الدرس في شرح العقيدة الواسطية 51، ألقاها
يشرح المقطع معية الله تعالى بأنواعها، حيث قسمها إلى معية عامة ومعية خاصة. المعية العامة تشمل جميع المخلوقات بمعنى العلم والإحاطة.
المعية العامة تعني علم الله وإحاطته بكل شيء، وتثبت شمول علم الله لجميع الأشياء كما في الآيات القرآنية. هذه المعية ليست مختصة بالنصر والتأييد.
معية الله الخاصة لأوليائه هي معية نصر وتأييد وعون، وتتضمن المعية العامة في العلم والإحاطة. الله يحب الأوصاف التي يذكرها معها مثل التقوى والإحسان.
الأوصاف التي يحبها الله تعالى تدخل في العبادات، وصفة المعية لله عز وجل تثبت لأشخاص وأوصاف معينة كما في الآيات الكريمة.
قال الشارح رحمه الله: قال شيخ الإسلام: قال تعالى: ﴿هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير﴾، وقوله: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم﴾، وقوله: «لا تحزن إن الله معنا»، وقوله: «إنني معكما أسمع وأرى»، وقوله: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾، وقوله: ﴿واصبروا إن الله مع الصابرين﴾، وقوله: ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين﴾. قال رحمه الله: قوله: ﴿هو الذي خلق السماوات﴾ إلى آخرها، تضمنت هذه الآية الكريمة إثبات صفة المعية له عز وجل، وهي على نوعين: معية عامة، ومعية خاصة. فالمعية العامة شاملة لجميع المخلوقات، فسبحانه مع كل شيء بعلمه وقدرته وقهره وإحاطته، لا يغيب عنه شيء ولا يعجزه. في هذه الآية يخبر عن نفسه سبحانه بأنه هو وحده الذي خلق السماوات والأرض، يعني أوجدهما على تقدير وترتيب سابق، في مدة ستة أيام، ثم على بعد ذلك استوى على عرشه لتدبير أمور خلقه. وهو مع كونه فوق عرشه، لا يغيب عنه شيء من العالمين العلوي والسفلي. وهو يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها. ولا شك أن من كان علمه وقدرته محيطتين بجميع الأشياء، فهو مع كل شيء. ولذلك قال: ﴿وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير﴾. بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، شرع الشيخ رحمه الله تعالى -أي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- بذكر أدلة المعية، ليدلل على ثبوت هذه الصفة لله جل وعلا، كما دلت عليها أدلة الكتاب والسنة، وأجمع عليها سلف هذه الأمة. والمعية كما ذكر رحمه الله تعالى على قسمين، أو على نوعين: معية عامة، وهي بمعنى العلم والإحاطة، ومعية خاصة، وهي بمعنى النصرة والتأييد لأوليائه. المعية العامة شاملة لجميع الخلق، لذا قال الله جل وعلا كما في الآيات المذكورات: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم﴾، وقال في الآية التي قبلها: ﴿وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير﴾. فهذه المعية معية عامة لكل الخلق، فالخلق كلهم تحت علم الله جل وعلا، فالله جل وعلا معهم معية علم وإحاطة واطلاع. كثير من الناس أشكل عليهم هذا المعنى، أي كيف يكون الله جل وعلا معنا وفي الوقت نفسه هو مستو على عرشه فوق جميع خلقه؟ والجواب أن هذا لا تناقض فيه ولا اضطراب لمن تأمل ذلك تأملا صحيحا، وتباعد وتجنب عن التكييف وعن التشبيه للخالق بالمخلوق. ذلك أن الله جل وعلا هو الذي أخبر بذلك، وجمع بين الاستواء وبين المعية في آية واحدة، كما قال الله جل وعلا: ﴿هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم﴾. فأخبر أنه مستو على العرش، وأنه معنا، في آية واحدة. والقرآن إذا كانت آية وآية أخرى يقال أنه لا اضطراب فيه ولا تناقض، بل يحتاج إلى تأمل. فكيف وهذا الحكم وهذا الأمر جاء في آية واحدة؟ الحاصل أن هذا يبين لنا أنه لا تناقض بين هذا وهذا. لكن ما المراد بالمعية؟ إذا علمت المعية، علم أنه لا اضطراب ولا تناقض بين هذه المعاني، بين كون الله عز وجل مستو على عرشه استواء يليق به، عال فوق جميع خلقه سبحانه وتعالى، وبين كونه معنا حقيقة. معنى المعية كما ذكر من ذكر من السلف، بل ونقل الإجماع على ذلك: أن المعية ها هنا معية علم واطلاع وإحاطة. قد يقول قائل: ما دليلكم على هذا؟ على أن المعية معية علم وإحاطة؟ هذا من التأويل. فالجواب أن هذا ليس بتأويل، بل هو ظاهر النص، لأن النص واللفظة تفسر بحسب تركيبها، وحسب ما جاءت واحتفت به من القرائن، وبحسب سياقها وسباقها وتركيبها في الكلام. الله جل وعلا ابتدأ وافتتح الآية بقوله: ﴿يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها﴾، ثم قال: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾، وختم الآية بقوله: ﴿والله بما تعملون بصير﴾. والبصر من لوازم العلم، أي من كان بصيرا بنا فهو عالم مطلع بنا. قال رحمه الله: قوله: ﴿ما يكون من نجوى﴾ إلى آخرها، يثبت سبحانه شمول علمه وإحاطته بجميع الأشياء، وأنه لا يخفى عليه نجوى المتناجين، وأنه شهيد على الأشياء كلها مطلع عليها. وأضاف نجوى إلى ثلاثة من إضافة الصفة إلى الموصوف، والتقدير: ما يكون من ثلاثة نجوى، أي متناجين. ثم قال رحمه الله: وأما الآيات الباقية فهي في إثبات المعية الخاصة، التي هي معية الله لرسله وأوليائه بالنصر والتأييد والمحبة والتوفيق والإلهام. فقوله تعالى: «لا تحزن إن الله معنا»، حكاية عما قاله عليه الصلاة والسلام لأبي بكر الصديق، وهما في الغار. فقد أحاط المشركون بالغار عندما خرجوا في طلبه عليه السلام. فلما رأى أبو بكر ذلك انزعج وقال: والله يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدمه لأبصرنا. فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم ما حكاه الله عز وجل هنا: «لا تحزن إن الله معنا». وفي قوله رحمه الله تعالى: «لا تحزن إن الله معنا»، قال: فيه إشارة إلى المسألة التي قد أشرنا إليها مرارا، وهي أن الله عز وجل إذا أخبر عن كلام شخص ما من مخلوقاته ونسب كلاما إليه، فيكون الكلام بالنسبة لذلك الذي نسب الله عز وجل إليه ذلك الكلام، باعتبار المعنى، وباعتبار الألفاظ والتركيب من الله عز وجل. فقد نقل من نقل من أهل العلم الإجماع على هذا المعنى. وقول الله جل وعلا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي بكر: «لا تحزن إن الله معنا»، استدل بها من استدل من أهل العلم على شجاعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه. بل قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه أشجع الصحابة مطلقا. لذا اختاره النبي صلى الله عليه وسلم في أضيق المواقف، وفي أخوف المواقف، مثل هذا الموقف في الهجرة. وتأملوا كيف كان أبو بكر رحمه الله تعالى، كيف كان حال أبي بكر؟ ما جاء أنه خاف أو جزع على نفسه، ولكن كان يحزن على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحصل له أذى. وقوله: «لا تحزن»، كما سمعتم، استدل بها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على ثبوت شجاعة أبي بكر، إذ أن الله عز وجل لم يخبر عن نبيه صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي بكر: «لا تخف»، فرق بين أن يقول له: «لا تخف إن الله معنا»، وبين أن يقول له: «لا تحزن إن الله معنا». فرق بينهما واضح. ففيه أن أبا بكر كان حزينا أن يدرك المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس بالخائف. وهذا يدل على تمام الشجاعة والثبات، والشجاعة إنما هي ثبات القلب، وعدم الجزع. وفيه كذلك في هذه الآية دلالة أيضا على شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضا ثقته بالله جل وعلا، إذ أنه يقول: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما»، أي أن الله عز وجل ناصر لهما ومؤيد لهما وحافظ لهما. وهذا من تمام التوكل على الله، وتعليق القلب بالله جل وعلا، والعلم بأن الله عز وجل كافيه، وأن الله عز وجل حسبه. ففي الآية من المعاني الكثيرة. وقوله: «لا تحزن إن الله معنا»، يدل على هذا. فالشاهد من الآية على ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى أن فيه إثبات صفة المعية الخاصة لأولياء الله جل وعلا. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحزن إن الله معنا»، أي معنا بنصره وتأييده وعونه وحفظه وكلاءته. وليس المراد بأن الله معنا معية عامة، فإن الخلق كلهم الله عز وجل معهم. فقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «لا تحزن إن الله معنا»، يدل على أن هذه المعية ليست من نوع المعية الأولى، ولكنها معية خاصة. والمعية الخاصة ولابد أنها تتضمن أو يلزم منها المعية العامة، أي معية العلم والإحاطة. فلا ينصرهم إلا بعلم منه سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: وأما قوله: «إنني معكما أسمع وأرى»، فقد تقدم الكلام عليه، وأنها خطاب لموسى وهارون عليهما السلام، أن لا يخافا بطش فرعون بهما، لأن الله عز وجل معهما بنصره وتأييده. وكذلك بقية الآيات يخبر الله فيها عن معيته للمتقين الذين يراقبون الله عز وجل في أمره ونهيه، ويحفظون حدوده، وللمحسنين الذين يلتزمون الإحسان في كل شيء. والإحسان يكون في كل شيء بحسبه، فهو في العبادة مثلا أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، كما جاء في حديث جبريل عليه السلام. وكذلك يخبر عن معيته للصابرين الذين يحبسون أنفسهم على ما تكره، ويتحملون المشاق والأذى في سبيل الله، وابتغاء وجهه، صبرا على طاعة الله، وصبرا عن معصيته، وصبرا على قضائه. قال رحمه الله: وذكر ما في بقية الآيات، شارحا لها بإيجاز، وذاكرا موطن الشاهد منها، وهي أن بقية الآيات جاء فيها الذكر للمعية الخاصة. والمعية كما ترون تارة يجعلها الله عز وجل هذه المعية الخاصة لأشخاص معينين، كما جاء في حق نبينا صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وكما جاء في حق موسى وهارون: «إنني معكما أسمع وأرى». وتارة يجعلها الله عز وجل لأصحاب أوصاف معينة، لأصحاب أوصاف وأحوال معينة. فالله عز وجل أخبر أنه مع الذين اتقوا، والذين هم محسنون، وأخبر أنه مع الصابرين، وكذلك ما شابه ذلك. ففيه أن الله عز وجل يحب هذه الأوصاف، ويحب من اتصف بهذه الأوصاف. وكما قال من قال من أهل العلم: كل وصف أحبه الله عز وجل، فقد دل عليه، لأجل أن يعمل به العامل. فيكون العامل إذا عمل به، فاعلا لما أحبه الله عز وجل. وإذا فعل ما أحبه الله عز وجل، فقد فعل عبادة من العبادات الجليلة، إذ أن ضابط العبادة هو كل ما أحبه الله عز وجل، كل قول أو عمل أو فعل أحبه الله عز وجل ورضيه. وكما مر معنا مرارا قول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في تعريفه للعبادة: أنه اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. فما دام أحبه الله عز وجل، وأحب هذا الوصف، فهو عبادة. وهذه قاعدة جليلة ينبغي لطالب العلم أن يستصحبها، لا سيما في مسائل التوحيد ومسائل الاعتقاد. فبعض المسائل قد تخفى، قد يقول قائل مثلا: ما الدليل على أن الصبر عبادة؟ فيقال له: الصبر قد أحبه الله، وكل ما أحبه الله فهو عبادة. أو من جهة أخرى، باعتبار التعريف الآخر: الصبر قد أمر الله به، وما أمر الله عز وجل به فهو عبادة، لأن العبادة تعرف بما أمر به الشرع من غير اضطرار عقلي. فلما أمر به الشرع كان عبادة. فالحاصل أن كل وصف أحبه الله عز وجل فهو من العبادات. وفي الآية كما ترون إثبات صفة المعية لله عز وجل، لأشخاص ولأوصاف. والله أعلم. وسبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليه.