الدرس في مختارات من الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة 9، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع أن القرآن الكريم يعد شفاءً لما في الصدور من أمراض قلبية كالحسد والكبر والغفلة، وليس مجرد رقية للأبدان. ويؤكد أن هجر القرآن يعني هجر هذا الشفاء النافع للقلب والدين.
يشرح المقطع مفهوم الأمراض القلبية وضرورة تشخيصها، مركزاً على مرض الشح (حب المال والبخل) الذي جبلت عليه النفوس. ويبين أن العلاج الناجع لهذا المرض وسائر أمراض القلوب هو قوة الإيمان التي تقهر القوى النفسية وتدفع إلى أداء الحقوق المالية.
يوضح المقطع أن الإيمان هو أقوى دواء لداء الشح، إذ يدفع المؤمن إلى أداء النفقات الواجبة ك الزكاة والجهاد وحقوق الوالدين والزوجة والأولاد. ويستشهد بآيات قرآنية وحديث «الصدقة برهان» ليبين أن الإنفاق دليل على صدق الإيمان وسبيل لتخليص القلب من البخل.
أعلن المحاضر عن انتهاء الوقت المحدد للدرس الحالي، وقرر الاكتفاء بما تم طرحه مع وعد باستكمال بقية الموضوع في الدرس القادم إن شاء الله. واختتم بالتأكيد على أن الله تعالى أعلم، مع الإشارة إلى أن الترجمة من إنجاز نانسي قنقر.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فمن الفصول المختارة من كتاب "الرياض الناظرة والحدائق النيره الزاهرة" ما ذكره المؤلف في أن القرآن شفاء لما في الصدور من الأمراض، ورحمة جالبة للخير. وسبب اختيار هذا الباب والفصل: لأن في هذا الشهر المبارك يقبل المسلمون على كتاب الله سبحانه وتعالى، فرمضان هو شهر القرآن، ورمضان أنزل فيه القرآن. وعقد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الفصل لبيان كيف نستشفي بالقرآن. يظن كثير من الناس أن الاستشفاء بالقرآن إنما يكون في الأمراض البدنية، أو في الأمراض الحسية كمرض العين والسحر والمس وغير ذلك من تلك الأمراض التي تعالج بالرقية الشرعية. وهذه نظرة قاصرة، هذه نظرة قاصرة، فالرقية الشرعية إنما هي شيء من الاستشفاء بالقرآن، وإلا فالاستشفاء بالقرآن أوسع من ذلك، كما سيبين المؤلف رحمه الله تعالى. قال: قد أخبر الله في عدة آيات من كتابه أن القرآن شفاء من الأمراض، وخصوصاً الأمراض القلبية. ركز عليها المؤلف لأن الاستشفاء بها من أنفع ما يكون للعبد، فالأمراض القلبية إذا أهملها العبد تكون سبباً في موت قلبه، وفي نقص إيمانه، وفي خسارة آخرته. أما أمراض الأبدان فأعلى وأقصى ما يتضرر منها العبد أن يتألم في جسده، أو أن يتوفى ويموت بسببها وينتهي. لكن أمراض القلوب أشد وأولى بالعناية، وبكذلك الاستشفاء بالقرآن. وأمراض القلوب كثيرة كمرض الغفلة والحسد والكبر والحقد والغل والعجب والشح وغيرها من تلك الأمراض التي تنتاب المر. ففي القرآن شفاء لها. فقد ورد أن القرآن شفاء في آيات عدة، منها قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾، ومنها قوله سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ ﴾، أي شفاء لما في القلوب. أيش الذي في الصدور؟ الذي في الصدور هي القلوب. فهذه الآية صريحة في أن القرآن شفاء لأمراض القلوب، لأمراض القلوب. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ﴾. إذن هذه الآيات صريحة وواضحة في أن القرآن شفاء، القرآن شفاء. فما ينبغي للمسلم أن يهجر القرآن، ومن هجر القرآن هجر الاستشفاء به، هجر الاستشفاء به. فكما ذكر أن الله عز وجل ذكر في عدة آيات أن القرآن شفاء من الأمراض، وخصوصاً الأمراض القلبية. قال: وأنه رحمة تحصل به الخيرات والكرامات، فبه تزول المكاره من أمراض القلوب والأجساد، وبه تحصل المحاب من حياة القلب، ومن زيادة إيمانه، ومن عافيته ونحو ذلك، وهكذا عافية الأبدان. قال: أخبر بذلك في عدة مواضع، أي أن القرآن تحصل به الرحمة، كما تقدم معنا ما هو شفاء ورحمة. قرن شفاء القرآن بالرحمة، فمن رحمة القرآن أنه سبب للشفاء، سبب لحصول كل خير ودفع كل شر وضير، وهذا لا شك أنه من رحمة الله عز وجل بنا. قال: وبه تحصل المحاب، أخبر بذلك في عدة مواضع، وشرح الواقع المفصل لهذا الأمر العام. ومعنا الأمر الواقع أو الواقع المفصل، أي بين لنا تفصيل تلك الأمراض، حيث ذكر كل مرض وذكر سبب شفائه من القرآن. كيف تعالج قلبك من الحسد أو من القسوة أو من الغفلة أو من الكبر أو من العجب أو من الشح؟ كيف تعالج هذا القلب؟ ستجد هذا كله في القرآن مفصلاً، مفصلاً في القرآن. أنت تقرأ القرآن، هل لفت انتباهك إلى هذه المسألة وإلى هذا الأمر، وهو أن تعالج قلبك من هذه الأمراض الفتاكة التي تفتك بالقلب، بالقلب، وتميته أو تضعفه أو تمرضه؟ فهذا كله في القرآن مفصل، وهذا معنى قوله: وشرح الواقع المفصل لهذا الأمر العام في مواضع عند كلامه على التشريع، أي في القرآن، وتفصيل الأوامر والنواهي. فالله عز وجل أمر بكل خير ونهى عن كل شر، فمن الشرور التي نهى عنها تلك الأمراض التي تنتاب القلوب. قال: فصل الأمراض القلبية، فصلها يعني ذكر عددها وشخصها، شخص هذا المرض وأنه مرض خطير ومرض فتاك، وأن اسم هذا المرض كذا وكذا. مثل أمراض الأجساد: أنت الآن تشكو من ألم في بطنك، تذهب عند الطبيب فيشخص لك هذا المرض، يشخص لك هذا المرض فيقول لك: هذا المرض بسبب تور في البطن، أو بسبب الدودة الزائدة، أو بسبب التهابات، أو بسبب... يشخص لك هذا المرض ويبين لك أضراره ومفاسده. ثم قال هنا: فصل الأمراض القلبية وشخصها وبين أضرارها ومفاسدها الكثيرة، وذكر العباد كيف يسعون في إزالتها واقتلاعها. وهذا هو ماذا؟ الدواء، العلاج. الدكتور بعد ما يشخص يبدأ في ماذا؟ في صرف العلاج، يقول لك: هذه الدودة الزائدة علاجها عملية، لأن نعمل لك عملية. لكن لو ما شخص المرض ما يدري إيش سبب هذا الألم، أهو دودة زائدة، أهو التهابات، أهو رواسب، أهو كذا وكذا؟ ما شخص، ما يستطيع أن يعالج، ما يستطيع أن يعالج هذا المرض، أي علاج يعطيك وهو ما عرف نوع هذا المرض. وهكذا في الأمراض القلبية: في القرآن ذكر لهذه الأمراض وتشخيص لها، وذكر علاج ما يعالج هذه الأمراض، وذكر العبادة كيف يسعون في إزالتها واختلاعها وتوجيهها إلى ما ينفع ولا يضر. ثم قال: ولنذكر لهذا الأصل أمثلة يتضح بها الأمر. سيذكر الآن الأمراض القلبية مفصلة، ثم يذكر كيف تعالج نفسك بالقرآن، كيف تعالج نفسك من هذه الأمراض بالقرآن. فبدأ أولاً بمرض الشح، بمرض