الدرس في شرح لامية شيخ الإسلام 10، الدرس العاشر : ( وَالمُْؤْمِنُونَ يَـرَوْنَ حَقّـاً ربَّهُمْ ). ألقاها
يشرح المقطع عقيدة أهل السنة والجماعة في رؤية الله عز وجل مستدلين بالقرآن والسنة، ويبين اختلافهم مع المخالفين. يُوضح أيضًا استدلال الأشاعرة ببيت شعر نصراني في قضية كلام الله.
يتناول المقطع مسألة رؤية الله يوم القيامة مستدلاً بقول الإمام الشافعي وآيات قرآنية وأحاديث نبوية، ويناقش ادعاءات الجهمية والمعتزلة بأن رؤية الله مستحيلة.
استدل علماء أهل السنة بالآية الكريمة على إمكانية رؤية الله، حيث سأل موسى ربه أن يراه، وعلق الله رؤيته باستقرار الجبل.
أنهى الشيخ درسه بعد استعراض عدة أوجه وتعهد باستكمال ما تبقى في درس قادم، واختتم بالدعاء والاستغفار.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسولنا، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، تقدم معنا في الدرس السابق الكلام على قوله رحمه الله: «قبحًا لمن نبذ القرآن وراءه، وإذا استدل يقول: قال الأخطل». تقدم الكلام أن النبذ قد يكون كليًّا، وقد يكون جزئيًّا، وقد يكون مباشرًا، وقد يكون غير مباشر. وأيضًا تقدم الكلام على أن قوله رحمه الله: «وإذا استدل يقول: قال الأخطل»، على أنه عين هذا النابذ بالقرآن؛ لأن الأشاعرة هم الذين يستدلون في مسألة القرآن وأنه كلام نفسي، وأن القرآن عبارة أو حكاية عن كلام الله عز وجل، مستدلين ببيت الأخطل النصراني في قوله: «إن الكلام لفي الفؤاد، وإنما جُعل اللسان على الفؤاد ذي الدليل». فاستدلوا بهذا البيت على أن الكلام في النفس، وأن الكلام نفساني. وهذا -كما سمعتم- من عجيب أمرهم؛ إذ أنهم لم يرفعوا بكتاب الله عز وجل رأسًا، ولا بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلم يستدلوا بالوحيين: بالكتاب والسنة، وإنما استدلوا ببيت شاعر، ومن هو هذا الشاعر؟ شاعر نصراني. فانظروا كيف حال من لم يرضَ بكتاب الله عز وجل، ولا بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كيف يخذل ويوكل إلى نفسه. وهذا -كما سمعتم- من الخذلان، بل هو عين الخذلان؛ إذ أن المرء أمامه الحجة البينة الواضحة الساطعة في كلام الله عز وجل، وفي كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا ينظر إلى شيء من هذا، بل إذا استدل -أي طلب الدليل- طلبه من بيت من بيت لشاعر نصراني. قال رحمه الله تعالى: «والمؤمنون يرون حقًا ربهم، وإلى السماء بغير كيف ينزلوا». قوله رحمه الله: «والمؤمنون يرون حقًا ربهم»، هذا البيت أو هذا الشطر من البيت فيه تقرير لعقيدة من عقائد أهل السنة والجماعة أيضًا، وقع فيها النزاع بين أهل السنة والجماعة وبين مخالفهم من شتى الطوائف. فأهل السنة والجماعة يقولون بما قال الله عز وجل، وبما قال رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، من أن المؤمنين يرون ربهم عز وجل. الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، «وجوه يومئذ ناظرة» أي: فيها نظارة وجمال وبهاء، ثم قال: «إلى ربها ناظرة». وكما ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى وغيره: أن النظر إذا عُدي بإلى لم يفهم منه إلا النظر الذي هو بعيني الرأس حقيقة، فهذه الآية من هذا الباب. وأيضًا في قول الله عز وجل عن الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى -فيما ثبت عنه- ثبت عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال: «إن الله عز وجل حينما حجب نفسه عن أهل السخط -عن أهل السخط في حال السخط- دل هذا على أنه يرى، وأن أهل رضوانه يرونه سبحانه وتعالى». وهذا واضح؛ إذ لو لم يكن كذلك للزم الاتحاد في هذا الأمر -الاتحاد الحكم في هذا الأمر- بين الكافرين والمسلمين، والله عز وجل لا يجمع بين مفترق: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُجْرِمِينَ كَالْمُحْسِنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في الرؤية، بل قد نص غير واحد من علماء المسلمين أن أحاديث الرؤية متواترة. فمن ذلك حديث جرير بن عبد الله البجلي في الصحيحين، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكم ترون -أو سترون- ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته». هذا الحديث متفق عليه. وكذلك جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، ومن