قراءة في فتاوى العثيمين في الأعتكاف وزكاة الفطر 1

الدرس في قراءة في فتاوى العثيمين في الأعتكاف وزكاة الفطر 1، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

تعريف الاعتكاف وحكمه

الاعتكاف هو لزوم المسجد لطاعة الله، وهو سنة باقية لم تنسخ، ويستحب في أي مسجد ولكن الأفضل في مسجد تقام فيه الجمعة.

أحكام الاعتكاف ومحظوراته

يحرم على المعتكف الجماع ومقدماته، ويجوز له الخروج لأمور ضرورية أو طاعة مشروطة، ويجب عليه التفرغ لطاعة الله والابتعاد عن أعمال الدنيا والكلام غير المفيد والمحرم.

التنبيه على الاعتدال في الاعتكاف واستكمال المناقشة

ينبه على ضرورة الاعتدال في الاعتكاف وعدم المبالغة فيه، وسيتم استكمال مناقشة بقية الأسئلة المتعلقة بالاعتكاف في درس لاحق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. بعد ذلك فنقرأ في أسئلة تتعلق بالاعتكاف، أجاب عنها سماحة العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله تعالى. سئل فضيلته رحمه الله عن الاعتكاف وحكمه، فأجاب فضيلته بقوله: الاعتكاف هو لزوم الإنسان مسجدًا بطاعة الله سبحانه وتعالى، لينفرد به عن الناس، ويشتغل بطاعة الله، ويتفرغ لذلك. وهو في كل مسجد، سواء كان في مسجد تقام فيه الجمعة أو في مسجد لا تقام فيه، ولكن الأفضل أن يكون في مسجد تقام فيه؛ حتى لا يضطر إلى الخروج لصلاة الجمعة. هذا السؤال يتعلق بحكم الاعتكاف، فأجاب رحمه الله تعالى بأن الاعتكاف هو لزوم الإنسان المسجد. الاعتكاف يعني لازم، فالاعتكاف بمعنى اللزوم. وذكر الغاية رحمه الله من هذا الاعتكاف، وهو التفرغ لعبادة الله جل وعلا. فالمراد بالاعتكاف والحكمة التي لأجلها شرع الاعتكاف، التفرغ لعبادة الله جل وعلا، والخلوة، يخل الإنسان بنفسه، فيكون على طاعة الله جل وعلا، يبتعد عن الناس وعن مشاغل الناس وعن كثرة الكلام، فينفرد ويخلو، يكون غالب وقته في طاعة، في ذكر لله جل وعلا، من تلاوة قرآن أو تسبيح أو استغفار أو قراءة في علم، وغير ذلك من العبادات والطاعات. وبين رحمه الله تعالى أن الاعتكاف يكون في كل مسجد، والأفضل أن يكون في مسجد تقام فيه الجمعة. وأفضل الاعتكاف وأكمل الاعتكاف أن يكون في المساجد الثلاثة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة». وحمل أهل العلم هذا الحديث على أنه الاعتكاف أكمل وأفضل. ومنهم من قال: الاعتكاف إنما يكون في المساجد الثلاثة فقط. لكن الذي يظهر، والله أعلم، أن الأمر في هذا واسع، سواء كان في مساجد الثلاثة أو في غيرها. لكن لا شك أن الاعتكاف في المساجد الثلاثة -مكة أو المدينة أو المسجد الأقصى- أكمل؛ لفضل هذه المساجد ومكانتها، وزيادة أجر الصلاة فيها. وسئل رحمه الله تعالى: هل الاعتكاف أقسام؟ فأجاب فضيلته بقوله: الاعتكاف ليس إلا قسمًا واحدًا، وهو كما أسلفنا لزوم مسجد لطاعة الله جل وعلا. لكن قد يكون معه صوم، وقد لا يكون معه صوم. وقد اختلف العلماء: هل يصح الاعتكاف بدون صوم أو لا يصح إلا بصوم؟ ولكن الاعتكاف المشروع إنما هو ما كان في ليالي العشر -عشر من رمضان-؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف هذه العشر رجاء لليلة القدر، ولم يعتكف في غيرها، إلا سنة لم يعتكف في رمضان فقضاه في شوال. بين رحمه الله تعالى أن الاعتكاف هو لزوم المسجد لطاعة الله جل وعلا، قد يكون بصوم، وقد لا يكون بصوم. فالاعتكاف لا يشترط فيه الصيام، واختلف العلماء: من اعتكف بغير صيام، هل يصح صوم اعتكافه أم لا؟ والصواب أنه يصح؛ لأن عمر أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعتكف نذرًا يعتكف يومًا أو ليلة في الجاهلية، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يوفي بنذره، فدل على أن الاعتكاف يكون بصوم أو بغير ذلك. وذكر رحمه الله تعالى أن الاعتكاف المشروع ما كان في ليالي العشر من رمضان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف في هذه الليالي. وأما اعتكافه في شوال، فكان قضاء؛ لأنه لم يعتكف في سنة من رمضان فقضاه في شوال. فتبين بهذا أن الاعتكاف يكون في العشر الأخير من رمضان، رجاء لحصول ليلة القدر، ولنيل ثوابها وأجرها. وسئل رحمه الله تعالى: ما حكم الاعتكاف؟ وهل يجوز للمعتكف الخروج لقضاء الحاجة والأكل؟ وكذلك الخروج للتداوي؟ وما هي سنن الاعتكاف؟ وكيفية الاعتكاف الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ فأجاب فضيلته بقوله: الاعتكاف لزوم المساجد بالتخلي لطاعة الله عز وجل، وهو مسنون بتحري ليلة القدر. وقد أشار الله تعالى إليه في القرآن بقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾. وثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف، واعتكف أصحابه معه، وبقي الاعتكاف مشروعًا لم ينسخ. ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجه من بعده». وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم قال: إني اعتكفت العشر الأول ألتمس هذه الليلة -يعني ليلة القدر- ثم اعتكفت العشر الأوسط، ثم أتيت فقيل لي: إنها في العشر الأواخر، فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف». فاعتكف الناس معه. وقال إمام أحمد رحمه الله: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافًا أن الاعتكاف مسنون. وعلى هذا يكون الاعتكاف مسنونًا بالنص والإجماع، ومحله المساجد التي تقام فيها الجماعة في أي بلد كان؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾. والأفضل أن يكون في المسجد الذي تقام فيه الجمعة؛ لأن المعتكف لا يحتاج إلى الخروج إليها. فإن اعتكف في غيره، فلا بأس أن يبكر إلى صلاة الجمعة. وينبغي للمعتكف أن يشتغل بطاعة الله عز وجل، من صلاة وقراءة قرآن وذكر الله عز وجل؛ لأن هذا هو المقصود من الاعتكاف. ولا بأس أن يتحدث إلى أصحابه قليلًا، لا سيما إذا كان في ذلك فائدة. ويحرم على المعتكف الجماع ومقدماته. وأما خروجه من المسجد، فقد قسمه الفقهاء إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول جائز، وهو الخروج لأمر لا بد منه شرعًا أو طبعًا؛ كالخروج لصلاة الجمعة، والأكل والشرب إن لم يكن له من يأتيه بهما، والخروج للبول والغائط، والغسل الواجب. القسم الثاني: الخروج لطاعة لا تجب عليه، كعيادة المريض وشهود الجنازة، فإن اشترطه في ابتداء اعتكافه جاز، وإلا فلا. القسم الثالث: الخروج لأمر ينافي الاعتكاف، كالخروج للبيع والشراء، وجماع أهله، ونحو ذلك، فهذا لا يجوز، لا بشرط ولا بغير شرط. في هذا السؤال أجاب رحمه الله تعالى أن الاعتكاف هو لزوم المساجد لطاعة الله جل وعلا. وأنه صلى الله عليه وسلم في أول أمره اعتكف العشر الأول؛ لأنه لا يدري في أي ليلة هي ليلة القدر في هذا الشهر، ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم اعتكف في العشر الأخير، فأخبر أنها في العشر الأخير، فاعتكف