الشح، وهو حب المال وإمساك المال والبخل به. قال: فمنها أن الشح طبيعة نفسية ومرض داخلي، في قوله: ﴿ وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ ﴾. يعني أن الأصل في النفوس حب المال والشح به. ومعنى قوله: ﴿ وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ ﴾، أي عند المناسبات وعندما تبدي النفس ما فيها من الشح، عند إخراج شيء من هذا المال يظهر هذا الداء، يظهر هذا الداء، يحضر هذا الداء، يبدي هذا الداء. فأحضرت الأنفس الشح، مثلاً: دعيت إلى نفقة أو صدقة أو إعانة، فهنا تنازعك نفسك، تنازعك نفسك، أحضرت هذه الأنفس الشحيحة تحضر وتنازعك وتظهر طبيعتها، تظهر طبيعتها. وأن الإنسان مجبول على محبة المال، وإنه لحب الخير لشديد. وهذا قد بيّنه ربنا عز وجل في كتابه أن الإنسان يحب المال حباً كثيراً، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ﴾، حباً كثيراً. وكما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾. المراد بالخير هنا المال، المراد بالخير في هذه الآية في سورة العاديات المراد بالمال هنا، المراد بالخير هنا المال. ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾. هذا مرض موجود في النفوس، وذلك يقتضي إمساكه من كل وجه، يعني إمساك هذا المال، يعني لا يخرج منه لا النفق الواجبة ولا النفق ربما كذلك المستحبة. نعم، من كل وجه يمسك هذا المال. ولذلك من لم يعالج نفسه من هذا المرض تجده ربما يبخل على نفسه، يريد أن يشتري شيء يتمتع به فتدعوه هذه النفس الشحيحة إلى تركه، التنعم بهذا المال، بهذا المال. وربما وربما يدعوه هذا البخل إلى البخل على أولاده وعلى زوجته وعلى والديه. نعم، فهذا معنى قوله: وذلك يقتضي إمساكه من كل وجه. فهذا المرض موجود في كل النفوس البشرية، متغلغل في الضمائر، ولكنه تعالى عالجه بعلاجات قوية نافعة. الآن شخص لنا المرض وبيّن لنا أن هذا المرض من طبيعة الإنسان، من طبيعة الإنسان مجبول على حب المال. طيب، كيف يتخلص المرض من هذا المرض؟ قال: عالجه بقوة تقهر جميع القوى النفسية. إيش معنى جميع القوى النفسية؟ يعني يعالج هذا العلاج جميع الأمراض القلبية، ليست، ليس هذا العلاج يعالج مرض الشح فقط، بل يعالج جميع الأمراض. ما هو هذا العلاج؟ قال: وهي قوة الإيمان، وهي قوة الإيمان. وبين أن الإيمان يدعو المؤمنين إلى القيام بجميع حقوق الإيمان. داعي الإيمان هذا من أعظم العلاجات، فالإيمان هو الذي يقود المؤمن، الإيمان هو الذي يقود المؤمن. الإيمان بما وعد الله عز وجل من الأجر العظيم للمنفقين، الإيمان بأن هذه الدنيا زائلة ذاهبة، وأن الإنسان ليس معمر فيها، الإيمان بأن المؤمن سيلاقي ربه وما سينفعه من مال هذه الدنيا إلا ما قدمه في آخرته من النفقات التي ينفقها خالصاً فيها لله سبحانه وتعالى. فمثلاً: لو أن إنسان عنده مال كثير، فحسب زكاة ماله فإذا بها ملايين، ربع العشر، ملايين. الآن تبدى المنازعة بين هذه النفس وبين داعي الإيمان. فداعي الإيمان يقول له: هذه الزكاة واجبة عليك، ومن لم يؤدي الزكاة كما أمر الله عز وجل فقد ترك ركناً من أركان الإسلام. وداعي الإيمان كذلك يدعوه إلى احتساب أجر هذه الزكاة وما فيها من الفضل والأجر. وأما داعي النفس فتقول له: تخرج هذا المال كله وأنت تعبت فيه، ويأخذ هؤلاء بدون مقابل. يبدى هنا النفس الشحيحة، النفس التي تحب هذا المال بتلك الأعذار وتلك الوساوس وتلك الذرائع. فيقوى داعي الإيمان فيخرج هذا المسلم زكاته بكل محبة وبكل رغبة فيما عند الله سبحانه وتعالى. فداعي الإيمان من أقوى العلاجات، من أقوى العلاجات. ومنها علاج قوي جداً لمرض الشح، وهذا معنى قوله: وبين أن الإيمان يدعو المؤمنين إلى القيام بجميع حقوق الإيمان، وخصوصاً الواجبات الكبار والحقوق الضرورية، كالنفقة في الزكاة والجهاد على المحتاجين، وعلى من لهم حق على الإنسان. هذه هي الواجبات الكبار، الواجبات الكبار بمعنى الأمور التي هي من الواجبات التي متى تركها المسلم أثم على تركها، كالزكاة. من ترك الزكاة بخلا وشحا فهو آثم، وقد نقص من إسلامه وإيمانه. نعم، وهكذا النفقة في الجهاد في سبيل الله، احتاج المسلمون إلى تجهيز الجيوش وأنت قادر وأنت مستطيع، احتاج المسلمون إلى خروجك معهم وأن تعد العدة وتجهز الرواحل، فوجب عليك أن تفعل ذلك، خصوصاً في الجهاد الواجب كجهاد الدفع أو الجهاد التي به تحمى حوزة الدين وحوزة المسلمين. فهذه من الواجبات الكبار. وهكذا على المحتاجين، وعلى من لهم حق على الإنسان، من لهم حق على الإنسان كالوالدين يجب عليك أن تنفق عليهما ولا تشح ولا تبخل عليهما، كالزوجة يجب أن تنفق عليها أن تطعمها إذا طعمت وأن تكسوها إذا اكتسيت، وهكذا الأولاد، أولادك يجب أن تنفق عليهم. فهذه النفقات الواجبة حث الشرع عليها، فهذا مما تعود النفس على البذل وعلى السخاء وعلى محاربة ما يكون في هذه النفس من الشح والبخل. قال: وأخبر في عدة آيات أن الإنفاق من حقوق الإيمان الكلي الكبار، وأنه لا يتم إيمان عبد حتى يؤدي الزكاة، وحتى ينفق النفقات المأمور بها، وحتى ينفق النفقات المأمور بها، وأن من قوي إيمانه لا يتمادى معه خلق البخل والشح، بل يأتي تبعاً منقاذا لداعي الإيمان. ويشير إلى قوله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ﴾. فمن كمالي وتمامي الإيمان العمل بهذه الخصال: ذكر الله، وجل القلوب عند ذكر الله، وهكذا زيادة الإيمان بما يسمع وما يذكر الله عز وجل به، والتوكل على الله عز وجل، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. أولئك هم المؤمنون حقاً. فمن أنفق في سبيل الله فهذه علامة، وهذه دلالة على صدق إيمانه. قال: وهذا أقوى علاج لهذا الداء، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح، وحديث أبي مالك الأشعر في مسلم: «والصدقة برهان»، أي برهان ودليل على صحة إيمان صاحبها. فكلما أنفق العبد من ماله في النفقات الواجبة والنفقات المستحبة، هذا دليل على صدق إيمانه. فبهذا يتخلص المرء من هذا الداء. فعندما يقرأ آيات الإنفاق وما أعد الله عز وجل للمنفقين، لا شك أن هذا من أقوى ما يعالج به قلبه، من أعظم ما يعالج به قلبه. والانتهاء الوقت نكتفي بهذا، ونكمل بقية الموضوع، وله تتمه في الدرس القادم إن شاء الله. إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر