مختارات من الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة 7

مختارات من الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة 7

الدرس في مختارات من الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة 7، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

حكمة فرض الزكاة ومصالحها الشرعية

يستعرض المقطع حكمة فرض الزكاة وتوجيهها إلى الأصناف الثمانية المذكورة في آية الصدقات، مبيناً كيف تحقق مصالح دينية ودنيوية للمعطى والمعطى وللمجتمع ككل. ويشير إلى أن إنفاق الزكاة على الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل يحفظ كرامتهم ويقيم شعائر الدين ويدفع الضرر العام والخاص.

الوعيد الشديد على مانع الزكاة وثمار الصدقة

يستعرض المقطع آيات القرآن والأحاديث النبوية التي تأمر بالزكاة وتثني على المنفقين مع وعد الأجر المضاعف، ثم يركز على الوعيد الشديد لمنع الزكاة الواجبة. يذكر من ذلك التكويب بالذهب والفضة في النار وتمثيل المال بشجاع أقرع يطوق صاحبه يوم القيامة، تمهيداً لذكر فوائد الصدقة وثمارها.

عذاب مانع الزكاة يوم القيامة وحكم تاركها

يصف المقطع عذاب يوم القيامة لمن يمنع الزكاة حيث تكوى صحائف ماله جنبه وجبينه وظهره في نار جهنم، ويوضح خلاف العلماء في تكفير تاركها بخلا مع الاتفاق على نقصان إيمانه. يبين أن من جحد وجوبها كفر، ثم يستعرض فوائد الزكاة الضرورية والكمالية والدينية والدنيوية في صلاح الفرد والمجتمع.

أنواع الصدقة الواجبة والمستحبة

يذكر المقطع أن الصدقة تنقسم إلى نوعين: الأول واجب، والثاني صدقة عامة مستحبة. ويشير إلى أن تفصيل فوائدها سيُذكر في درس قادم، ثم يختم الحديث.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فلا يزال المؤلف رحمه الله يذكر الأبواب المتعلقة بما في العبادات وأركان الإسلام من فوائد وثمار. وقد تقدم معنا باب في فوائد الصيام، وباب في فوائد الصلاة، ثم ذكر باباً في فوائد الزكاة والصدقة. وتم اختيار هذا الباب لأن في هذا الشهر الفضيل كثيراً من ذوي الأموال يخرجون زكاتهم في هذا الشهر، فناسب أن نأخذ هذا الباب. وكما ذكرنا أن فوائد العبادات والطاعات مما يرغب في فعلها، ومما كذلك يزاد بها الإيمان، ويعلم المسلم حكمة التشريع، وأن الله سبحانه وتعالى ما شرع لعباده من هذه العبادات والطاعات إلا ما يصلحهم، وما يكون سبباً في سعادتهم في الدنيا والآخرة. فقال المؤلف هاهنا: فصل في فوائد الزكاة والصدقة. قال: قد فرض الله على المؤمنين ذوي الأموال الزكوية زكاة تدفع للمحتاجين منهم، وللمصالح العامة النفع، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. أي أن هذه الزكاة إنما فرضت لمصالح عظيمة عامة وخاصة: عامة للمسلمين جميعاً، وخاصة بالمعطي والمعطى له. وفي هذه الآية بيان لأعظم حكمة من حكم الزكاة، وهي أنها لم تشرع ولم توجب إلا في هذه الأصناف. والنظر إلى هذه الأصناف يجد أنهم في أمس الحاجة إلى المال، فبهذا المال تقوم مصالحهم الدينية والدنيوية، كالفقراء والمساكين والعاملين عليها؛ إذ لو لم يعطَ هؤلاء لتعطلت هذه الشعيرة ولأهملت، ولم يقم بضبطها ولا بإيصالها إلى مستحقيها أحد، فيعطون هؤلاء حتى تنتظم هذه الزكاة وتصل إلى أهلها ومستحقيها. وكذلك المؤلفة قلوبهم يعطون من هذه الزكاة حتى يرغبوا في الإسلام ويثبتوا عليه، فهذه لشك أنها مصلحة عظيمة. وكذلك في الرقاب: من كان مملوكاً مقيداً لخدمة سيده فهو بحاجة إلى الحرية، وبحاجة إلى التحرر، فيعطى من هذا المال حتى يكون حراً. وكذلك الغارمين: كم يكون ذلك الغارم في ضيق وهم وغم بالليل، وكذلك إحراج في النهار بمطالبة الغرماء، فيعطى من هذه الزكاة حتى يدفع عن نفسه هذا الحرج، ويدفع عن نفسه هذا الهم والغم. وكذلك في سبيل الله: الذي يجاهد في سبيل الله، ويحمي حوزة الدين وحوزة بلاد المسلمين في الثغور، وصد العدو، هذه مصلحة عظيمة. فلو لم يعطَ هؤلاء لذهبوا وعملوا في أعمال أخرى كي يعفوا أنفسهم وأهاليهم، فيعطون من هذه الزكاة حتى تحمى حوزة الدين. وكذلك ابن السبيل الذي انقطعت به السبل وهو في سفره، فإذا احتاج إلى مال فيعطى من الزكاة؛ فإنه إذا لم يعطَ لربما هلك، ولربما كذلك وقعت عليه الشدائد العظيمة، فيفرج عنه بإعطائه من هذه الزكاة. فانظروا إلى حكمة الشارع كيف أنه أوجب هذه الزكاة لهذه الأصناف الذين هم أحوج ما يحتاجون إلى هذا المال، وبإعطائهم لهذا المال تستقيم مصالحهم الخاصة، بل وتستقيم مصالح الأمة العامة، مصالح الأمة العامة كإقامة الجهاد في سبيل الله، وكالدعوة إلى الله بترغيب المؤلفة قلوبهم ونحو ذلك. فلو نظرت في أصناف، أو في الأصناف الذين تصرف لهم الزكاة، لرأيت أن في إعطائهم لهذه الزكاة مصالح دينية ودنيوية وعامة وخاصة. قال: وفي القرآن آيات كثيرة في الأمر بإيتاء الزكاة والنفقة مما رزق الله، والثناء على المنفقين والمتصدقين، وذكر ثوابهم. وليس المقصود مقصود المؤلف من عقد هذا الفصل الاستطراض، أو كذلك الاستدلال على ما ذكر، وإنما هي إشارة؛ لأن الغرض من ذكر هذا الباب هو ذكر الفوائد والثمار التي يستفيدها المسلم من هذه العبادة. فقوله: في القرآن آيات كثيرة في الأمر بإيتاء الزكاة، هذا معلوم. قال الله عز وجل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾، وهكذا الثناء على المنفقين والمتصدقين: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ﴾، ومثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء. آيات كثيرة فيها الثناء على المتصدقين وعلى المنفقين، وفيه ذكر الثواب العظيم المضاعف لمن أخرج ماله في سبيل الله سبحانه وتعالى. قال: وتواترت بذلك كله الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبين ما تجب فيه الزكاة من المواشي والحبوب والثمار والنقود والأموال المعدة للتجارة، وذكر أنصباءها ومقدار الواجب منها، وذكر الوعيد الشديد على مانعها. وهذا كله التفاصيل موجودة في كتب الفقه. في كتب الفقه: الأموال الزكوية كالنقدين الذهب والفضة، وما يقوم بمعناهما من الأوراق النقدية، وكذلك في البهائم المواشي من الأغنام، ومن الإبل والأبقار، لها أنصبة معينة، ولها كذلك شروط معروفة. وهكذا عروض التجارة: ما عد للبيع والشراء والتجارة يقوم مقام الزكاة، زكاة النقدين أو زكاة الأوراق النقدية، فيقوم ويخرج. هذه كلها التفاصيل موجودة في كتب الفقه، وليس مراد المؤلف بيان ذلك، وإنما هو كمقدمة لما سيأتي من ذكره رحمه الله تعالى لفوائد وثمار الصدقة. وأما قول: وذكر الوعيد الشديد على مانعها، أي من وجبت عليه الزكاة