حلية طالب العلم 55

الدرس في حلية طالب العلم 55، ألقاها

مراتب التفقه في الدين وبداياته

يتحدث عن مراتب التفقه في الدين، حيث يبدأ الطالب بفقه سطحي ثم يتعمق إلى فقه النفس بتخريج الفروع على الأصول الشرعية. يتم التركيز على أهمية التصور الكامل للمسألة لاستنباط الحكم الشرعي.

أهمية التريث وعدم التعجل في إصدار الأحكام

يؤكد على أهمية التفقه الصحيح وضرورة التريث وعدم التعجل في إصدار الأحكام، مع التشديد على الرجوع إلى العلماء عند النوازل وعدم الاكتفاء بالمعلومات السطحية.

التفقه في قواعد الشريعة ومقاصدها

يشدد على أهمية فهم قواعد الشريعة العامة ومقاصدها لتمييز الأحكام وتخريجها بشكل صحيح، ويبين أن الفقيه هو من يستطيع استنباط الأحكام من النصوص الشرعية عند غياب النص المباشر.

تعريف الفقيه وخصائصه

يعرّف الفقيه بأنه من يفهم كلام المتكلم على مراده الحقيقي وليس على المعنى اللغوي فقط، ويتطلب هذا الفهم إدراكًا أعمق لما يريده المتكلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى، وهو يتكلم على مسألة التفقه بتخريج الفروع على الأصول: يرحمك الله، قال رحمه الله تعالى، بعد أن ذكر: «لكن هذا التفقه محجوز بالبرهان، محجور عن التشهي والهوى، ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم، ما لك من الله من ولي ولا نصير». ثم قال بعد ذلك: «فيا أيها الطالب، تحل بالنظر والتفكر والفقه، لعلك أن تتجاوز من مرحلة الفقه إلى فقه النفس». كما يقول الفقهاء: وهو الذي يعلق الأحكام بمداركها الشرعية، أو فقه البدن كما في اصطلاح المحدثين. بمعنى أن على الطالب أن يتحلى بما تقدم، فإن المتحل بما تقدم من النظر والتفكر والاستنباط، وضم المسائل بعضها إلى بعض، وكذلك التفقه في دين الله جل وعلا، يقول: «لعلك أن تتجاوز من مرحلة الفقه» -والفقه يريد به الشيخ ها هنا من كان عنده إدراك سطحي للمسائل، إدراك للمسائل أحكام المسائل العلمية، ولكنه إدراك سطحي- لذا قال: «إلى فقه النفس»، أي يكون عندك الفقه سجية، بحيث أنك تنزل الأمور في أماكنها اللائقة بها على ما جاءت به النصوص الشرعية والقواعد العامة الشرعية. لذا قال الشيخ رحمه الله: «فأجل النظر عند الواردات»، أي ينبغي للطالب عند الواردات -للفقيه عند الواردات- أي عند ورود المسائل وعند ورود النوازل وعند ورود ما يحتاج إلى حكم فيه، ولم يكن ثم حكم واضح في المسألة، فحينها يظهر الفقيه، وذلك بتخريج الفروع على الأصول. ينظر إلى تلك القضية وإلى تلك المسألة، وإلى تلك النازلة، ينظر إليها فيحللها، ثم ينظر: هي تحت أي أصل تدخل من الأصول العامة الشرعية والقواعد العامة الشرعية؟ فينظر إلى أي أصل يستطيع أن يضم تلك المسألة، وتحت أي قاعدة يضمها؟ فإذا وصل إلى ذلك واستطاع ضمها إلى أصل، ظهر له الحكم بمعرفة الحكم العام لذلك الأصل العام وتلك القاعدة العامة الكلية. لذا قال: «وتمام العناية بالقواعد والضوابط»، القواعد الشرعية التي قعدها العلماء رحمهم الله تعالى، أخذا من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، على ما كان عليه سلفهم رضي الله عنهم وأرضاهم. وكذا الضوابط، فتضبط كل مسألة بضابطها الشرعي، وتدخل تحت أصل من أصول الشريعة، فيظهر فيها الحكم الملائم. وهذا حقيقة لا يتأتى إلا بعد تصور تام أولا للمسألة التي تنزل على ذلك الفقيه، يحتاج إلى أن يتصور المسألة تصورا تاما، وينظر في نواحيها وفي جوانبها وفي لوازمها وفي مختضياتها وما يترتب عليها. فإذا نظر إليها بمنظار عام شامل من جميع النواحي، استطاع بعد ذلك أن يدرجها تحت أصل من الأصول العامة والقواعد العامة، فيظهر حينها الحكم الشرعي الموافق لتلك المسألة. وهذا كما ترون يحتاج إلى فقه دقيق، وهذا حقيقة لا يتوصل إليه إلا من قضى الأيام والسنين في العلم الشرعي، تلقيا وتفقها على الأشياخ، والنظر في معاملة العلماء الراسخين الأكابر الأجلة للمسائل والنوازل عند نزولها وورودها، كيف يتعاملون معها؟ وكيف ينظرون إليها؟ وكيف ينزلون منازلها؟ فبالزمان وطول الملازمة والاستمرار كذلك في العلم والاستفادة ممن سبقه، بعد ذلك من وفقه الله جل وعلا وأعانه وأمده بفضل منه وتوفيق، قد يتوصل إلى معرفة هذه المسائل، فيكون من أهل الاستنباط، ممن إذا وردت إليه النازلة والمسألة، نظر إليها بمنظار شرعي راسخ في العلم. وهذا كما سمعتم لا يتأتى إلا بعد عمر ومداومة واحتكاك بأهل العلم، والنظر كذلك في كلام أهل العلم والاستفادة من أهل العلم، وكسب الخبرة من أهل العلم الأكابر الأجلة الأفاضل. فينظر كيف يعلقون المسائل بأصولها ومواردها الصحيحة، ثم يصدرون الحكم اللائق بكل مسألة. فيحتاج إلى مداومة أولا في الطلب، إلى جانب ما تقدم من الأمور، إلى جانب صدق وتوفيق من الله جل وعلا، وإلى غيرها من الأمور. فهذا كما هو ظاهر إنما هو معين لك أيها الطالب، هذا المقروء الذي نقرأه، هذا معين لك في النظر في المسائل. بمعنى أن الإنسان لا يتعجل، ليس معنى كلام الشيخ هاهنا رحمه الله تعالى أن يقول لك: أيها الطالب إذا جاءت النازلة قلت: أنا فقيهها وأنا لها، سأنظر في المسألة وسأضعها تحت قاعدة عامة، ثم أصدر حكما يكون هذا الحكم موافقا للحكم الشرعي. وبه يظهر ما عندما الفقه. ليس مقصود الشيخ كذلك، وإنما المقصود هو أن يكون الطالب عنده ملكة للاستنباط، وكذلك لمعرفة الأحكام كيف يتعامل مع الأحكام. فيكون هذا بابا لك أيها الطالب تدخل فيه لمعرفة هذه القضايا، وكيف تعامل معها العلماء. ليس معناه أنك حفظت كذا كذا حديثا، وحفظت من القرآن ما حفظت، ودرست بعض الكتب في القواعد الشرعية، قلت: أنا لها أنا له. بل مراد أن الطالب تكون عنده طريقة صحيحة في استنباط الأحكام الشرعية. وهذه الطريقة إذا قد استكمل الطالب آلات العلم وأخذ من العلم ما أخذ، فقد ينفتح عنده بعض الأبواب، لكن لا يكون مفتيا لنفسه عند النوازل، ولا لغيره. بل إذا نزلت النازلة أحالها إلى العلماء، ونظر ما يصدره العلماء. كم من مسألة تأتي وتنزل، فيقول الطالب: حكمها كذا وكذا، فإذا به ترفع هذه المسألة إلى العلماء الراسخين، فإذا بهم يأتون بالحكم المناسب في مكانه المناسب، مع التعليلات، وكذلك إظهار وإبراز الأدلة والبراهين، سواء كان دليلهم نقليا أو كان دليلهم نظريا، أي باعتبار إما أن يكون الدليل أثريا، سواء كان من كتاب الله جل وعلا أو من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو يكون كذلك مستنبطا باعتبار القياس والنظر. فإذا سمع الطالب كلام العالم الراسخ، حينها يقول: سبحان الله، قد جعل الله لكل شيء قدرا. وهذا هو المقصود أن الطالب يتفقه، نعم تفقه، انظر في المسألة وقل: حكمها كذا وكذا، لكن لا تجعل ذلك الحكم سببا لعملك بمقتضاه، ولا أن تفتي غيرك بمقتضاه ما ظهر لك، ولا سيما عند المسائل الغامضة، بل أحل الأمر إلى أهله. فإذا أحلت الأمر إلى أهله وجاء الفتوى من أهل العلم الراسخين، حينها تستفيد. إن أصبت فقل: الحمد لله، بدأت ماذا أضع قدمي في المكان المناسب بطريقة ماذا التفقه الصحيح. وإن أخطأت كان كذلك ذلك سببا في أن تعلم أن ما أنت عليه يحتاج إلى تصحيح، فتصحح ما وقع منك من خطأ، ويكون سببا لمعرفة قصورك أيها الطالب، وأنك بحاجة ماسة -بعد فضل الله عز وجل- إلى العلماء الأكابر. قال رحمه الله تعالى: «وأجمع للنظر في فرع ما بين تتبعه، وإفراغه في قالب الشريعة العام من قواعدها وأصولها المضطردة، كقواعد المصالح ودفع الضرر والمشقة، وجلب التيسير، وسد باب الحيل، وسد الذرائع». يعني كما تقدم أن ينظر في المسألة وأن ينزلها على القواعد العامة الشرعية. وهذا إنما يدل على فقه الإنسان، وذلك أن هذه القواعد العامة الفقهية التي ذكرها العلماء أخذوها من أدلة شرعية. وهذه القواعد، ولا سيما المذكورة، متفق عليها، وما شابهها وما قاربها، وهي ما أخذت من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فمستحيل أن يأتي حكم أو تأتي مسألة داخل ضمن هذه القاعدة دخولا واضحا جليا، ومع هذا يكون حكمها مغايرا، وذلك لأن الكل من عند الله جل وعلا، والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. دلت هذه الآية بمفهومها أن ما كان من عند الله جل وعلا فلا اختلاف فيه ولا اضطراب، بل بعضه يدل على بعض، وبعضه يرشد إلى بعض. لذا الناظر في هذه الآية، يتدبرها الله جل وعلا بقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. إذا من تدبر القرآن تدبرا صحيحا سليما، ظهر له الوفاق: أن ما كان من عند الله أن بعضه يصدق بعضا، وبعضه يؤيد بعضا، وبعضه يرشد إلى بعض، وبعضه يوضح بعضا. فإذا يصل الفقيه بفقهه إلى أن الشريعة لا تفرق بين المتماثلات، ولا تجمع بين المختلفات، فيضم المسائل المتماثلة بعضها إلى بعض، فيظهر حينها حكم يليق بالمقام، ولكل مقام مقال. قال رحمه الله تعالى: «وهكذا هديت لرشدك أبدا، فإن هذا يسعفك في مواطن المضايق»، أي إرجاع فروع المسائل إلى أصولها وإلى قواعدها العامة الكلية. قال: «فإن هذا يسعفك في مواطن المضايق»، عند المضايق إذا أرجعت هذه المسائل إلى أصولها وقواعدها العامة، ظهر لك الحكم بحمد الله جل وعلا وتوفيقه. قال رحمه الله تعالى: «وعليك بالتفقه كما أسلفنا في نصوص الشرع»، أي في كتاب الله جل وعلا وفي سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكذلك التفقه فيما ورد عن السلف، عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. فإن فقه السلف، ولا سيما الصحابة، هو أصح فقه وأصدق فقه وأسلم فقه وأسهل فقه، فقه ميسر، وهو أقوى فقه، بعيد عن التكلف، موصل لك -أيها الطالب- إلى ربك جل وعلا بأقصر الطرق وأسهلها. فينبغي العناية بهذا الأمر عناية كبيرة وتامة. قال: «وعليك بالتفقه كما أسلفنا في نصوص الشرع، والتبصر فيما يحف أحوال التشريع، والتأمل في مقاصد الشريعة». فإن خل فهمك من هذا، أو نبأ سمعك -أي تباعد أو تجاف سمعك- فإن وقتك ضائع، وإن اسم الجهل عليك لواقع. أي إذا لم تعتن بهذه الأمور، بقواعد الشريعة العامة الكلية، وإنما تريد أن تكون فقيها كما يقال: بما ظهر لك، دون عناية بالقواعد العامة والأمور المترتبة على ذلك الحكم، هذا لا يكون فقيه، لا يكون فقيها أبدا. من يظل الحكم دون عناية بقواعد الشريعة العامة، الأمور مقاصدها: قاعدة المصالح، درء المفاسد أولى من جلب المصالح، تقديم أعلى المصلحتين، درء أعلى المفسدتين بأدناها، وهكذا من القواعد العامة الكلية الشرعية. قال: «وهذه الخلة بالذات هي التي تعطيك التمييز الدقيق والمعيار الصحيح لمدى التحصيل والقدرة على التخريج»، أي هذه الخلة أو الخصلة والصفة هي التي تجعلك أيها الطالب إما أن تكون فقيها وإما أن تكون ما زدت في عداد من يحتاج إلى تفقه. قال رحمه الله تعالى: «فالفقيه من تعرض له النازلة لا نص فيها، فيقتبس لها حكما»، يقتبس أي يستمط لها حكما من كتاب الله جل وعلا أو من سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قالوا: «البلاغي ليس من يذكر لك أقسامها وتفريعاتها، لكنه من تسري بصيرته البلاغية في كتاب الله -مثلا- فيخرج من مكنون علومه وجهها، وإن كتب أو خطب نظم لك عقدها». وهكذا في العلوم كافة. أي ليس العلم مجرد أمور سطحية، وإنما هو ماذا؟ إنما هو الغوص في معاني الشريعة وقواعدها العامة، والنظر في مقاصد الشريعة. وكما تقدم معنى فيما مضى: الفقيه هو من يفهم كلام المتكلم على مراد المتكلم، لا على الوضع، لا على مجرد الوضع ومقتضى اللغة. وفق الله الجميع لما يحب ويرضاه. الله تعالى أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على