قراءة في فتاوى العثيمين في الأعتكاف وزكاة الفطر 2

الدرس في قراءة في فتاوى العثيمين في الأعتكاف وزكاة الفطر 2، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

أحكام الصلاة والنوافل في المسجد الحرام

ينبغي للمسافرين المعتكفين في المسجد الحرام الإكثار من الصلاة سواء كانت مشروعة أو جائزة، مع الحث على النوافل لفضلها في هذا المكان.

تضاعف الحسنات والسيئات في مكة وتوقيت الاعتكاف

تتضاعف الحسنات في مكة لشرف المكان، وتتضاعف السيئات من حيث الكيفية، كما يبدأ الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان.

توقيت بداية ونهاية الاعتكاف في رمضان

يبدأ الاعتكاف من ليلة 21 وهو مذهب جمهور أهل العلم، وينتهي بغروب شمس آخر يوم من رمضان استناداً إلى فعله -عليه الصلاة والسلام-.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ما بعد: سئل فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى- يقول السائل: هناك بعض الناس يقدمون من مناطق مختلفة، يعتكفون العشر الأواخر من رمضان في المسجد الحرام، ولكنهم يتركون السنن الرواتب، أرجو التفصيل، والله يحفظكم. فأجاب -رحمه الله تعالى- بقوله: في الحقيقة أن الإنسان إذا من الله عليه أن يصل إلى هذا المسجد، فإنه ينبغي له أن يكثر من الصلاة، سواء كانت من الصلاة المشروعة أو من الصلوات الأخرى الجائزة. والإنسان الذي يكون في هذا المكان أمامه النوافل المطلقة، يعني إذا قلنا: إن المسافر لا يصلي راتبة الظهر ولا راتبة المغرب ولا راتبة العشاء، فليس معنى ذلك أن نقول: لا تصلي أبدًا، بل نقول: صلي وأكثر من الصلاة، والصلاة خير موضوع، وهي كما قال عز وجل: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، ولهذا نحن نحث إخواننا على أن يكثروا من النوافل والصلاة في هذا المسجد، وإن كانوا مسافرين؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- لا يمنعه السفر من أن يتطوع بالصلاة، بل كان -عليه الصلاة والسلام- يدع سنة الظهر وسنة العشاء وسنة المغرب، وباقي النوافل باقٍ على استحبابها. وحينئذ لا يكون في المسألة إشكال. جوابه -رحمه الله تعالى- على هذا السؤال نصيحته -رحمه الله تعالى- للقادمين إلى المسجد الحرام، وأن الله -جل وعلا- من عليهم ووفقهم للوصول إلى هذا المكان، وأنه عليهم أن يحرصوا على استغلال أوقاتهم في طاعة الله -جل وعلا-، وأن يحرصوا على الصلاة في هذا المسجد الحرام؛ لمضاعفة أجر الصلوات فيه. وبين -الحمد لله تعالى- حتى أن النوافل حث عليها خاصة في هذا المكان. وبين هدي رسول الله -عليه الصلاة والسلام- في ذلك، أنه كان لا يدع بعض النوافل في سفره، فعلى المسافر أن يحرص على تلك النوافل التي كان يحرص عليها -صلى الله عليه وآله وسلم- في سفره وفي إقامته -عليه الصلاة والسلام-. وسئل -رحمه الله تعالى-: هل يضاعف أجر الصوم في مكة كما حصل في أجر الصلاة؟ فأجاب فضيلته بقوله: جوابنا على هذا السؤال أن نقول: الصلاة في مكة أفضل من الصلاة في غيرها بلا ريب، ولهذا ذكر أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- حينما كان مقيمًا في الحديبية في غزوة الحديبية كان في الحل، ولكنه يصلي داخل أميال الحرم، وهذا يدل على أن الصلاة في الحرم -أي داخل أميال الحرم- أفضل من الصلاة في الحل؛ وذلك لفضل المكان. قد أخذ العلماء من ذلك قاعدة، قالوا فيها: إن الحسنات تضاعف في كل مكان أو زمان فاضل، كما أن الحسنات تتضاعف باعتبار العامل؛ كما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». إذن فالعبادات تتضاعف باعتبار العامل، وباعتبار الزمان والمكان، كما تختلف أيضًا في ثوابها باعتبار جنسها وهيئتها. قد أخذ أهل العلم من ذلك أن الصيام يضاعف في مكة، ويكون أفضل من الصيام في غيرها؛ وذلك لشرف مكانه. على أن الصيام إنما هو إمساك، وليس بعمل يحتاج لزمان ومكان، سواء الزمان الذي شرع فيه، وهو من طلوع الفجر الثاني إلى مغيب الشمس. وقد ورد في حديث عند ابن ماجه بسند ضعيف: «أن من صام رمضان بمكة وقام ما تيسر منه كتب له أجر مئة ألف رمضان»، وهذا إسناده ضعيف، ولكن استأنس به، ويدل على أن صوم رمضان في مكة أفضل من صومه في غيرها. وخلاصة هذا الجواب على هذا السؤال أن صيام رمضان في مكة -بين -رحمه الله تعالى- أنه أعظم؛ لشرف هذا المكان، عملًا بقاعدة أخذ بها أهل العلم، وذلك أن الحسنات تتضاعف لشرف الزمان والمكان، فكذلك صوم رمضان من العبادات التي هي في ذلك المكان؛ لشرفه يتضاعف، وتكون أفضل من غيرها. وهذا هو خلاصة جوابه -رحمه الله تعالى- على هذا السؤال. وبين -رحمه الله تعالى- أن الأعمال تتضاعف، أو أن الحسنات تتضاعف باعتبار العامل، فهي كذلك تتضاعف باعتبار الزمان والمكان. وأهل العلم أخذوا من قوله -جل وعلا-: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، أن إثم المعصية في مكة أعظم، فكذلك الحسنات والأعمال الصالحة في الأمكنة المعظمة وفي الأزمنة المعظمة لها ثوابها الأكثر؛ لعظم الزمان ولعظم المكان. وأما الحديث الذي ذكره -رحمه الله تعالى- فبين أنه ضعيف، وإسناده ضعيف، لكن استأنس به فيما أراد ذكره -رحمه الله تعالى- بذكر تلك القاعدة. وسئل -رحمه الله تعالى-: هل تضاعف السيئات في مكة؟ وما كيفية مضاعفتها؟ فأجاب فضيلته بقوله: المضاعف في مكة بالنسبة للسيئات ليست من ناحية الكمية، ولكنها تضاعف من ناحية الكيفية؛ بمعنى أن العقوبة تكون أشد وأوجع. والدليل أنها لا تضاعف كمية، قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، وهذه الآية مكية؛ لأنها في سورة الأنعام. لكن كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، يعني أن إيلام العقوبة في مكة أشد من إيلام العقوبة إذا فعلت هذه المعصية خارج مكة. وفي هذا التحذير الشديد من المعاصي في مكة. خلاصة الجواب: أن السيئة في هذا المكان المعظم أثرها وذنبها أعظم من السيئة في مكان آخر؛ وذلك لعظم هذا المكان. فكما أن الحسنة يتضاعف أجرها عند الله -جل وعلا- في الأمكنة المفضلة والمعظمة والأزمنة المعظمة، فكذلك السيئة إذا فعلت -والعياذ بالله- في المكان المعظم، فإثمها أعظم. فالسيئة في المسجد ليست كالسيئة خارج المسجد؛ وذلك لعظم هذا المكان. السيئة في المسجد إثمها أعظم؛ لأنها فعلت -والعياذ بالله- في مكان معظم، وهكذا فعلت في زمن معظم. وإن كانت السيئة بالسيئة، لكن من حيث الإثم، ومن حيث كذلك جرم العقوبة في الأماكن المعظمة، لذلك تعظم فعلها، هذا الذي استنبطه العلماء من نصوص الشرع. وسئل -رحمه الله تعالى-: متى يبتدئ الاعتكاف؟ أفتونا مأجورين. فأجاب -رحمه الله تعالى- بقوله: جمهور أهل العلم على أن ابتداء الاعتكاف من ليلة إحدى وعشرين، لا من فجر إحدى وعشرين. وإن كان بعض العلماء ذهب إلى أن ابتداء الاعتكاف من فجر إحدى وعشرين، مستدلًا بحديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- عند البخاري: «فلما صلى الصبح دخل معتكفه». لكن أجاب الجمهور عن ذلك بأن الرسول -عليه الصلاة والسلام- انفرد من الصباح عن الناس، وأما نية الاعتكاف فهي من أول الليل؛ لأن العشر الأواخر تبتدئ من غروب الشمس يوم عشرين. وخلاصة الجواب على هذا السؤال: أن ابتداء الاعتكاف من ليلة إحدى وعشرين، يعني مثل هذه الليلة، هذه الليلة ليلة إحدى وعشرين، فمن هذه الليلة يبتدئ الاعتكاف، وهو مذهب جمهور أهل العلم. والقول الثاني: أن الاعتكاف يبتدئ من فجر يوم إحدى وعشرين. ورجح -رحمه الله تعالى- مذهب الجمهور، ورد قول الجمهور على القول الثاني استدلالًا بفعله -عليه الصلاة والسلام- أنه لما أصبح دخل معتكفه يوم إحدى وعشرين، أن ذلك منه -عليه الصلاة والسلام- انفراد من الصباح، هو نوى الاعتكاف من الليل، نوى الاعتكاف من الليل، يعني من هذه الليلة، والصباح دخل المعتكف، ليس معناه أنه أنشأ الاعتكاف الصباح؛ لا، وإنما أنشأ الاعتكاف وأنشأ نية الاعتكاف من الليل، لكن لما أصبح -عليه الصلاة والسلام- فارق الناس ودخل معتكفه. هذا مذهب جمهور العلماء في وقت ابتداء الاعتكاف، وأنه من ليلة 21؛ لأن ليالي العشر تبتدئ من ليلة 21، فالإنسان ينوي إذا نوى الاعتكاف من هذه الليلة؛ لأن هذه الليلة قد تكون ليلة 21، هذه الليلة قد تكون ليلة القدر، قد تكون ليلة القدر، لذلك إذا نوى الاعتكاف في الليل أدرك تلك الليلة وهو معتكف، وهو معتكف. إذن فدخوله -عليه الصلاة والسلام- معتكفه صباح يوم 21 ليس معناه أنه أنشأ نية الاعتكاف، وإنما قد أنشأ النية من الليل، لكن فارق الناس ودخل المعتكف صباح يوم 21. وسئل -رحمه الله تعالى-: متى يخرج المعتكف من اعتكافه؟ أبعد غروب شمس ليلة العيد أم بعد فجر يوم العيد؟ فأجاب فضيلته بقوله: يخرج المعتكف من اعتكافه إذا انتهى رمضان، وينتهي رمضان بغروب الشمس ليلة العيد، يعني أن انتهاء الاعتكاف يكون بغروب شمس آخر يوم، غروب شمس آخر يوم من رمضان ينتهي الاعتكاف؛ لأن تلك الليلة تكون آخر ليلة، لأن تلك الليلة التي قد مرت تكون آخر ليلة، فأما الليلة التي ستأتي فهي ليلة العيد، فهي ليلة العيد، والاعتكاف إنما يكون في العشر الأواخر من رمضان، ليالي العشر الأواخر من رمضان، فبانتهاء آخر ليلة من ليالي رمضان ينتهي الاعتكاف، وتنتهي آخر ليلة بغروب شمس آخر تلك الليلة. دخول المعتكف للعشر الأواخر يكون دخوله عند غروب الشمس من ليلة 21؛ وذلك لأن ذلك وقت دخول العشر الأواخر، وهذا لا يعارضه حديث عائشة، ولا حديث أبي سعيد -رضي الله عنهما-؛ لأن ألفاظهما مختلفة، فيأخذ بأقربها إلى المدرول اللغوي، وهو ما رواه البخاري من حديث عائشة أول حديث في باب الاعتكاف في صحيح البخاري قالت: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعتكف في كل رمضان، فإذا صلى الغداة دخل مكانه الذي اعتكف فيه» الحديث. وما رواه من حديث أبي سعيد ثاني حديث في باب تحري ليلة القدر في الوتري من العشر الأواخر قال: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجاور في رمضان العشر التي في وسط الشهر، فإن كان أو إذا كان حين يمسي من عشرين الليلة تنقضي ويستقبل 21 رجع إلى مسكنه ورجع من كان يجاور معه». وأنه قام في شهر جاور فيه الليلة التي كان يرجع فيها، فأمر الناس فقال: «كنت أجاور هذه العشر، ثم قد بدأ لي أن أجاور هذه العشر الأواخر، فمن كان اعتكف معي فليثبت في معتكفه». قال: «وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها». قال: «فمطرت السماء تلك الليلة، فبصرت عيناي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على جبهته أثر الماء والطين من صبح 21». وخلاصة هذا الجواب: أنه بيّن -رحمه الله تعالى- أن بداية الاعتكاف يكون من ليلة 21. نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.