حديث أبي سعيد في حديث الشفاعة الطويل، فيه أيضًا أنهم يرون ربهم عز وجل في العرصة. وجاء كذلك في حديث أنس في الصحيحين، كذلك في حديث الشفاعة الطويل أيضًا أنهم يرون ربهم عز وجل، والأحاديث في هذا كثيرة. والأحاديث في هذا كثيرة، وهي أمور مسلمة عنده الإيمان. وقد أجمع السلف على هذا، أجمع السلف على هذا، على أن المؤمنين يرون ربهم عز وجل في موضعين: الموضع الأول في العرصة، في عرصات يوم القيامة، والموضع الثاني في الجنة، كما دلت عليه الأدلة من كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفي المقابل تجد الطوائف المختلفة لا تقر بهذه الرؤية؛ الجهمية والمعتزلة يقولون: إن الله عز وجل لا يرى، وأن رؤية الله عز وجل مستحيلة. لماذا؟ الآن في هذا الموطن استدل هؤلاء بأدلة، لكن -كما علمتم- من أراد أن يستدل بالقرآن على الباطل كان في القرآن حجة عليه لا له. وهذا أمر مقرر؛ لأن الحق لا ينصر الباطل، بل ينصر الحق، فكلام الله عز وجل وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم حق، فلا ينصر به إلا الحق. استدل هؤلاء بقول الله عز وجل عن موسى عليه السلام: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَرَانِي﴾، قالوا: فهذه آية من كتاب الله عز وجل قال: «لن تراني»، «ولكن انظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف تراني». فقالوا: في هذه الآية دليل على أن الله عز وجل لا يرى، والدليل على هذا قالوا: أن «لن» تفيد التأبيد، فدل -هكذا قالوا- على أن الله عز وجل لا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة. وكما سمعتم: الحق لا ينصر الباطل، بل ينصر الحق، لذا استدل جماعة من علماء أهل السنة والجماعة بهذه الآية على أن الله عز وجل يرى، على أن الله عز وجل يرى. كيف هذا؟ قالوا: إن موسى عليه السلام -وهو أعلم الناس بربه في زمنه، وأعلم بما يجوز مما لا يجوز- سأل ربه عز وجل أن يراه، فدل هذا على أن الرؤية ممكنة. وهؤلاء يقولون: إن الرؤية مستحيلة، فكان في الآية دليل على ماذا؟ على إمكانية الرؤية. كان في الآية دليل على أن الرؤية ممكنة؛ لذا سألها كلم الله موسى عليه السلام. هذا أمر، وأمر آخر: أن الله عز وجل قال لموسى عليه السلام: «لن تراني»، و«لن» لا تفيد التأبيد -كما قال أولئك بي الحق- أنها لا تفيده. لذا قال الإمام ابن مالك رحمه الله تعالى: «ومن في بيت معناه ومن يرى النفيا بلا مؤبدا فقوله اردد وسواه فاعضودا»، أي: من يقول أن «لن» تفيد التأبيد فقوله مردود، وسواه -أي سوى هذا القول- فاعضد به وتمسك به، فاعضده -أي فتمسك به- فدل هذا أيضًا على إمكان الرؤية. لذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى: لم يقل الله عز وجل: «إني لا أرى»، ولكن قال: «إنك لن تراني». قال: وفرق بين الأمرين لمن تأملهما؛ الأول يدل على إمكان الرؤية «لن تراني»، والثاني لو عبر به لا يدل على إمكان الرؤية. إذا قال الله عز وجل: «إني لا أرى» دل على ماذا؟ على أنه لا يرى أبدًا، لكن لما قال: «إنك لن تراني» دل على ماذا؟ على إمكان الرؤية. هذا أمر ثالث، وأمر رابع أيضًا: قالوا إن الله عز وجل علق الرؤية بأمر ممكن، وهو ماذا؟ استقرار الجبل. الله عز وجل قال لموسى: «لن تراني، ولكن انظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف تراني». فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا وخر موسى صعقًا. فالله عز وجل علق الرؤية بماذا؟ باستقرار الجبل: «فإن استقر مكانه فسوف تراني». وهل استقرار الجبل ممكن في حق الله عز وجل أو ليس بممكن؟ الجواب ماذا؟ هل ممكن أن يبقى الجبل على ما هو عليه إن أراد الله ذلك أم لا؟ الجواب: نعم. فإذا علق الله عز وجل الرؤية بماذا؟ بممكن، فدل على ماذا؟ على إمكانها. هذا أمر، والأمر الخامس -وبه نختم- أن الله عز وجل قال: «فلما تجلى ربه للجبل» تجلى ماذا؟ نستفيد منه: تجلى ربه للجبل أن الله عز وجل تجلى للجبل، تجلى للجبل فكان الجبل ماذا؟ من أمره أنه صار ماذا؟ صار دكًا. فإذا كان التجلي -بل حصل التجلي- من الله عز وجل للجبل، فلغيره من بني آدم في الآخرة من باب أولى. واضح. هذه الوجوه -هذه عدة أوجه كثيرة- في هذا الباب، نكتفي بهذا القدر في هذا اليوم، ونكمل ما تيسر في درس قادم إن شاء الله تعالى. إلى هنا، سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.