤلاء وهؤلاء ليبين رحمه الله كيف يكون شدة الشوق لمن لم يوفق، وهو يطمع غاية الطمع، ويحب غاية الحب أن يصل إلى هذه المواضع المباركة الطيبة. وكيف يكون حال من وصل كذلك. وكل هذا منه رحمه الله تعالى تهييجا أولا لهذه العبادة والطاعة العظيمة، وما ينبغي أن يكون فيها من إخلاص القلب، وصحة التوجه، وصحيح وصاف المحبة، مع ما فيه كذلك من تنبيه إلى المقصد الآخر الأكبر، وهو تقريب المثل البعيد بهذا المثل القريب. قال: ثم قال رحمه الله: «قضى الله رب العرش فيما قضى به بأن الهوى يعمي القلوب ويبكم». قال: وهذا صحيح، فإن الإنسان الذي له هوى تجده -والعياذ بالله- أعمى لا يرى الحق، وأبكم لا ينطق بالحق. ولهذا لا يؤمن أحدنا حتى يكون هواه تبعا لما جاء به الرسول ﷺ. وهو يشير رحمه الله -أي في نظمه- إلى الحديث «أن الحب يعمي ويصم». وهو حديث حسنه بعض أهل العلم، وضعفه أكثرون. وأكثرهم على تضعيفه. ومن حسنه حسنه بمجموع طرقه. وأشار المعلق إلى شيء من ذلك. والشاهد من هذا يريد أن يبين رحمه الله تعالى أن المحبة -بغض النظر عن نوعها محمودة أو مذمومة- قد تصيب القلوب، وهكذا كذلك السمع والأبصار، يعني من شدة التعلق والشوق. فتثقل هذه الجوارح وتنشغل بما تحب وتعشق عما سواها. وقد يكون هذا الحب في شيء ممدوح، وقد يكون في شيء مذموم. فالمذموم مذموم، والممدوح ممدوح، ما لم يخالف الضوابط الشرعية. فلا إفراط ولا تفريط. فحب المواضع التي رغب الشرع بحبها ممدوح، لكن بأن تنزل منازلها الصحيحة، لا إفراط ولا تفريط، وليس على حساب أولويات شرعية أخرى. وهو يريد ما بعده -ما سيأتي إن شاء الله- الإشارة إليه. قال: «قضى الله رب العرش فيما قضى به بأن الهوى يعمي القلوب ويبكمه». قال: ثم قال رحمه الله: «وحبكم أصل الهوى ومداره عليه وفوز للمحب ومغنم وتفنى عظام الصب بعد مماته وأشواقه وقف عليه محرم». قال: قوله «عظام الصب» أي المحب. ومنه الصبابة، يعني الحب الذي يميل صاحبه به إلى محبوبه. وهو تشبيه بالماء، كأنه يتصبب من المكان العالي. فهي مرتبة وحالة من حالات المحبين. وهو يشير رحمه الله تعالى ها هنا إلى ما يكون في القلوب من شوق ومحبة، حتى أن المرأة يموت وأشواقه باقية. وهذا قول. وتفنى عظام الصب بعد مماته، يعني أن المحب الذي قد بلغ حبه مبلغ الصبابة يفنى ويموت، ولكن أشواقه باقية، بما كان من شدة تعلقه بتلك المواضع التي أحبها، أو الناس الذين أحبهم. وهو يريد رحمه الله تعالى بهذا التنبيه كيف يوجد في الناس من عنده من صافي الحب وعظيمه ما بلغ هذا المبلغ. قال: ثم قال رحمه الله: «فيا أيها القلب الذي ملك الهوى أزمته حتى متى ذا التلوم وحتى ما لا تصح وقد قرب المدى ودنت كؤوس السير والناس نوم». قال: بدأ المؤلف رحمه الله هنا يخاطب نفسه، ويخاطب قلبه الذي ملك الهوى أزمته. والأزمة جمع زمام، وهو ما تقاد به البعير. وقوله «وحتى ما لا تصح وقد قرب المدى» يعني لماذا لا تصح والمدى قد قرب. ويعني به هنا الموت. والمدى أي المنتهى. والمراد بالمنتهى هنا منتهى الحياة، فإن الإنسان له مدى ومنتهى يصل إليه، وهو الموت. وهو يشير بهذا رحمه الله إلى أن أناس تفان حبهم في طاعة الله، وفي المسابقة في الخيرات، ورضوان الله. وأناس آخرون تفان حبهم في الهوى الذي يهوي بصاحبه إلى النار، بحب المعاصي والغفلة وغير ذلك. فكأنه يقول: هذا حب المحبين، وفي مقابله حب الغافلين. وهو بهذا يدعو نفسه والقارئ والسامع إلى أن يتعظ بهذا المنزل من المنازل التي أشار إليها في حال الحجيج ورحلتهم، أن له رحلة كذلك يصل بها إلى مداها -أي منتهاها- فيموت، فيكون ما قدره الله له. قال: وقوله «ودنت كؤوس السير والناس نوم» كأنه يحث نفسه على انتهاز الفرصة والعمل قبل أن يدنو الأجل. وهذا شروع في المقصود، وانتقال من المثل القريب إلى المثل البعيد الذي أراد الدخول فيه. وكان ما سبق توطئة وتمهيد للوصول إلى هذا المقام. وهذا من براعة المؤلف رحمه الله تعالى في تنقل القارئ والسامع أن ينقله في هذه المنازل نقلة ودرجة ومنزل منزل حتى يصل به إلى المقصود، وقد ملأ قلبه بالعضات والعبر، وكذلك ما ينتفع به. وهذا ما سنجده إن شاء الله في الأبيات الآتية.