ثم امتنع عن إخراجها وأدائها، فهذا قد جاء في حقه الوعيد الشديد. ومن ذلك قول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾. وفي قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. وكذلك وردت الأحاديث الكثيرة في الوعيد الشديد لمن منع الزكاة الواجبة، كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من أتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مُثِّل له يوم القيامة شجاع أقرع». الشجاع هو ذكر الحية، الذكر من الحية يقال له الشجاع، والأقرع هو الذي تمعط أو تمعط فروة رأسه بكثرة السم. يعني الذكر، كما ذكر أهل الخبرة، أشد لسعاً وألماً إذا لسع الشخص. وأضف إلى ذلك أن هذا الذكر ممتلئ بالسم، ممتلئ بالسم، فهذه غاية في شدة النكال والألم والعذاب. فمثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه، يعني شقيه، يأخذ بشدقيه، يقول: أنا مالك، أنا كنزك. يهكذا ينطقه الله سبحانه وتعالى الذي أنطق كل شيء، ينطق هذا الشجاع الأقرع توبيخاً وتنكيلاً بمانع الزكاة، والعياذ بالله. نعم، وعيد شديد لمن منع حق الله سبحانه وتعالى. وجاء أيضاً في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحَت له صفائح من نار»، والعياذ بالله. صُفِّحَت له هذه الذهب والفضة، صُفِّحَت له يوم القيامة صفائح من نار، والعياذ بالله، فأحمى عليها في نار جهنم. توضع هذه الصحائف في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضي الله بين العباد، وحتى يقضى بين العباد. يعني عذاب مستمر: تحمى هذه الصحائف فيكوى بها، فإذا بردت وذهبت حرارتها أعيدت مرة أخرى في النار، والعياذ بالله، حتى إذا حمرت وصارت محرقة توضع عليه مرة أخرى. لماذا؟ لأنه لم يؤد زكاة ماله. فينبغي للمسلم أن يتحرى في هذه العبادة، وأن يتفقه في أحكامها حتى يؤديها كما أراد الله سبحانه وتعالى، ويحذر أيضاً من التلاعب فيها، كأن يعطيها من لا يستحقها، أو ينقص منها، ولا يخرجها كاملة، أو نحو ذلك. فكل من فعل ذلك فإنه يخشى عليه من مثل هذا الوعيد الذي سمعتم في هذه الأحاديث. قال: واتفق المسلمون على نقصان إيمان تاركها ودينه وإسلامه، وإنما اختلفوا هل يكفر تاركها أم لا. وهذا في حق من تركها بخلا، من ترك الزكاة أو أنقصها بخلا، فلا شك أن العلماء اختلفوا هل يكفر تاركها أم لا. هذا الذي ورد فيه الخلاف. أما من تركها جاحدا لفرضيتها، منكرا لوجوبها، فهذا يكفر لأنه أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة. وإنما الخلاف في من تركها بخلا وحبا للمال. والصحيح أنه لا يكفر، لأنه جاء حديث: ثم ينظر مصيره يوم القيامة بعدما يعذب بهذا المال الذي لم يخرج زكاته، ثم ينظر مقعده يوم القيامة من الجنة أو من النار. فدل ذلك على أنه لا يكفر، ولكنه على أمر خطير، فيكون ناقص الإيمان بتركها في دينه وإسلامه، لأنها الركن، الركن الثالث من أركان، أو الركن الرابع من أركان، الثالث، نعم، من أركان الإسلام، من أركان الإسلام. فمن تركها بخلا وحبا للمال فلا شك أنه ناقص الإيمان والإسلام، وإنما اختلفوا في هل يكفر أو لا، والصحيح أنه لا يكفر، ولكنه على خطر عظيم، والعياذ بالله. قال: وذلك لما في الزكاة والصدقة والإحسان من الفوائد الضرورية والكمالية والدينية والدنيوية. هذه الفوائد الزكاة على وجه الإجمال: فإن الزكاة فيها فوائد الضرورية لا تستقيم حياة المسلمين إلا بإخراجها، كالجهاد في سبيل الله، وكالدعوة إلى الله، وكإغناء المحتاج منهم ونحو ذلك. فهذه أمور ضرورية، قد الإنسان لا يجد ما يأكل فيقع في الضرورة، فتندفع ضرورته بإعطائه من هذه الزكاة. والكمالية: أي ما يكمل به حال المسلم في دينه أو في دنياه، كالفقير أو المسكين عنده ما يكفيه في يومه، أو في أسبوعه، أو في شهره، لكنه يحتاج ما يكفيه أكثر من ذلك، فيكمل ويتمم له بهذه الزكاة، بهذه الزكاة. وأما الفوائد الدينية: فكما تقدم من إعلاء كلمة الله والدعوة إلى الله، وهكذا مما سيأتي من زكاة النفس وتطهير المال ونحو ذلك مما سيأتي تفصيله من كلام المؤلف رحمه الله. وأما الدنيوية: فكذلك، فإن معاش الناس يستقيم بهذا، هذا المال الذي يخرج من الزكاة، فحياة الفقير والمسكين لا تستقيم إلا بمواساته وإعطائه من حق الله سبحانه وتعالى الذي أوجبه على ذوي الأموال، ففيه مصالح عظيمة. وسوف يأتي في الدرس القادم إن شاء الله تفصيل هذه الفوائد وهذه المنافع التي ينتفع بها المسلم من الزكاة، سواء كانت الواجبة أو كذلك الصدقة المستحبة. فإن قول المؤلف: في فوائد الزكاة والصدقة، عطف الصدقة على الزكاة، يراد بالزكاة الواجبة، ويراد بالصدقة المستحبة. فالشرع كما أنه أوجب الزكاة على المستطيع، أو على من بلغ النصاب، فكذلك رغب في الصدقة، ولو بالقليل، والمسلم الشيء اليسير من المال، وهذا من باب التطوع ومن باب الاستحباب والمسابقة إلى عمل الخير وفعل الخير، فكل ذلك مرغب فيه. الأول واجب، والثاني وهو الصدقة العامة مستحبة. وسوف يأتي بيان هذه الفوائد إن شاء الله في درس قادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.