الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 63، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
ابتدأت رحلة الإسراء بمجيء ملك إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الحطيم، حيث شُق صدره وغُسل قلبه بماء زمزم ممزوجاً بالإيمان والحكمة. ثم أُتي بالبراق فركبه وانطلق مع جبريل عليه السلام نحو السماء الدنيا.
صعد النبي صلى الله عليه وسلم مع جبريل عبر السماوات السبع مستفتحاً كل سماء، فلقي فيها آدم ويحيى وعيسى ويوسف وإدريس وهارون وموسى عليهم السلام. رحب كل نبي به ودعا له بالخير، مع وجود اختلاف في ترتيب بعض اللقاءات وفق الروايات.
بلغ النبي صلى الله عليه وسلم السماء السابعة فلقي إبراهيم عليه السلام عند سدرة المنتهى، ورأى أنهارها الأربعة والبيت المعمور، وخُير بين الخمر واللبن والعسل فاختار اللبن. فُرضت عليه خمسون صلاة، فلم يزل يراجع موسى عليه السلام حتى خففها الله إلى خمس صلوات بأجر خمسين.
يختتم الدرس بتوجيه الشكر والامتنان لله سبحانه وتعالى على ما منّ به من نعمة الإسراء والمعراج وتخفيف الصلاة. يعبر المتحدث عن تقديره العميق للنعم الإلهية العظيمة التي شملت هذه الرحلة المباركة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: قال الحافظ: ذهب رحمه الله، وقال همام - وهمام هو ابن يحيى بن جنار العودي البصري -: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك، أن مالك بن صعصعة حدثه. ومالك بن صعصعة هو من الأنصار، من بني مازن، من بني النجار، من نفس القبيلة التي منها أنس بن مالك. قال: أن مالك بن صعصعة حدثه، وأن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به، فقال: «بينا أنا في الحطيم» - وربما قال قتادة: في الحجر. والحطيم هو ما بين الكعبة إلى المقام - «مضطجعا إذا أتاني آت في الحجر». والحجر معروف، حجر الكعبة، الآن يسمونه حجر إسماعيل، وهذه التسمية ليست صحيحة؛ لأن الحجر ليس إسماعيل، وإنما الحجر هذا هو المكان الذي لم تبنه قريش لما انتهت عليهم النفقة، تركوا ذلك الجزء. «مضطجعا إذا أتاني آت» - جاءه ملك، فجعل يقول لصاحبه: الأوسط بين الثلاثة. جاء ثلاثة، قال: «فأتاني» - وقد سمعت قتادة يقول: أي همام يقول: قد سمعت قتادة يقول: «فشق ما بين هذه إلى هذه». قال قتادة: قلت للجارود - وهو إلى جنبي -: ما يعني؟ أن الجارود هذا الرجل كان جالسًا في حلقة أنس، فاستفسره قتادة. قال: ما يعني من هذه إلى هذه؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته. من ثغرة نحره إلى شعرته، معنى ذلك أنه فتح جوفه كله إلى أن وصل إلى عانته. شعرته: معنى عانته. «فاستخرج قلبي» - استخرج القلب، ثم أتيت بطست من ذهب مملوء إيمانا. هذه عملية: شق بطنه من النحر، من الصدر إلى آخر البطن، ثم استخرج قلب النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «ثم أتيت بطست من ذهب مملوء إيمانا، وغسل قلبي». وقد أنكر بعض العلماء هذا الغسل أو هذا الشق، وقالوا: إنما فعل به وهو صغير. لكن هذا خطأ؛ لأن هذا لا يضاد ولا يعارض ما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير، وذاك أيضًا فيه أشياء أخرى: أنه أخرج العلقة من قلبه، أن شيء سواد أخرجه من قلبه. وأما هذه فلم يخرج شيئًا، وإنما جاء بطست من زمزم، ووضعه، وملأه حكمة وإيمانا. وهذا تهيئة للنبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه سيصعد أماكن عظيمة لم يكن يصعدها أحد. «فغسل قلبي، ثم حشي، ثم أعيد» - وعيد معناه: مثل ما كان. قال: «ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار، أبيض». قال له الجارود: هو البراق؟ قال: نعم. هذا وصف البراق: دابة دون البغل وفوق الحمار في الوسط. قال: «نعم، يضع خطوه عند أقصى طرفه». فحملت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا، فاستفتح. قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: فمن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به، ونعم المجيء جاء. ففتح. فلما خلصت، إذا آدم فيها. آدم في هذه السماء، فقال: هذا أبوك آدم، فسلم عليه. قال: فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح. ثم صعد حتى أتى السماء الثانية، فاستفتح. قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به، ونعم المجيء جاء. أي: نعم المجيء جاء، أي هذا مجيئه فإنه سيكرم وسيعطى أشياء عظيمة. ففتح. فلما خلصت، إذا يحيى وعيسى، وهما أبناء العمة. لما خلصت، معنى لما دخلت هذه السماء وهي السماء الثانية، رأى يحيى وعيسى أبناء العمة. قال: هذا يحيى وعيسى، فسلم عليهما. فسلمت عليهما، فردا السلام، ثم قالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي حتى أتى السماء الثالثة، فاستفتح. فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به، ونعم المجيء جاء. قال: فانفتح. فلما خلصت، إذا يوسف. وهذا في السماء الثالثة. وتقدم معنى حديث ابن عباس، وأيضا حديث الزهري عن أنس، ولم يذكر أنس ترتيب هذه الحوادث مثل ما ذكر هنا عن مالك بن صعصعة. معنى: من الذي رآهم في السماء؟ في حديث أنس ما ذكر إلا آدم في السماء الأولى، وإبراهيم في السماء السادسة. وهنا سيذكر أنه في السماء السابعة: إبراهيم. قال: «فلما خلصت، إذا يوسف». قال: هذا يوسف، فسلم عليه. فسلمت عليه، فرد، وقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: من معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قال: مرحبا به، ونعم المجيء جاء. قال: ففتح. فلما خلصت، إذا إدريس. قال: هذا إدريس، فسلم عليه. فسلمت، فرد، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد - معنى: جعله الله عز وجل في السماء الرابعة، ولهذا بعضهم فسر قوله جل وعلا: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: 57]، أي أنه جعله في السماء الرابعة. قال: ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة، فاستفتح. فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به، ونعم المجيء جاء. قال: ففتح. فلما خلصت، إذا هارون. قال: هذا هارون، فسلم عليه. فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. قال: ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة، فاستفتح. فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به، ونعم المجيء جاء. قال: ففتح. فلما خلصت، إذا موسى. قال: هذا موسى، فسلم عليه. أنا في السماء السادسة. قال: فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. قال: فلما جاوزت بكى. أي: موسى عليه السلام بكى. فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلامًا بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي. وليس هذا من باب الحسد، وإنما هذا من باب التنافس. ثم صعد بي حتى أتى السماء السابعة، فاستفتح. قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قال: مرحبا به، ونعم المجيء جاء. ففتح. فلما خلصت، إذا إبراهيم عليه السلام. قال: هذا إبراهيم، فسلم عليه. فسلمت عليه، فرد، وقال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح. ثم رفعت لي سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر. نبق هذه السدرة - سدرة المنتهى - والمراد بالسدرة الشجرة، شجرة الدوم. قال: نبقها، نبقها هو الدوم، هذا الذي هو ثمرة السدر. قال: مثل قلال هجر. وقلال هجر هي قلال كبيرة، كانت عند العرب، وهجر هذه منطقة قريب مكة، كانوا يؤتى بالقلال. القلال: هذا الفخار التي تصنع من الفخار أو من الطين. «وإذا ورقها مثل آذان الفيلة». ورقا كبير، السدرة يكون ورقها صغير، لكن هذه ورقها كبير. فقال: هذه سدرة المنتهى. وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران. فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات. أي: أصلهما في الجنة. ثم رفع لي البيت المعمور. ثم أتيت بإناء من خمر، وإناء من لبن، وإناء من عسل. فأخذت اللبن، فقال: «هذه الفطرة أنت عليها وأمتك». ثم فرضت علي الصلاة خمسون صلاة في كل يوم. فرجعت، أو قال: فمررت على موسى. قال: بما أمرت؟ قال: بخمسين صلاة في كل يوم. قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، إن خمسين صلاة في اليوم والليلة. قال: فإني قد خبرت الناس قبلك، عن أني مجرب، جربت الناس، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة. فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. أنا الآن خمس والناس تقاعسون عنه، فكيف لو كانت خمسين؟ قال: قلت: ما زلت أسأل ربي حتى استحييت، ولكن أرضى وأسلم. فلما نفرت ناداني مناد: قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي. أخرجه البخاري عن هجبة عنه، أي عن همام. «خففت عن عبادي»: أي أنها خمس، لكن الأجر خمسون، والأجر واحد. معدان بن إنشام حدثني أبي عن قتادة، قال: حدثنا أنس عن مالك بن صعصعة، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - فذكر نحوه، وزاد فيه: «فأبيت، فأقيت بطست من ذهب مملوء حكمة وإيمانا، فشق من النحر إلى مراق البطن». مراق البطن: أي أسفله، الذي رق جلده. على نفس الكلام. قال: «فغسل بماء زمزم، ثم ملئ حكمة وإيمانا». أخرجه مسلم بطوله. طيب، إن شاء الله نحتفي بهذا، ونقوم بالدراسة. الله شكرا.