الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 64، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستهل الدرس بذكر تفاصيل ليلة الإسراء بدءاً من شرح صدر النبي صلى الله عليه وسلم وغسله بماء زمزم، ثم ركوب البراق والتوجه إلى بيت المقدس حيث صلى بالأنبياء، مع الإشارة إلى روايات أسانيد الحديث وتفضيل اللبن على الخمر.
يسرد المقطع رحلة العروج عبر السماوات السبع ولقاء الأنبياء آدم ويوسف وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، وصولاً إلى البيت المعمور وسدرة المنتهى، ورؤية مالك خازن النار والدجال، مع وصف هيئات بعض الأنبياء.
يختص هذا المحور بتشاور النبي صلى الله عليه وسلم مع موسى عليه السلام لتخفيف فرض الصلاة من خمسين إلى خمس صلوات بأجر خمسين، ثم يختم الدرس بذكر تفسير قتادة للقاء النبي بموسى وإشارة المترجم إلى ختام العمل.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد. قال الحافظ الذهبي رحمه الله: وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان إذ سمعت قائلا يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين». قال: فأوتيت، فانطلق بي، ثم أتيت بطست من ذهب فيه من ماء زمزم، فشرح صدري، أي: شق صدري إلى كذا وكذا، أنا من ترقوتي إلى مراق البطن إلى أسفلها. قال قتادة: قلت لصاحبي: ما يعني؟ قال: إلى أسفل بطني. فاستخرج قلبي، فغسل بماء زمزم، ثم أعيد مكانه وحشي، وقيل: زُوِّد إيمانا وحكمة، أنا: جعل فيه إيمانا وحكمة. ثم صُبّ في قلب النبي عليه الصلاة والسلام. قال: شكّ سَعِي. ثم أتيت بدابة أبيض يقال له البراق، دون الحمار ودون البغل، أنا: أكبر من الحمار وأصغر من البغل، قال: يقع خطوه عند أقصى طرفه. فحملني عليه، ومعي يا صاحبي لا يفارقني. فانطلقنا حتى أتينا السماء الدنيا. صاحبي: أي جبريل، معه لم يفارقه. قالوا: ساق الحديث كحديث همام إلى قوله: البيت المعمور. فزاد: يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، حتى إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخر ما عليهم. أن هذا البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك. فقال بعض العلم: أنه مثل الطواف على البيت. قال: قلت: هذه زيادة رواها همام في حديثه، وهو أتقن من ابن أبي عروبة، لعله في هذا الحديث، وإلا فابن أبي عروبة أتقن منه في رواية عن قتادة. قال: فقال قتادة: فحدثنا الحسن عن أبي هريرة أنه رأى البيت يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه. ثم رجع إلى حديث أنس. وفي حديث ابن أبي عروبة زيادة في سدرة المنتهى: إن ورقها مثل آذان الفيلة. ولفظ: ثم أتيت على موسى، فقال: بما أمرت؟ قلت: بخمسين صلاة. قال: إني قد بلوت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، وإن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. فرجعت، فحط عني خمس صلوات، فما زلت أختلف بين ربي وبين موسى، كلما أوتيت عليه قال لي مثل ما قالته، حتى رجعت بخمس صلوات كل يوم. فلما أوتيت على موسى قال كما قالت، قلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحيت، ولكن أرضى وأسلم. فنوديت: أن قد أمضيت فريضتي، أو: أن قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي، وجعلت بكل حسنة عشر أمثالها. أخرجه مسلم. أنا: جعل الصلوات خمس صلوات، لكن أجرها بخمسين صلاة؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها. قالوا: قد رواه ثابت البناني وشريك بن أبي نمر عن أنس، فلم يسنده لهما، لا عن أبي ذر ولا عن مالك بن صعصعة. أنا: ما قال عن مالك، ولا قال عن أبي ذر كما تقدم، بل أسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال: أولا: باس مثل ذلك، فإنه مرسل الصحابي حجة، وهذا عند أكثر أهل العلم، وبعضهم يذكر إجماعا أن مرسل الصحابي الذي سمع من النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر حجة. قال: حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أتيت بالبراق وهو دابة أبيض فركبته حتى أتينا بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء». وهذا يدل على أن ربط النبي صلى الله عليه وسلم كان ثابتا، وأنكره ابن عمر كما تقدم، لكن الصحيح أنه ثابت. أو: ابن مسعود، أقصد: أنكره ابن مسعود، لكن الصحيح أنه ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ربط هذه الدابة في المكان الذي يربط به الأنبياء. قال: ثم دخلت فصليت، فأتاني بإناء خمر ولبن، فاخترت اللبن، فقال: «أصبت الفطرة». الذي أتاه به هو جبريل عليه السلام. قال: ثم عُرِجَ به إلى السماء الدنيا، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: أنا جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل. ففتح لنا، فإذا بآدم، فذكر الحديث، أي: مثل ما ذكر في حديث مالك بن صعصعة. وفي حديث بيّدر: قالوا: فيه فإذا بيوسف، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن. فرحب بي ودعا لي بخير. شطر الحسن: أي نصفه، كأنه أعطي نصف هذه، أو نصف جمال الناس. قال: لما فتح له السماء السابعة، فإذا بإبراهيم، وإذا هو مستند إلى البيت المعمور، فرحب بي ودعا لي بخير. فإذا هو يدخل كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه. أنا: في بعض الروايات أنه رأى إبراهيم في السماء السادسة، وفي بعضها وهي أكثرها أنه رآه في السابعة. قال: ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا ورقها كآذان الفيلة. ورق سدرة المنتهى: سدرة المنتهى هي شجرة الدوم، السدرة الكبيرة، إذا ورقها كآذان الفيلة، أنا: كبير ورقها. وإذا ثمرها كالقلال. تقدم أن نبقها: النبق هو الدوم، نبقها كالقلال هجر. قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، على أن الله عز وجل تجلى عليها. قال: فدنا فتدلى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، وفرض علي في كل يوم خمسين صلاة. فنزلت حتى انتهيت إلى موسى، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة في كل يوم وليلة. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وجربتهم وخبرتهم. قال: فرجعت، فقلت: يا ربي خفف عن أمتي، فحط عني خمسة. فرجعت حتى انتهيت إلى موسى، فقال: ما فعلت؟ قلت: قد حط عني خمسة، أي: خمس صلوات. فقال: إن أمتك لا تطيق، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، إلى أن قال: حتى قال: هي خمس صلوات في كل يوم وليلة، في كل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة. أخرجه مسلم دون قوله: فدنا فتدلى، وذلك ثابت في رواية حجاج بن منهال، وهو ثبت في حماد بن سلمة. قال: وقال سليمان بن بلال عن شريك بن أبي نمر: قال سمعت أنسا يقول، وذكر حديث الإسراء، وفيه: ثم عُرِجَ به إلى السماء السابعة، ثم أُلْقِيَ به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء إلى سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى. أخرجه البخاري عن عبد العزيز بن عبد الله عن سليمان بن بلال. وقال شيبان عن قتادة عن أبي العالية: حدثنا ابن عباس. أبو العالية هو رفيع بن مهران الرياحي، وهو مخضرم. قال: قال نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «رأيت ليلة أسري بي موسى عليه السلام رجلا طوالا جعدا، كأنه من رجال شنوءة». ورجلا: معنى رجلا بكسر الجيم: رجلا، أي شعره طوالا. معنى فيه طول. موسى كان طويلا وجعدا. قيل: أنه جسمه، وقيل: شعره. شعره لكن في البداية قال: رجلا، معنى أن شعره أقرب إلى المسدول، الشعر المسدول، وأيضا هو طويل وجعدا. قيل: أنه جعد الجسم، عندما يكون الجسم ليس رطبا يكون فيه كما نقول حفة. قال: كأنه من رجال شنوءة. ورجال شنوءة من الأزد من اليمن، قبيلة من قبائل اليمن من قبائل الأزد يقال لها شنوءة. قيل: شنوءة، قيل: أنه لأن جدهم كان بينه بين أهله شنآن، أي: بينه عداوة وبغض. وقيل: شنوءة لهيئتهم وجمالهم، قيل: لهيئتهم وجمالهم، كما قال ذلك العيني وغيره. فشبهه النبي عليه الصلاة والسلام بأهل الأزد، وأهل الأزد طوال وفيهم جمال. قال: «ورأيت عيسى مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، ثبت الرأس». ومربوع الخلق: معنى ليس طويلة بائنا ولا بالقصير البائن، معنى في الوسط. إلى الحمرة والبياض: معنى فيه حمرة وفيه بياض. وفي حديث آخر وصف موسى بأنه آدم، آدم: أي يميل للسواد، وعيسى يميل البياض مع الحمرة. وهذا أيضا فيه وصف النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، أي: أنه كان أيضا أحمر، معنى: بياض مع حمرة. قال: «وأري مالكا خازن النار، والدجال في آيات أراهن الله إياه، قال: فلا تكن في مرية من لقائه». فكان قتادة يفسرها: إن نبي الله قد لقي موسى. أخرجه مسلم. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، ونكون في درس الله. ترجمة نانسي قنقر.