الدرس في المنتقى من شمائل النبي المصطفى 4، ألقاها
يستعرض المقطع مواقف النبي محمد صلى الله عليه وسلم الثابتة في غزوات مثل حنين وأحد، حيث كان يتقدم نحو العدو ويطمئن الصحابة. تؤكد الروايات أنه كان أشجع الناس ولم يتراجع أمام الخطر.
يبرز المقطع أن شجاعة النبي كانت مقتصرة على سبيل الله، داعياً المسلمين إلى الاقتداء بها في الدفاع عن الدين لا في العدوان. ينتقد تربية الأبناء على الخوف ويشير إلى صبر النبي وحلمه عند الأذى الشخصي.
يروي أنس كيف جذب أعرابي رداء النبي وطلب ماله فتبسم وأمر له بالعطاء دون عقاب. وتذكر عائشة أن أشد يوم على النبي كان يوم العقبة حين رفض قومه دعوته، ورفض تطبيق الأخشبين عليهم رحمةً بهم.
يختتم المتحدث المجلس مستحضراً دعاء النبي بأن يخرج الله من أصلاب المشركين من يعبده وحده لا شريك له. يشير إلى ضرورة التوقف الآن على أن يُكمل الحديث في مجلس قادم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم البعث والدين. أما بعد، أيها الأحبة في الله، هذا مجلس من مجالس المنطقة في شمائل، أو من شمائل النبي المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، نتذاكر بعض شمائله وأوصافه وأخلاقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لما في ذلك من الخير العظيم والنفع العميم، وهكذا امتثالاً لقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، وقوله جل في علاه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقوله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. من هذه الشمائل التي كان عليها نبينا صلى الله عليه وسلم، وينبغي على أمة الإسلام والتوحيد والإيمان أن يتابعوه في ذلك، ما كان عليه من أمر الشجاعة. ما كان عليه من الشجاعة عليه الصلاة والسلام، فقد كان أشجع الناس وأحسن الناس، كما جاء ذلك في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأشجع الناس وأجود الناس. ولقد فزع أهل المدينة يوماً، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سبقهم على فرس عري لأبي طلحة نحو الصوت، نحو الصوت. فلما ذهب الناس نحو الصوت، وجد النبي صلى الله عليه وسلم مقبلاً وهو يقول: «لن تراعوا، لن تراعوا، وجدناه بحراً، وجدناه بحراً». أي ذلكم الفرس الذي كان لأبي طلحة، وكان يبطأ ويسمى مندوباً، فالنبي صلى الله عليه وسلم ركب عليه نحو الصوت مصرعاً، نحو الصوت مصرعاً، يتفقد ما الذي حصل، وهل هناك ما يخيف أهل المدينة، فقال: «لن تراعوا، لن تراعوا، وجدناه بحراً». أي وجد الفرس سريعاً، وجد الفرس سريعاً. وهكذا أيضاً جاء في الصحيحين من حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما قال: كنا والله إذا حمر البأس نتقي به، أي نتقي بالنبي صلى الله عليه وسلم، إذا اشتد البأس وحمي الوطيس. قال: كنا والله إذا حمر البأس نتقي به، أي برسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وإن الشجاع منا للذي يحاذي، للذي يحاذي به، أي الذي يكون في حذوه صلى الله عليه وسلم، آذى الشجاع فيهم. وهذا كان في غزوة حنين، لما أصاب المسلمين ما أصابهم مما فاجأهم به أهل هوازن وثقيف. كان النبي صلى الله عليه وسلم لما فر بعض المسلمين لم يفر النبي صلى الله عليه وسلم بل ثبت، وكان على بغلته يجعلها في نحر العدو، يجعلها في نحر العدو، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بخطامها: ألا تسرع برسول الله صلى الله عليه وسلم، والنبي في وجه العدو وهو يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». وهكذا لما كان يوم أحد وحصل ما حصل بين المسلمين، فالنبي صلى الله عليه وسلم ثبت، وهكذا كان في وجه العدو، كان في وجه العدو، حتى لما اجتمع عليه كثير من المشركين، أخذ النبي صلى الله عليه وسلم حفنة من الحصاء فرمى بها في وجوههم فتفرقوا عنه عليه الصلاة والسلام، حتى بلغوا نحو الجبل، وجعل عليه الصلاة والسلام يرشهم بتلكم الحصاء. وهكذا يقول علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: قال لما حضر الناس يوم بدر اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان من أشد الناس، ولم يكن أحد أقرب من المشركين منه. انظروا يا عباد الله، هكذا كان نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان شجاعاً ولم يكن جباناً، أورع ديداً. ولهذا وصف الصحابة رضي الله تعالى عنهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه ما ضرب شيئاً قط بيده، ما ضرب شيئاً قط بيده، لا عبداً ولا امرأة ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله، إلا أن يجاهد في سبيل الله. فهذه الصفة، ما أحوجنا اليوم إليها، ما أحوجنا اليوم إليها، شجاعة يا عباد الله، التي هي تعتبر رأس كل فضيلة، من أراد أن يتحلى بالمكارم، وهكذا يبتعد عن المثالب والأمور القبيحة والعادات الذميمة، فلا بد أن تكون عنده شجاعة. الكريم يحتاج إلى الشجاعة، المتواضع يحتاج إلى الشجاعة، وهكذا غيرها من أبواب الخير والصفات الكريمة والأخلاق الحسنة، لا بد فيها من التواضع، لا بد فيها من التواضع. كم اليوم من المسلمين من إذا ذكر أعداء الله من اليهود والنصارى امتلأ قلبه خوفاً منهم، امتلأ قلبه خوفاً منهم؟ قالوا: هذه أمريكا، انتبه. قالوا: هذه كذا وكذا من بلاد الكفر، انتبه. فماذا؟ ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. وهكذا يقول جل فعلا: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾. الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتسابقون إلى القتال مع النبي صلى الله عليه وسلم، بل صغار الصحابة كانوا يتنافسون في ذلك، وإذا رد بعضهم بسبب صغر سنه حزن لأجل ذلك، وشق عليه ذلك، وشق عليه ذلك. واليوم، اليوم بعض الناس لربما يربي أبناءه على الخوف، ولو من ظله: انتبه، هناك كلب سيجري خلفك. انتبه، هناك جني سيأخذك. وهكذا ينشأ الطفل وهو ضعيف خائف، ليس عنده ذاك الإقدام، وليست عنده تلكم الشجاعة التي يرجى أن يرفع بهذا الدين رأساً، وأن يكون فارساً من فرسان المسلمين، وهكذا قائداً من قوادهم. فخلاصة القول: إن الشجاعة أمر مطلوب، وهكذا ينبغي علينا أن نتأسى بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ذلك. وليس معنى الشجاعة أنك تعتدي على المسلمين، تضرب هذا وتصرع هذا وتبطش بهذا. ليس معنى الشجاعة أنك تعتدي على أموال المسلمين، أنك تعتدي على أموال المسلمين فتأخذ أراضيهم، وهكذا تنهب ممتلكاتهم. لا، الشجاعة هو أن الإنسان يسخر هذه القوى في دفاع عن هذا الدين والقيام بخدمته. وهكذا من شمائله صلى الله عليه وسلم التي ينبغي علينا جميعاً معاشر أهل الإسلام وأمة التوحيد والإيمان أن نتابعه فيها، وأن نتأسى به عليه الصلاة والسلام، ما كان من حلمه، وهكذا تحمله، وهكذا صبره على من آذاه، وهكذا صبره على من آذاه. النبي صلى الله عليه وسلم ما كان ينتقم لنفسه، وإنما كان يغضب إذا انتهكت حرومات الله، إذا انتهكت الحرومات، غضب النبي صلى الله عليه وسلم، ولربما احمر لذلك وجهه، وصعد المنبر، وذكر ذلك المنكر الذي حصل، والمواقف كثيرة من سيرته عليه الصلاة والسلام في هذا الباب. وأما إذا اعتدى على شخصه عليه الصلاة والسلام، فكان عليه الصلاة والسلام حليماً رفيقاً صبوراً عفواً عمن آذاه عليه الصلاة والسلام. ومما يدل على ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أنس رضي الله تعالى عنه، أنه كان يمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة، قال: وكان على رسول الله صلى الله عليه وسلم برد نجراني غليظ. قال: فأدركه أعرابي، يعني جاءه من الخلف، الإدراك يكون من الخلف. قال: فأدركه أعرابي فجذبه، فجذبه، وفي بعضها: فجبذه بردائه الغليظ جذبة. قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أثرت بها حاشية الرداء، أثرت أو أثرت طرف الرداء على صفحة عاتقه عليه الصلاة والسلام. ثم قال ذلكم الأعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، مر لي مما لله الذي عندك، مر لي مما لله الذي عندك. نحن اليوم لو وضع واحد منا في هذا الموضع، في هذا الموقف، يأتي شخص فيعتدي عليك، أو يأتي آخر فيضرب ابنك، يأتي الابن إلى البيت يصيح ويصرخ: من فعل بك؟ قال فلان. كيف ستتعامل يا عبدالله؟ فلان أخذ شيء من مالك من غير أن يستأذن مثلاً، فجئت فإذا به قد أخذ، فأخبرت أنه فلان، كيف سيكون التعامل مع هذا المقصر ومع هذا المذنب؟ النبي صلى الله عليه وسلم صنع به الأعرابي ما صنع، ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك. اليوم الواحد منا لو كان في هذا الموقف، لا أنهال عليه ضرباً أو سباً أو شتماً إلى غير ذلك. أما النبي صلى الله عليه وسلم فكان على خلاف ذلك، كان رحمة للعالمين، كان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً. قال أنس: فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم فضحك في وجهه، وأمر له، وأمر له بعطاء. ضحك في وجهه، ما عبس ولا غضب على ذلكم الرجل، وإنما ضحك في وجهه، وكان ضحكه عليه الصلاة والسلام تبسماً، كان ضحكه عليه الصلاة والسلام تبسماً. وهل عاقب الرجل؟ لا، أمر بأن يعطى من بيت مال المسلمين، من بيت مال المسلمين. وهكذا أيضاً، وهكذا أيضاً مما يدل على ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، هل مر عليك يوم أشد من يوم أحد؟ ماذا حصل في يوم أحد؟ شج رأسه، وكسرت رباعيته، وهكذا جرح عليه الصلاة والسلام، وهكذا حصل ما حصل، حتى أشيع وأذيع في الناس أن محمداً قد مات. قالت: هل مر عليك يوم أشد عليك من يوم أحد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: «لقد لقيت من قومك ما لقيت، لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل، ابن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت. قال: فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب. قال: فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت، فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما رد عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. قال: فناداني ملك الجبال، فسلم علي، ثم قال: يا محمد، قال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين». أي الجبلين الذين كانت مكة تقع بينهما. يقول ملك الجبال: إن شئت يا محمد أن أطبق عليهم الأخشبين، يعني لفعلت. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان جوابه: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً، لا يشرك به شيئاً». وهذا يحتاج منا إلى وقفة، وللحديث بقية نكمله إن شاء الله تبارك وتعالى في مجلس آخر، نظر الانتهاء الوقت. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والله تعالى أعلم.