العشر الأخير عليه الصلاة والسلام، وأرشد أصحابه إلى من أراد أن يعتكف فليعتكف. وهي سنة باقية لم تنسخ، ليس هذا خاصًا بالنبي عليه الصلاة والسلام، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف، واعتكف بعده أصحابه، وقد اعتكف أزواجه رضي الله تعالى عنهن. فالاعتكاف سنة ماضية إلى قيام الساعة، وهي سنة ليست واجبة. والغرض من الاعتكاف تحري ليلة القدر والتماس ليلة القدر، والتأسي برسول الله عليه الصلاة والسلام في ذلك، وهذا التفرغ لعبادة الله جل وعلا. ونقل رحمه الله تعالى عن إمام أحمد أنه لا يعلم عن أحد من العلماء خلافًا في أن الاعتكاف مسنون، فقال: هذا إجماع. فإذا دل على أن الاعتكاف مسنون بالنص، أي ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام، وكذلك دلالة الإجماع. وبين أن محله المساجد، والأفضل أن يكون في مسجد تقام فيه الجماعة؛ لئلا يحتاج إلى الخروج لصلاة الجمعة. وبين رحمه الله تعالى أن الخروج للمعتكف على أقسام قسمها الفقهاء، فهناك خروج جائز، وهناك خروج جائز إذا اشترط جاز إذا اشترطه في بداية اعتكافه، وخروج لا يجوز. فهذه أقسام ثلاثة قسم الفقهاء خروج المعتكف فيها. فذكر رحمه الله تعالى القسم الأول الذي هو القسم الجائز، وهو أن يخرج لأمر لا بد منه لقضاء حاجة، ليس في المسجد مكان لقضاء الحاجة من بول وغائط، أو يحتاج إلى الأكل لا يجد هناك من يأتيه بالأكل، لا بد أن يأكل إذا احتاج إلى أن يأكل، خرج إلى أن يشرب، ولأجل الدواء، وغير ذلك من الأمور التي لا بد منها. وهكذا إذا كان في مسجد لا تقام فيه الجمعة، فإنه يحتاج إلى أن يخرج لصلاة الجمعة. وهكذا يحتاج إلى الوضوء أو الغسل إذا كان في مسجد وأجنب، ولا يوجد في المسجد ماء يغتسل، فلا شك أنه يحتاج للخروج ليغتسل من الجنابة، فهذا غسل لا بد منه؛ لأن الغسل هنا واجب عليه أن يأتي به ليصلي. وأما الغسل الثاني فهو خروج جائز إذا اشترط، مثلا إذا اشترط في بداية اعتكافه أن يقول -يعني أن ينوي- أنه يخرج لأمر من عيادة مريض أو شهود جنازة، قال: فإن اشترطه في ابتداء اعتكافه -يعني اشترطه ونوى هذا الشرط- وهو أنه إذا صادف جنازة خرج، أو مريض سمع بمرضه خرج يزور المريض، فذكر رحمه الله تعالى أن هذا جائز إذا اشترطه. والأفضل أن لا يخرج، والأفضل أن لا يخرج. وإلا فهو جائز إذا اشترط ناحية الجواز جائز؛ لأنه اشترطه. لكن هل هذا هو الأفضل؟ الجواب: لا، ليس هذا هو الأفضل. الأفضل أن يبقى في المسجد، لا يشهد جنازة ولا يزور مريضًا؛ كما جاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها. لكن من حيث الجواز هو جائز. القسم الثالث الذي هو لا يجوز، وهو أن يخرج لأمر ينافي الاعتكاف، كالخروج للبيع والشراء، أو جماع أهله. ونحو هذا من الأمور التي تنافي الاعتكاف، هذا لا يجوز، ولو اشترط، حتى لو اشترط أنه يخرج لأي غرض من هذه الأغراض، فكذلك لا يجوز، لا يجوز خروجه، ولو اشترط أنه في نيته أنه يخرج لهذه الأمور؛ لأنها أمور تنافي الاعتكاف. وسئل رحمه الله تعالى عن حكم الاعتكاف في شهر رمضان، فأجاب فضيلته بقوله: الاعتكاف في رمضان سنة، فعله النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، واعتكف أزواجه من بعده. وحكى إجماع العلماء على أنه مسنون. ولكن الاعتكاف ينبغي أن يكون على الوجه الذي من أجله شرع، وهو أن يلزم الإنسان مسجدًا لطاعة الله سبحانه وتعالى؛ بحيث يتفرغ من أعمال الدنيا إلى طاعة الله، بعيدًا عن شؤون دنياه، ويقوم بأنواع الطاعة من صلاة، وقرآن، وذكر، وغير ذلك. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف ترقبًا لليلة القدر. والمعتكف يبعد عن أعمال الدنيا، فلا يبيع ولا يشتري، ولا يخرج من المسجد إلا لما لا بد منه، ولا يتبع جنازة، ولا يعود مريضًا. وأما ما يفعله بعض الناس من كونهم يعتكفون، ثم يأتي إليهم الزوار أثناء الليل وأطراف النهار، ويضيعون أوقاتهم بما لا فائدة فيه، وقد يتخلل ذلك حديث محرم، فذلك مناف لمقصود الاعتكاف. ولكن إذا زاره أحد من أهله وتحدث عنده، فذلك لا بأس به؛ فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن زوجته صفية رضي الله تعالى عنها زارته وهو معتكف، فتحدث معها. المهم أن يجعل الإنسان اعتكافه تقربًا من الله سبحانه وتعالى، وينتهز فرصة خلوته في طاعة الله عز وجل. بين رحمه الله تعالى أن الاعتكاف سنة فعلها النبي عليه الصلاة والسلام، وحكى إجماع العلماء على ذلك. وبين رحمه الله تعالى أن الاعتكاف ينبغي أن يكون على الوجه الذي شرع، وأن يأتي به كما ينبغي، لا يكون كحال بعض الناس المعتكفين فيجعلون اعتكافهم يتخلله هذه الأمور، بل ربما تكون محرمة. يعتكفون، لا يضيعون الأوقات في قيل وقال، وفي أحاديث لا فائدة منها. نعم، وفي أمور ليس لأجل هذا شرع الاعتكاف، ليس الاعتكاف شرع لمثل هذا. وإنما شرع للتفرغ لعبادة الله جل وعلا، أن تلهج لسانك بذكر الله جل وعلا، لا في قيل وقال. والأعظم من ذلك إذا كان في غيبة ونميمة وكذب، وغير ذلك من الكلام البذيء الفاحش، فهذا أعظم وأعظم. بل على المسلم أن يجتنب حتى الكلام المباح في اعتكافه، وهو كلام مباح، الأفضل أن يبتعد عنه. فكيف بالكلام المحرم؟ فكيف بقيل وقال، وغيبة ونميمة، وغير ذلك من هذه الأمور؟ والكلام والحديث ليس بحرام على المعتكف، فهو حلال إذا احتاج أن يتكلم لأمر فيه فائدة، يتحدث مع إخوانه في فائدة فيما ينفع، فهذا لا بأس به. وبينا أن بعض الناس جعلوا الاعتكاف زيارات، يأتيهم الناس في الليل أو في النهار. زاره خاله مرة، عمه مرة، أولاد أخته مرة، كذا مرة، كذا مرة. زيارات، وفود، وفد بعد وفد. لا، ما ينبغي هذا. فهذا الاعتكاف لا يشرع فيه مثل هذه الأمور؛ لأن العبد أراد أن يتفرغ يتفرغ لعبادة الله جل وعلا. وهذه الزيارات يتخللها الكلام، ويتخللها كذلك ربما الوقوع في الأعراض، وغير ذلك من هذه الأمور. لكن الحديث بما فيه فائدة فهذا جائز، والزيارة كذلك ليست ممنوعة على المعتكف، أن يزار، يزوره أهله أو أحد أقاربه، بالضوابط الشرعية، ومع ما ليس فيه فتنة. أما أن يتوسع في ذلك فيكون مما ينافي سنة الاعتكاف، فهذا لا ينبغي. وبينا الحمد لله حديث النبي عليه الصلاة والسلام حين زارته زوجته صفية إلى المسجد. بل النبي صلى الله عليه وسلم أوصلها إلى بيتها بعد ذلك، وخرج عليه الصلاة والسلام معها، أوصلها إلى بيتها، وهذا خروج لحاجة. ففت على أن زيارة المعتكف لا شيء في ذلك، إذا كانت بالضوابط الشرعية، وبالحدود الشرعية التي لا مخالفة فيها لحكمة الاعتكاف، ولا مخالفة فيها كذلك لشرع الله جل وعلا. ويكون بشيء يسير، لا تكون ساعات طويلة، ولا تكون كذلك كثرة في الزيارات، وإلى آخر ذلك مما لا يجوز. ونواصل إن شاء الله في قراءة ما تبقى من هذه الأسئلة فيما يتعلق بالاعتكاف في درس لاحق إن شاء الله تعالى. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.