الدرس في شرح تعظيم العلم 12، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن الشيخ صالح العصيمي أن تحصيل العلم يتم بالتدرج لا دفعة واحدة، مستدلاً بنزول القرآن مفرقاً في 23 سنة وتصنيف العلماء للطلاب إلى مستويات (مبتدئين، متوسطين، منتهين) وتأليف الكتب المناسبة لكل مستوى. ويؤكد أن العجلة في الطلب تخالف المنهج الرباني وسنة السلف في التلقي والتعليم.
يستعرض المقطع المنهج العملي للتدرج في طلب العلم بالانتقال من المتون الميسرة إلى الأشمل فالكبار، مع مراعاة مستوى الطالب كما أوصى الإمام أحمد ببدء الصبيان بالقرآن. ويبرز قيمة الإتقان والقليل المستمر على الكثرة المتعجلة، مستشهداً بقصة شعيب بن الحجاج ومثل السيل المتكون من النقط.
يحذر المقطع من مخاطر العجلة ومطالعة المطولات قبل نضج الآلة العلمية، مشبهاً العلم بنمو الجسد والسلالم حيث يؤدي تجاوز المراحل إلى الملل والانصراف عن الطلب. ويؤكد على قاعدة "طعام الكبار سم الصغار" ووجوب أن يعرف الطالب مستواه ويختار العلوم المناسبة لضمان النجاح والإتقان.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ صالح العصيمي -حفظه الله تعالى- في كتابه "تعظيم العلم"، المعقد الثامن، أي الأصل الثامن من الأصول التي بها يعظم الطالب العلم: "لزوم التأني في طلبه وترك العجلة". يريد بذلك أن يتدرج طالب العلم في تحصيل العلم، ولا يكون همه أخذ العلم جملة، فهذا من الاستعجال في نيل العلم. ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. فمن أراد العلم في يوم أو يومين، أو أسبوع أو أسبوعين، أو شهر أو شهرين، أو سنة أو سنتين، فيوشك أن يحرم العلم، فلا يحقق مراده. فهذا هو مراد المؤلف -حفظه الله- من عقد هذا الفصل وهذا المعقد. قال -حفظه الله-: "إن تحصيل العلم لا يكون جملة واحدة، إذ القلب يضعف عن ذلك، وإن للعلم فيه ثقلاً ك ثقل الحجر في يد حامله". هذا تشبيه من المؤلف -حفظه الله-: أرأيت لو أن أحدنا أراد أن يحمل حجراً ثقيلاً لا يستطيعه، أو يستطيع أن يحمله ولكنه بمشقة وعناء، وربما بعد حمله تصلبت يداه ومرضت من شدة حمله لهذا الحجر الثقيل؟ هذا في الأشياء الحسية، فكذلك في الأشياء المعنوية ومنها العلم. فمن أراد أن يحمل العلم جملة واحدة في فترة قصيرة، فمثله كمثل من أراد أن يحمل حجراً كبيراً لا يستطيع حمله. قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلًا﴾ [المزمل: 5]، أي القرآن. وإذا كان هذا وصف القرآن الميسر، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17]، فما الظن بغيره من العلوم؟ القرآن ميسر، ومع هذا قال ربنا عز وجل لنبيه: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلًا﴾. فإذا هذا القول الثقيل يحتاج إلى تدرج. وسيأتي معنا من كلام المؤلف أيضاً أن تنزل القرآن مفرقاً منجماً وليس جملة واحدة، يدل على هذا المعنى. ولذلك قال كذلك: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: 32]، ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾. وقوله: "فما الظن بغيره من العلوم" يعني: هذا القرآن وصف بالتيسير، ومع هذا وصفه الله بأنه ثقيل، فكيف مثلاً بغيره من العلوم كعلم -على سبيل المثال- مصطلح الحديث، أو علم الحديث، أو علم اللغة، أو غيرها من العلوم؟ فهي من باب أولى أن تكون ثقيلة، فتحتاج إلى تمرس وتدرج. قال: "وقد وقع تنزيل القرآن رعاية لهذا الأمر منجماً مفرقاً باعتبار الحوادث والنوازل، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: 32]". فانظر إلى الحكمة من نزول القرآن مفرقاً. القرآن نزل خلال حياة نبينا -عليه الصلاة والسلام- منذ بعثته إلى أن توفاه الله، خلال كم سنة؟ ها، كم سنة؟ ثلاثة وعشرين سنة. ثلاثة وعشرين سنة نزل القرآن فيه على نبينا -عليه الصلاة والسلام-، فهذا يدل على هذا المعنى. قال: "وهذه الآية حجة في لزوم التأني في طلب العلم والتدرج فيه وترك العجلة، كما ذكره الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه"، والراغب الأصفهاني في مقدمة "جامع التفسير". أي أن العلماء استدلوا بهذه الآية على هذا المعنى، وهو التأني في طلب العلم والتدرج فيه. بل وجاء أيضاً في القرآن مما يدل على هذا المعنى، وهو التدرج في طلب العلم، قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَٰكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: 79]. ﴿وَلَٰكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ جاء في تفسير معنى الرباني أو معنى الربانيين: أنهم هم الذين يعلمون الناس صغار العلم قبل كباره. هم الذين يعلمون الناس صغار العلم قبل كباره، وهذا من فقههم ومن كذلك عنايتهم بالطالب، أنهم يتدرجون معه في طلب العلم. ما يأتي الطالب المبتدئ فيعطونه أو يلقنونه كبار المسائل، ويدرسونه كبار الكتب. ولذلك اعتبر العلماء تقسيم الطلاب إلى ثلاثة أقسام: المبتدئين، والمتوسطين، والمنتهين (يعني كبار الطلاب). وهذه الطرق معروفة عند أهل العلم. وإذا نظرت في تأليف العلماء لرأيت أنهم راعوا هذا الترتيب وهذا التصنيف، تصنيف الطلاب إلى هذه الأقسام الثلاثة. فإن العلماء يؤلفون الكتب على قدر عقول الطلاب. فمن العلماء من يؤلف الكتب المختصرة السهلة التي تناسب فهم وعقل المبتدئ، ومنهم من يؤلف الكتب المتوسطة التي تناسب فهم وعقل المتوسط، ومنهم من يؤلف الكتب الكبار التي تناسب فهم وعقل المنتهي. فمثلاً لو نظرت في مؤلفات شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي -رحمه الله- تجد له كتباً للمبتدئين، وتجد له كتباً للمتوسطين، وتجد له كتباً للكبار المنتهين، وهذا أمر معروف عنه -رحمه الله-. وهكذا غيره من العلماء القدماء والمعاصرين، تجد لهم كتباً صغيرة وكتباً كبيرة وكتباً متوسطة. الإمام النووي -على سبيل المثال- هو الذي ألف "الأربعين النووية"، وهذا "الأربعين النووية" أربعون حديثاً للمبتدئ. لكن هو الذي ألف كذلك "رياض الصالحين" وفيه الأحاديث الكثيرة، وهو الذي ألف "المجموع" في الفقه، وهذا للبحث في مسائل الفقه وهو للمنتهين. وهكذا فالعلماء يراعون مستوى الطالب في التأليف، فينبغي للمعلم أيضاً أن يراعي هذا المعنى، فلا يليق مثلاً بالمعلم أن يدرس المبتدئ مثلاً كتاباً صغيراً لكنه يحشوه بالفوائد من كتب أخرى وحواشي تشتت ذهن الطالب. هذا ليس من سلوك الجادة في التعليم. تلتزم بالكتاب، وتركز على أن يفهم الطالب العبارات والكلمات والمعاني المراد منها في هذا الكتاب. بعضهم -على سبيل المثال- تجده يدرس "المقدمة الآجرومية" للمبتدئين، فيذهب إلى "القطر" وإلى "ابن عقيل"، ويأتي بفوائد جانبية. هذا ما يليق، لأنك تشوش عليه. الآن تدرج معه: يجعل أولاً يدرس "المقدمة الآجرومية"، انتهى منها ينتقل مثلاً إلى "المتممة"، انتهى منها ينتقل مثلاً إلى "القطر"، انتهى منه ينتقل مثلاً إلى "ابن عقيل"، وهكذا. فالفوائد التي لم يدركها في "الآجرومية" سيدركها في "المتممة". لماذا سميت "متممة"؟ وهذا أيضاً من هذا المعنى. ابن آجروم ألف "الآجرومية" للمبتدئين، للمبتدئين، فجاء آخر وألف "المتممة" على "الآجرومية"، فذكر مسائل وأشياء لم يذكرها صاحب "المتممة" -أعني: لم يذكرها صاحب "الآجرومية"-، وهل صاحب "الآجرومية" عاجز عن ذكر ما ذكره صاحب "المتممة"؟ ليس بعاجز، ولكنه أراد أن يتدرج مع الطالب، يتدرج مع الطالب. فهمتم هذا؟ فهذا أمر مهم جداً، وهذا ما عليه العلماء قديماً وحديثاً. ذكر ابن مفلح في "الآداب الشرعية" -كتاب له اسمه "الآداب الشرعية"، المجلد الثاني، صفحة مئة وعشرين- عن الميموني -رحمه الله- أنه قال: "سألت أبا عبد الله" يعني الإمام أحمد بن حنبل، إمام أهل السنة -رحمه الله-، قال: "سألت أبا عبد الله: أيهما أحب إليك؟ أبدأ ابني بالقرآن أو بالحديث؟" تلميذ يشاور عالماً، يقول له: "هذا ابني أريد أن يتعلم، فبماذا أبدأ؟ هل بالقرآن، أو بأشر؟ أذهب به إلى دراسة الحديث؟" فقال الإمام أحمد: "لا، بالقرآن". يعني: لا تبدأ بالحديث، ابدأ بالقرآن. فقال له: "أعلمه كله؟" يعني كل القرآن. قال: "إلا أن يعسر"، يعني إذا يشق عليه تعلم جميع القرآن فتعلمه منه، يعني تعلمه شيئاً من القرآن. لكن أولاً ابدأ بالقرآن. ثم قال لي: "أي لما محمد يقول للميموني: إذا قرأ" أي الولد هذا أولاً القرآن، "تعوذ القراءة"، ثم لزمها. وهذا أمر مجرّب من اعتنى بالقرآن، لأنه أفصح الكلام وأيسر الكلام. فمن تعلم القرآن وأجاد قراءته، تسهل عليه قراءة غيره وكتابة غيره. ولذلك كان بعض من يحفظ الصغار يلزمهم بكتابة المحفوظ، وهذه طريقة نافعة استقدمها الأفارقة، كما أخبرنا بعضهم. أخبرني بعض الإخوة الصوماليين أنه حفظ القرآن تلقيناً وكتابة، يعني المدرس إذا أعطاهم مثلاً خمس آيات يذهبون ويكتبونها. هي موجودة في المصحف لكن يكتبونها حتى يعوّدهم على ماذا؟ على الكتابة. قال: "كتبنا القرآن كاملاً". انظر: كتب القرآن كاملاً من أول سورة الفاتحة إلى آخر القرآن سورة الناس. فهم يتعلمون النطق والقراءة والكتابة. فهذا الذي ينبغي أن يبدأ به أولاً طالب العلم: العناية بالقرآن. فإذا فتح الله عليه في القرآن فما بعده بإذن الله أسهل. هذا من التدرج في طلب العلم. قال: "ومن شعر ابن النحاس الحلبي قوله: اليوم شيء وغد مثله من نخب العلم التي تلتقط يحصل المرء بها حكمة وإنما السيل اجتماع النقط" هذا الكلام يحفز طالب العلم على القناعة في طلب العلم في يومه وليلته، وأن لا يكون همه كثرة الدروس والفوائد، وإنما يكون همه القليل مع الإتقان والفهم. فيقول هنا: "اليوم شيء"، اليوم تأخذ شيئاً من العلم، "وغد مثله"، اليوم درس درسين في علم من العلوم، وغد مثله. "من نخب العلم التي تلتقط" يعني مما ينتقى، يعني ينتقى ويفتخر من العلم، يحصل المرء بها حكمة. العلم كله حكمة وفائدة. قال: "وإنما السيل اجتماع النقط". السيل العظيم هذا الذي يجري في الوديان والشعاب ونحو ذلك، إنما هو عبارة عن نقط تنزل من المطر ثم تجتمع فتكون هذا السيل العظيم. وهكذا العلم، إنما هو عبارة عن عدة فوائد وعلوم ودروس تأخذها شيئاً فشيئاً، شيئاً فشيئاً، فتتقن هذه العلوم وهذه الكتب، كتاباً بعد كتاب، بعد كتاب، فإذا بك قد درست ربما عشرات الكتب، عشرات الكتب، فتصير علماً كثيراً وغزيراً. فأنت بدأته بفوائد قليلة، وهكذا العلم مثل السيل، إنما هو اجتماع النقط. وهكذا العلم، إنما هو اجتماع الدروس والفوائد، فإذا بك حصلت علماً كثيراً غزيراً. قال: "شعب بن الحجاج: اختلفت إلى عمر بن دينار خمسمائة مرة، وما سمعت منه إلا مئة حديث، في كل خمسة مجالس حديث". انظر: خمسة مجالس يعطيه حديثاً واحداً، يطعمه العلم تطعيماً. وقد اختلف إليه، يعني تردد عليه وجلس مجالس خمسمائة مرة، وما أخذ منه إلا مئة حديث. لو قسمت خمسمائة على مئة لصار في كل مجلس كم؟ في كل خمسة مجالس حديث واحد. خير وبركة، خير وبركة، لكن مع إتقان، مع إتقان. فالعبرة ليست في العجلة والسرعة، وإنما بالإتقان. حتى في القرآن، بعض الحفاظ مثلاً يقول لك: "أنا سأحفظ في اليوم، أستطيع أن أحفظ في اليوم ربع جزء أو نصف جزء، أو أحفظ ورقتين"، ويظن أن هذا هو حفظ القرآن. ثم إذا انتهى من القرآن وأردت أن تراجع له، فإذا به قد نسي ما حفظ، لأنه تعجل في الحفظ. فمن يتعجل في الحفظ بدون إتقان، فسرعان ما ينسى، ويذهب حفظه، ويذهب حفظه. فلذلك كان السلف ما يحفظون كثيراً في مجالس قليلة، وإنما يأخذون العلم شيئاً فشيئاً، فيتقن الحديث ويحفظ الحديث، فيرسخ في ذهنه فلا ينساه. هذه طريقة أهل العلم: عدم العجلة والسرعة. قال: "وقال حماد بن أبي سليمان لتلميذه: تعلم كل يوم ثلاث مسائل، ولا تزد عليها شيئاً". لماذا قال له ذلك؟ هل لا يريد له الخير؟ أبداً، وإنما قال له ذلك لأن الطالب إذا زاد على هذه الثلاث مسائل، لربما ما فقه لا المسائل الأولى ولا المسائل التي بعدها. فلذلك كان يوصي العلماء بأخذ القليل من العلم شيئاً فشيئاً دون عجلة وسرعة. قال: "ومقتضى لزوم التأني والتدرج: البداءة بالمتون القصار المصنفة في فنون العلم، حفظاً واستشراحاً". البداءة يعني: إذا كنت طالب علم مبتدئ تبدأ بقصار المتون، كما تقدم معنا في قوله: ﴿وَلَٰكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾، الذين يعلمون صغار العلم قبل كباره. فإذا أتقنت المتون الصغيرة القصيرة، تنتقل إلى المتوسطة، انتهيت منها تنتقل إلى الكتب الكبار، وهكذا يكون تدرج في طلب العلم، حفظاً لهذه المتون واستشراحاً. استشراحاً يعني: فهم ما في هذه المتون، فهم ما في هذه المتون بشرح شيخ أو أستاذ أو يعني متمكن من فهم هذا المتن. قال: "والميل عن مطالعة المطولات" يعني البعد عنها، التي لم يرتفع الطالب بعد إليها، يعني ليس الزمن زمن مطالعته لهذه المطولات. فلا تتشتت في طلب العلم، تقرأ من هنا ومن هنا، وتريد تقرأ "المجموع" و"المغني"، وتريد تقرأ "الطحاوية"، وأنت مبتدئ. لا، تدرج أولاً في طلب العلم، تدرج أولاً في طلب العلم. قال: "ومن تعرض للنظر في المطولات فقد يجني على دينه". كيف يجني على دينه؟ يعني أولاً ما يستفيد شيئاً، ثم يمضي عليه الوقت، شهر بعد شهر، سنة بعد سنة، ولا يجد النفع والحصيلة، فيكون هذا الأمر سبباً لانصرافه عن طلب العلم. وهذا وقع فيه كثير من طلاب العلم، وهو من الصوارف عن طلب العلم. أن يأتي أحدهم ويتعجل في طلب العلم مباشرة، يقول: "إيش هذا؟ سهل، الكتب الصغيرة أنا أفهم وأنا أدرك، هاتها للكتب الكبار". ويقرأ ويدخل كتباً كبيرة، ولا يفهم، ولا يتدرج، فلا يشعر إلا وهو صفر اليدين من الفائدة ومن العلم، فيقول: "أضيع سنين وأنا على هذا الحال"، فيشعر بالهم والغم والكآبة، فيكون ذلك الأمر سبباً لإنصرافه عن طلب العلم. قال: "وتجاوز الاعتدال في العلم ربما أدى إلى تضيعه". قال: "ومن بدائع الحكم" -ومن بدائع الحكم- قول عبد الكريم الرفاعي، أحد شيوخ العلم بدمشق الشام. دمشق ممنوعة من الصرف، لكن هنا صرفت لماذا؟ للإضافة. قال: "بدمشق الشام" في القرن الماضي: "طعام الكبار سم الصغار". احفظوا هذه الحكمة: "طعام الكبار سم الصغار". لو مثلاً إنسان رضيع، رضيع، جبت له لحم وفت، وما شاء الله، يعني أكل دسم، ودخلت بطن هذا، موت على طول. صح؟ نعم، طعام الكبار سم الصغار. وهكذا في العلم: كتب الكبار سم الصغار. أنت صغير في العلم، تريد تدرس كتب الكبار، هذا مثل الطفل الذي يعطى طعام الكبير، إما يمرضه وإما يقتله. وهكذا في العلم، وهكذا في العلم. فذكر -يعني العالم- أن العلم ينمو في ذهن الإنسان كما ينمو جسمه، كما ينمو جسمه. الإنسان أول ما يخرج من بطن أمه لا يعطى طعام، إنما يرضع، يعطى اللبن، يتدرج معه في نمو جسمه، ثم إذا اشتد قليلاً ربما يعطي شيئاً من العصائر، إذا اشتد قليلاً ربما يفت له شيئاً من الخبز، ما يعطى الخبز هكذا مثل كبير كامل أو مقطع، لا، مفتت، يتدرج معه. أليس كذلك؟ بلى. وهكذا العلم ينمو في ذهن الطالب كما ينمو جسمه، فيكون بالتدرج شيئاً فشيئاً، شيئاً فشيئاً. وهكذا يقولون أيضاً: العلم كالسلم، يصعد عليه حتى يصل بصاحبه إلى السقف. الآن لو واحد يريد يطلع الدور الثاني، هل مباشرة يقفز إلى الدرجة الخامسة أو العاشرة؟ لا، يبدأ بالدرجة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، إلى أن يصل إلى الدور الثاني. وهكذا في العلم: ما يأتي ويريد يصعد إلى الدرجة العاشرة مباشرة، إلى "فتح الباري"، أو مباشرة إلى "شرح ابن عقيل"، وهو عاد مبتدئ. لا، أنت الآن قفزت إلى الدرجة العاشرة، ما زلت في أول درجة. اطلع الأولى، الأولى، ثم إذا انتهيت منها إلى الثانية، وهكذا. فالعلم كالسلم، يصعد عليه حتى يصل بصاحبه إلى السقف. قال: "وصدق، فإن الرضيع إذا تناول طعام الكبار مهما لذ وطاب أهلكه وأعطبه، ومثله من يتناول المسائل الكبار من المطولات، ويقف نفسه مع ضعف الآلة على خلاف العلماء، فإنه يتيه". جاء مباشرة يريد يدرس الفقه المقارن، ما شاء الله، ما هو خلاف العلماء في هذه المسألة، ويذهب إلى "المجموع"، إلى "المغني"، إلى "فتح الباري"، إلى "بداية المجتهد"، يبحث ويعرف كلام العلماء، ما عنده آلة، ما عنده أصول يرجح بها. هذا لشك أنه يعني يتيه، وربما يضل، وربما يسأم ويمل، ولا ينتفع، ويقف نفسه مع ضعف الآلة على خلاف العلماء وتعدد مذاهبهم في المنقول والمعقول. والخلاصة: أن طالب العلم ينبغي أن يعرف مستواه، وأن يدرس من العلوم ما يناسبه، ويتدرج في طلب العلم، ولا يتقفز تقفز. هذا هو المراد من هذا المعقد، وبهذا ينجح الطالب في نيل العلم وإتقان العلم والاستفادة في العلم. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى.