الدرس في القواعد والأصول الجامعة 48، الدرس الثامن والأربعون : من : ( والأصل الآخر الشروط التي يشترطها ... ولا يفيد الحل لمطلقها الأول ثلاثاً ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تنص القاعدة الثانية على أن الشروط بين المتعاقدين جائزة طالما لا تخالف الشرع، وتنقسم الشروط إلى شرعية ولفظية وعرفية. يتناول المقطع أحكام الشروط في العقود، مشيرًا إلى الشروط الجائزة والباطلة.
يتناول المقطع أحكام الشروط في العقود والوقف والنكاح، حيث يجوز الشروط التي لا تخالف الشرع، ويجب الوفاء بها. يذكر أمثلة على الشروط الجائزة في الأوقاف والنكاح.
النِّكَاح الذي يُقصد به التحليل محرم وباطل، ولا يُحلل ما حُرِّم. كما أن الشروط الباطلة التي تنافي حقيقة العقد أو تخالف الشرع لا يجوز الوفاء بها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. وعلى آله وصحبه وسلم، مرة معنا في الدرس الماضي تتمة قاعدتين ذكرهما المؤلف رحمه الله، وكنا قد انتهينا من القاعدة الأولى: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا حَرُمَ فيه حلال أو حَلَّلَ فيه حرامًا». قال رحمه الله تعالى: «والأصل الآخر: المسلمون على شروطهم إلا شرطًا حَرُمَ فيه حلال أو حَلَّلَ فيه حرامًا». قال: «والأصل الآخر: الشروط التي يشترطها المتعاقدان أو أحدهما على الآخر، فهي جائزة لما فيها من مصلحة المشترط وخلوها من المحذور الشرعي»، كان يبيع شيئًا ويشترط الانتفاع به مدة معلومة، أو يشترط تأجيل الثمن أو بعضه، أو صفة مقصودة في المبيع، أو وثيقة كرهن وضمان ونحو ذلك من الشروط التي لا محذور فيها، وفيها مصلحة للمشترط. هذا الأصل الثاني من القاعدة الثانية، الأصل الثاني -أي القاعدة الثانية- «المسلمون على شروطهم إلا شرطًا حَرُمَ فيه حلال أو حَلَّلَ فيه حرامًا». فقال: «الشروط التي يشترطها المتعاقدان»، ونبه بهذا إلى أن الشروط تنقسم إلى قسمين: شروط يشترطها أهل العقد، وشروط لا يشترطها أهل العقد. فالشروط التي يشترطها أهل العقد هي الشروط التي يضعها إما البائع وإما المشتري، هذه تسمى شروط المتعاقدين، وهي تنقسم إلى شروط صحيحة، وهي التي لا تخالف الشرع وليس فيها منافاة للعقد، وشروط غير صحيحة، وهي ما خالفت الشرع أو كان فيها ما ينافي العقد. وأما ما سوى شروط المتعاقدين فهي: الشروط العرفية والشروط الشرعية. الشروط الشرعية هي الشروط التي ذكرت في الشرع، مثل شروط النكاح، وشروط البيع. فالشرع وضع شروطًا في عدد من المعاملات، كما وضع شروطًا لعدد من العبادات، فلا تصح تلك العبادة إلا بشروطها وأركانها، كما لا تصح المعاملة إلا بشروطها وأركانها. فمثلًا من شروط النكاح: الرضا، والولي، والإعلان، وتعيين الزوجين. وبه نعرف أنه لا يجوز إسقاط الشروط الشرعية؛ لأنها من الله. وأما الشروط بين المتعاقدين، لو أسقطها أحد المتعاقدين سقطت، مثل أن يقول رجل مثلًا: أؤجر لك بيتي هذا بشرط أن يكون العقد ستة أشهر فقط، اتفق على ذلك، فإذا أسقط هذا الشرط صاحبُ البيت وقال: نمدده إلى سنة، جاز. لكن لا يجوز أن يتزوج الرجل من دون ولي؛ لأن الولي شرط شرعي، فهذا لا يجوز أن يسقط؛ لأنه شرط شرعي، ليس من الشروط اللفظية بين المتعاقدين. وقد مر معنا في كتاب النكاح، وفي كتاب البيوع، بعض ما ذكره العلماء من الفروق بين الشرط في الشيء، والشرط للشيء. فشروط النكاح هي الشروط الشرعية، والشروط في النكاح هي الشروط التي يضعها العاقدان في النكاح، إما الزوج وإما ولي المرأة والمرأة. وذكر هناك بعض الفروق بينها. فمن تلك الفروق التي أخذناها: أن الشرط في الشيء يمكن أن يسقط؛ لأنه ليس من الله، ولكنه من المتعاقدين، بخلاف شرط الشيء، هو من الشرع، لا يمكن أن يسقط. مثل ما مر معنا: اشتراط الولي شرط شرعي، لا يمكن أن يسقط، بخلاف لو أن المرأة اشترطت أن يكون لها مؤخر من المهر، فوافق الزوج، فإنها لو أرادت أن تسقط هذا الشرط جاز لها ذلك. وهكذا أيضًا من الفروق: أن الشرط في الشيء ليس من الشرع، وإنما من المتعاقدين، والشرط -شرط الشيء- هو من الشرع. وكذلك أخيرًا: الشرط الشرعي لا يصح ذلكم الشيء -عبادة أو معاملة- إلا به، بخلاف الشرط اللفظي بين المتعاقدين، قد يصح، فيخير إذا حصل الخلاف فيه بين الفسخ أو التسامح والرضاء، بخلاف الشرط الشرعي، لا يمكن أن يحصل الرضاء بإسقاطه. والنوع الثالث، والذي هو بالنسبة لما خرج من قوله: «الشروط التي اشترطها المتعاقدان»، يصير النوع الثاني، قلنا: الشرط الشرعي، وخرج كذلك الشرط العرفي. والشرط العرفي هو ما كان في عرف الناس، ولو لم يتكلم به أحد المتعاقدين. مثاله: رجل استأجر سيارة، ولم يشترط عليه شيء، فلما استأجر السيارة إذا به يذهب إلى -مثلًا- بعض أصدقائه، وهم كثير، فأراد أن يركبهم في السيارة، ويظن أنه ما دام استأجر، إذن يستطيع أن يركب من شاء. فرفض صاحب السيارة، فإذا اختلف ولم يذكرا شرطًا، يرجع إلى العرف: هل العرف يقضي بالسماح بمثل ذلك أم لا يقضي؟ فإن كان العرف لا يسمح، فهو من الشروط التي يجب الالتزام بها؛ لأنه شيء يرجع به إلى العرف. وهكذا لكل بلد، ولكل زمان، عرفه الخاص، فيكون له كذلك شرطه الخاص به. قال رحمه الله: الآن الأمثلة. قال رحمه الله تعالى: «والأصل الآخر: الشروط التي اشترطها المتعاقدان أو أحدهما على الآخر»، يعني إما البائع وإما المشتري، وإما أحدهما، ليس الاثنين كله شرط. قال: «فهي جائزة لما فيها من مصلحة المشترط وخلوها من المحذور الشرعي». والمحذور الشرعي هو: أن لا يكون فيها ما يخالف الشرع. فإن كان فيها ما يخالف الشرع، فهذا محذور شرعي، أو كان كذلك فيه إضرار، بأن لا يكون فيه الانتفاع بهذا العقد، فعند ذلك يكون هذا الشرط باطلًا. وإذا لم يكن هذا ولا ذاك، فالشرط صحيح جائز. قال: «أن يبيع شيئًا ويشترط الانتفاع به لمدة معلومة»، مثل حديث جابر بن عبد الله حين باع للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعيره، بشرط أن يصل به إلى المدينة. فيجوز أن تبيع الشيء بشرط أن تنتفع به مدة، مثل رجل يشتري منك بيتًا، فتقول: خلاص اتفقنا، يدفع لك عربون أو نصف المبلغ، بشرط أن لا تخرج من البيت، أنت تشترط عليه أنك ما تخرج إلا بعد ستة أشهر -مثلًا-، فهل هذا يجوز؟ الجواب: نعم يجوز، فهذا من الشروط التي لا تخالف الشرع. قال: «أو يشترط تأجيل الثمن أو بعضه»، إذا اشترط المشتري أن يؤجل الثمن، قال: أدفع لك نصف الثمن، والباقي أقسطه عليك تقسيطًا، فإذا اتفق على ذلك، فهذه من الشروط الجائزة. قال: «أو صفة مقصودة في المبيع»، يشترط عليه صفة مقصودة في المبيع، مثل -مثلًا- أن يقول له: أريد منك ناقة من نوقك، بشرط أن تكون حلوبًا، هذا شرط صحيح، جائز، لا يخالف الشرع. قال: «أو وثيقة كرهن وضمان ونحو ذلك». الرهن: أن يضع شيئًا -مثلًا- يشتري، فيؤخر بعض المبلغ، يقول له: أنا أقبل، لكن بشرط أن تضع عندي رهنًا، فيضع رهنًا، إما ذهب وإما وثائق لأرض أو غير ذلك، وهذا هو الرهن. أو ضمان، والضمان: أن يأتي بضامن يضمن هذا العاقد، مثل رجل يشتري ويبقى يتخلف عليه مبلغ، فيقول له: أقبل منك أن تؤخر المبلغ، بشرط أن تأتي لي بضامن، رجل يضمنك. قال: «ونحو ذلك من الشروط التي لا محذور فيها». فعلمنا بذلك أنه إذا كان فيه محذور، فلا يجوز. وقلنا أن المحذور مثاله: أن يكون فيه شيء خالف الشرع، أو كذلك فيه شيء ناف للعقد، وسيأتي -إن شاء الله- بيانه. قال: «وفيها مصلحة للمشترط»، كذلك فيها مصلحة للمشترط، هذا الشرط إما البائع وإما المشتري. قال: «ومثال الشروط التي لا تصح: كان يبيع العبد ويشترط أن الولاء للبائع»، كما في حديث عائشة الذي مر اليوم في العصر، فإن عائشة رضي الله عنها اشترى -بريرة- واشترط أهلها أن يكون الولاء لهم، وهذا خلاف الأصل، الأصل أن الولاء يكون للمشتري، ليس للبائع، فهذا شرط لا يصح. لماذا؟ لأنه ينافي حقيقة العقد، مثل أن تشتري سيارة، ويقول لك: بشرط أن لا تركبها، إذن لماذا أنا اشتريت السيارة؟ أنا ما اشتريت السيارة لأجل أنظر إليها، إنما لأجل أركبها، وأن انتفع بها، فهذا شرط باطل. فإذا وقع مثل هذا الشرط، فكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أعطوهم ما سألوا؛ لأنه شرط باطل». فقام النبي عليه الصلاة والسلام خطيبًا، وقال: «من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله، فهو باطل، وإن كان مئة شرط». قال: «أو يشترط ألا تتصرف فيه مما يخالف مقصود العقد»، يشترط عليك ألا تتصرف فيه، يقول لك: بشرط ألا تبيع، كيف ألا تبيع؟ لماذا أنا أشتري إذا كان لا يجوز لي البيع؟ إذن أنا لست بمالك ملكًا حقيقيًا، وهذا من الشروط الباطلة التي لا تصح. وهذا الأول والثاني مثال للشرط الذي صار باطلًا وليس بصحيح؛ لأنه ينافي العقد. ومثال الشرط الذي هو محرم، مثل نكاح الشغار، نكاح الشغار: وهو التبادل في النكاح، زوجني أختك على أن أزوجك أختي، فهذا شرط محرم، فهو باطل، ولا يصح؛ لأنه مناف للشرع، كما جاء في حديث ابن عمر وغيره. قال: «من الشروط الجائزة: شروط الواقفين في أوقافهم إذا لم تخالف الشرع، ويجب العمل بها». من الشروط الجائزة: شروط الواقفين في أوقافهم، يجوز للواقف أن يشترط في وقفه، يقول -مثلًا-: هذا الوقف أجعله للفقراء، أو أجعله للأيتام، يجوز، أو لا يجوز؟ يجوز. ويجوز كذلك أن يجعله في مسجد، أو يجعله في مدرسة، مدرسة التحفيظ -وغيره-، أو يجعله -مثلًا- كذلك للمحتاج من أهله وقرابته، يجوز له ذلك. قال: «إذا لم تخالف الشرع، ويجب العمل بها»، يعني يجب العمل بشروط الواقف فيما اشترط، إذا لم تخالف الشرع. ومخالفة الشرع كذلك: أن يكون فيها شيء من المحرم، سواء أكان معصية أو بدعة أو أعظم من ذلك، هو الشرك. فوقف الوقف على -مثلًا- الزيارات الشركية، هذا من الوقف الباطل، وهو شرط ليس بصحيح. ويجوز للناظر على الوقف أن يغير الوقف إلى وقف أنفع منه. بل ذهب بعض أهل العلم أن مثل هذا الوقف لا ينعقد. ذهب بعض أهل العلم أن مثل هذا الوقف لا ينعقد. وقد سبق الكلام عليه، والخلاف فيه في منهج كتاب الشيخ رحمه الله: «منهج السالكين». قال: «وكذلك الشروط بين الزوجين، كأن تشترط المرأة على زوجها ألا يخرجها من دارها أو بلدها، أو لا يتزوج عليها، كذلك يجب الوفاء به إذا كان هذا شرطًا، سواء تلفظ به أو كان عرفًا». وأقول: كان عرفًا؛ لأنه يوجد في بعض جيراننا عرف، بعض أهل المذهب عندهم إذا تزوجت منهم، لا بد أن تسكن عندهم حتى يكون لك أولاد، تسكن عند أهل الزوجة، يختبرونك ويمتحنونك بذلك. فإذا تزوج عندهم إنسان، وقال: أنا ما أريد هذا، أنا ما أوافق على هذا الشرط، فيقال له: هذا الشرط عرف البلد، ويجب الالتزام به. طيب إذا لم يرد الالتزام به، فماذا عليه؟ تخير المرأة بين الفسخ وبين الرضاء بما يريد الزوج. ومعنى أن المرأة لا يلزمها الخلع، لا يلزمها الخلع، بل تفسخ من دون أن ترد شيء من المهر للزوج؛ لأن هذا الشرط ... قال رحمه الله تعالى: «أو لا يتزوج عليها»، كذلك إذا اشترطت عليه ألا يتزوج عليها، فكذلك يجب عليه الوفاء إذا وافق على الشرط. فأول الأمر قال: ولا يتسر، كذلك إذا اشترطت عليه ألا يتسر، والتسري هو أن يملك باليمين. قال: «أو زيادة مهر»، اشترطت عليه زيادة مهر، عرف الناس أن المهر -مثلًا- مئة ألف، قال: تريد أكثر؟ فواطأت، فعليه ذلك. قال: «أو نفقة، فيجب الوفاء بها»، كذلك اشترطت عليه زيادة نفقة، فيجب الوفاء بهذا الشرط. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الصحيحين حديث عقبة بن عامر: «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج». قال رحمه الله: «فإن لم يقر بها، فلها فسخ النكاح». تستفيد المرأة من هذا الشرط فسخ النكاح بدون أن تجزم بالخلع، بخلاف إذا لم تشترط هذا الشرط -مثلًا- أراد الرجل أن يتزوج عليها، فقالت: أنا ما أستطيع، يا بنت الناس اصبري، ما أستطيع، إذن ما هو الحل؟ الحل للزوج لم يوافق على الفراق، أن ترد له المهر، ما تستطيع أن تفسخ، بخلاف إذا اشترطت عليه، إذا اشترطت عليه، فإنه لا يستطيع أن يلزمها برد المهر، بل تفسخ؛ لأنه اشترط عليها من أول الأمر، ويجب عليه الوفاء، فإن أبى، فسخت من دون رد شيء له. قال: «ومن الشروط الفاسد: نكاح المتعة؛ لأنه شرط ينافي الشرع». فقد نهى نبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم عن المتعة، كما جاء في صحيح مسلم، من حديث الربيع بنت معوذ الجهني، عن أبيها، وجاء ذلك عن جابر، وعن جماعة. وهي متعة النساء، نهى نبي صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة، وهو محرم إلى يوم القيامة. فهذا الشرط شرط باطل؛ لأنه محرم. ونكاح المتعة معلوم أنه يتزوج المرأة مدة معلومة، ولو كان هناك ولي، ولو كان هناك شهود، ولو كانت استوفت كل الشروط، فيجعله مدة معلومة، هذا نكاح محرم، وهو نكاح المتعة، وهو ما يتعامل به بعض الرافضة. قال: «ونكاح التحليل». نكاح التحليل معروف، وهو ما يستخدمه -وللأسف- بعض العامة اليوم، ومن ينتسب إلى بعض المذاهب الفقهية، يتحايلون على الشرع في طلاق الثلاث إذا وقع طلاق الثلاث، يذهبون فيتحايحون ويأتون بالتحليل المستعار. وقد لعن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المحلل والمحلل له. جاء عن علي، وعن ابن مسعود، وعن جابر، وكلها بأسانيد حسنة. قال: «ولا يفيد الحل لمطلقته الأولى ثلاثًا»، يعني لا تحل للزوج الذي طلقها ثلاثًا -يعني بثلاث طلقات متفرقات- لا تحل ذاك الزوج. لماذا؟ لأن هذا النكاح فيه حيلة، وهو محرم، فهو في الحقيقة باطل، ولا يكون به تحليل، بل هو زنا، كما قال ابن القيم رحمه الله: هو زنا، ولم يكن به تحليل للأول. وهذا على القاعدة: أن الحيل لا تزيد الحرام إلا حرمة. طيب وبهذا يكون قد انتهى من هذه القاعدة.