شرح لامية شيخ الإسلام 8

الدرس في شرح لامية شيخ الإسلام 8، الدرس الثامن : ( وَجَمِيعُ آيَاتِ الصِّفَاتِ أُمِرُّهَـا ) إلى ( وَأَصُونُها عـَنْ كُلِّ مَا يُتَخَيَّلُ ). ألقاها

مذهب أهل السنة في آيات الصفات

يشرح مذهب أهل السنة والجماعة في التعامل مع آيات الصفات بإمرارها على ظاهرها دون تأويل أو تعطيل. يؤكدون على الإقرار بمعانيها الجليلة دون التكلف في كيفياتها.

منهج التعامل مع نصوص الصفات

يصف منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع نصوص الصفات برد عهدة الأخبار إلى النقالة الثقات وإمرارها على ظاهرها كما نقلها النقلة من الصحابة والتابعين. يصونون النصوص عن التخيل والتكييف.

تحذير من مخالفة الكتاب والسنة

يتناول تحذيرًا من مخالفة الكتاب والسنة ويبين آثار ذلك على المذاهب والآراء. يشير إلى أن مذهب أهل السنة هو المنهج الصحيح المستند إلى الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة.

عاقبة من يشاقق الرسول

يشرح عاقبة من يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين، حيث سيوليه الله ما تولى. بينما من يتبع الرسول وسبيل المؤمنين فهو على خير وصلاح واستقامة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. وبعد، مضى معنا في الدرس الماضي الكلام على قوله رحمه الله: «وأقول في القرآن ما جاءت به آياته فهو الكريم المنزل، وأقول قال الله جل جلاله والمصطفى الهادي ولا أتأول». تقدم معا الكلام على هذين البيتين، وأيضًا قوله رحمه الله تعالى: «وجميع آيات الصفات أمرها حقًا كما نقل الطراز الأول، وأرد عهدتها إلى نقالها، وأصونها عن كل ما يتخيل». قوله رحمه الله تعالى: «وجميع آيات الصفات أمرها حقًا»، تقدم معنا في الدرس الماضي الإشارة إلى معنى هذا البيت، وأن الشيخ رحمه الله تعالى أراد أن يبين مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب، من أن مذهبهم ومعتقدهم في باب الأسماء والصفات الإقرار والإمرار. لذا قال: «وجميع آيات الصفات أمرها حقًا»، أي على ظاهرها حقًا على ظاهرها، لأن النصوص كما مر معنا لها معان، الكلام العربي مفيد وله معان ظاهرة، فكيف بكلام الله عز وجل؟ ففي كلامه أعظم المعاني وأجل المعاني، وهذه المعاني ظاهرة على مقتضى اللغة، لذا قال: «حقًا»، فهو يمرها حقًا دون أن يتكلم فيها، ودون أن يتعرض إليها بشيء من التعطيل، سواء كان بالرد المباشر أم بالرد الغير مباشر، وهو ما يسميه بعضهم بالتأويل. هذا كله رد لكلام الله عز وجل، وعدم إمرار لما جاء به الله عز وجل، وما جاء به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل تكلف هذا المتكلف فعطل المعاني المرادة والمقصودة من كلام الله عز وجل، ومن كلام رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. بخلاف أهل السنة والجماعة، فإنهم يقرون بما جاء به الله عز وجل، وما جاء به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويعتقدون أن ما جاء به الله وما جاء به رسوله له معان، له معان جليلة وعظيمة يجب الإقرار بها، وفي المقابل يجب إمرار هذه النصوص على ظاهرها، وعدم التكلف في البحث عن بواطن هذه الصفات، وحقائق هذه الصفات، وكيفيات هذه الصفات، وما هي هذه الصفات؟ هذا من العلم الممنوع، ومن العلم المذموم. وكما تقدم معنا في الدرس الماضي أن الإمام مالكا رحمه الله تعالى، إمام دار الهجرة، استنكر قول القائل: «الرحمن على العرش استوى كيف استوى؟» ثم أجابه بتلك الإجابة الجليلة، فقال: «الاستواء معلوم»، أي معلوم معناه في لغة العرب، «والكيف مجهول» لأنه مما استأثر به الله عز وجل به في علم الغيب، فلم يطلعنا عليه، «والسؤال عنه بدعة»، والسؤال عنه بدعة. لذا قال: «حقا كما نقل الطراز الأول»، والمراد بهم الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم، نقلت هذه الشريعة، الصحابة لم يتكلفوا، بل أقروا وأمروا. وهذا هو المعتقد أن أهل السنة والجماعة مأخوذ من كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، على ما كان عليه هؤلاء الأجلة من الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم، ومن تبعهم بإحسان. قال رحمه الله تعالى: «وأرد عهدتها إلى نقالها، وأصونها عن كل ما يتخيل». قوله رحمه الله: «وأرد عهدتها» أي عهدة ما جاءت به الأخبار في أسماء الله عز وجل، وفي صفاته، ما جاءت به الأخبار والنصوص في ذكر أسماء الله عز وجل، وفي ذكر صفاته، يرد عهدتها إلى نقالها، ونقالها هم حملة هذه الشريعة من الصحابة والتابعين، وتابعيهم بإحسان، وهكذا الأئمة المرضيون الثقات الأثبات الأجلة الذين حفظ الله عز وجل بهم هذا الدين. فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «أرد عهدة هذه الأخبار التي جاءت فيها ذكر الأسماء والصفات أرد العهدة إلى النقال». وإذا نظرنا إلى النقال وجدناهم في غاية التحري، حفظًا وإتقانًا، وإيمانًا. وهذا أيضًا فيه إشارة إلى مذهب أهل السنة والجماعة، من أن مذهبهم مأخوذ من الكتاب، ومن السنة، ومما كان عليه سلف هذه الأمة وأئمتها. وقوله رحمه الله تعالى: «وأصونها عن كل ما يتخيل»، أصونها أي أحميها عن كل ما يتخيل، أي كل ما قد يتخيله الإنسان بعقله الضعيف، فيتخيل له بعض الخواطر، فيكيف صفات الله عز وجل بكيفيات من عند نفسه، ثم يبني على هذا التخيل، وعلى هذا التصور القاصر. وإذا كان التخيل قاصرًا، وكذا التصور قاصرًا، فلابد أن تكون النتيجة كذلك قاصرًا، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فإذا كان هذا التصور قاصرًا فالحكم لا بد أن يكون كذلك. وهذا نراه حقيقةً في كل من خالف طريق الكتاب والسنة، وسلف هذه الأمة، بنى معتقدة على تخيل فاسد، وتصور فاسد، فكان الحكم كذلك فاسدًا. فشيخ الإسلام رحمه الله تعالى يذكر ها هنا أن معتقد أهل السنة والجماعة في هذا الباب، أنهم يمرون آيات الصفات على ظاهرها، وعلى ما نقله النقلة، والنقلة نقلوا هذه النصوص إلى من بعدهم، الصحابة أخذوا هذه النصوص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه النصوص كانت من رسولنا صلى الله عليه وسلم بلغة عربية في غاية الفصاحة، وفي غاية البيان. وأخذهم أخذ هذه النصوص عن رسولنا صلى الله عليه وسلم، الصحابة وهم كانوا كذلك أهل فصاحة وأهل لغة، ثم نقلوها إلى من بعدهم، وكذلك كانوا، ثم إلى من بعدهم، وهكذا تتابع النقل، والناقل الكبير إلى من بعده، إلى أن وصل إلينا هكذا هذا الدين. ولو لم يكن هذا النقل دينا، وأن الظاهر مراد، لما سكت عليه إمام هذه الأمة، ورسول هذه الأمة، والمبين عن ربه عز وجل لهذه الأمة. ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، فالله عز وجل بعث محمدا صلى الله عليه وسلم لإبلاغ وللبيان، بل لا يكون إبلاغ إلا ببيان، لا يكون إبلاغ إلا ببيان. فنبينا صلى الله عليه وسلم نقل أو خاطب الصحابة بهذه الأخبار، ولم يتعرض لها، لم يقل لهم قط: «إن هذا الظاهر غير مراد»، ولا فهم أحد من صحابته رضي الله عنهم أرضاهم أن هذا الظاهر غير مراد، بل كلهم أخذوه بالتسليم والإقرار، علموا المعاني، فنقلوها كما علموها، أقروا وأمروا، أقروا المعاني الظاهرة وأمروها كما جاءت، أي هذه المعاني الظاهرة. فلم يتعرضوا لها بشيء من التأويل أو التحريف أو التعطيل أو التشبيه، أو ما شابه ذلك من الصوارف، لأنهم فهموه كذلك من رسولنا صلى الله عليه وسلم، ونقلوه كذلك إلى من وراءهم، وهكذا حتى وصل الدين إلى من شاء الله عز وجل كذلك. وكان الناس على هذا الأمر حتى نبغت الجهمية، ونبغى الجعد بن درهم، فقال في الإسلام مقالته المشؤومة بالتعطيل، ثم أخذها عنه الجهم ونشرها، ثم بعد ذلك المعتزلة أفشوها، لا سيما في زمن بعض خلفاء بني العباس. ثم أظهر الله السنة، ثم جاء بعد ذلك ابن كلاب وأظهر مقالته، وأخذها عنه الأشعري وأظهر مقالته، وفشت هذه المقالة للأسف في أوساط كثير من الناس، حتى ظنها بعض الصالحين أنها المذهب الحق، وأنه مذهب أهل السنة والجماعة، وهذا ليس بصحيح، وليس مذهبهم بصحيح. لذا تخلى عنهم أبو الحسن الأشعري ورجع إلى ما كان عليه الإمام أحمد، إمام أهل السنة والجماعة. وهذا يدلنا على أن مقالته مستعارة من آراء الرجال، ليست مأخوذة من منبع صافي، من منبع الكتاب والسنة، ولا من فهم صافي من فهم سلف هذه الأمة، بل كان مذهبهم ناتج عن آراء الرجال، لذا اضطرب وشك، وكل يوم هم في شأن، حتى هدى الله أبو الحسن الأشعري فرجع في آخر أمره إلى مذهب أهل السنة والجماعة، واستقر على ذلك حتى مات. وهذا يدلنا على أن كل من خالف الكتاب والسنة، ولم يأخذ بهما، ولم يأخذ كذلك بقول سلف هذه الأمة عقيدة ومنهاجا وسلوكا، لم يكن على رأي واحد، ولا على قول واحد، بل لم يستقم على ساق، لذا يكون في اليوم على رأي، وفي اليوم الآخر على رأي آخر. بخلاف مذهب أهل السنة والجماعة، فإنهم ما يزدادون بمذهبهم إلا تمسكا، وإلا تبصرا، وإلا يقينا، وما ذاك إلا لأنهم أخذوا من كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى ما كان عليه سلفهم رضي الله عنهم وأرضاهم. ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾، من خالف ما كان عليه سلف هذه الأمة، فإنما هو في شقاق، لا يكون مستقيمًا، ولا يكون حاله مرضيًا عند نفسه، فضلا عن غيره. وما ذاك إلا مصداق لقول الله عز وجل: ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾، والله عز وجل يقول: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. ومن هم المؤمنون الذين يدخلون في هذه الآية دخولا أوليا؟ صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لذا من اتبعهم كان على خير. ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾، بخلاف من لم يشاقق، بل اتبع وآمن، وأخذ بما جاء به الله عز وجل، وبما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم، واتبع سبيل المؤمنين، فهذا على خير، وعلى صلاح، وعلى استقامة. ونكتفي بهذا القدر، والله أعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على