المحاضرة بعنوان التوكل، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 15 ربيع أول 1430هـ ألقاها
يستعرض المقطع مفهوم التوكل كعبادة قلبية عظيمة أمر الله بها، موضحاً حقيقته كصدق اعتماد القلب على الله في جلب النفع ودفع الضر مع الأخذ بالأسباب الشرعية. ويضرب المثل بتوكل النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الأعرابي، مستدلاً بآيات وأحاديث تبين مكانة المتوكلين من السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب.
يفصل المقطع صفات السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب بأنهم لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون لصحة توكلهم. ويبين أن التوكل الحق يجلب الرزق كما يرزق الطير، وأن طلب العلم من أعظم أسباب الرزق والتوكل، مستدلاً بأحاديث وآثار سلفية تحث على التفرغ للعبادة والعلم مع الأخذ بالأسباب المباحة.
يحث المتحدث على التفرغ لطلب العلم مع التوكل على الله، مبيناً أن الغنى الحقيقي غنى النفس وأن من جعل الآخرة نيته جمع الله شمله وأتته الدنيا راغمة. ويؤكد أن طالب العلم في حياة طيبة وسعادة لا يعدلها ملك، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تبرز فضل العلم وأهله.
يؤكد المقطع أن الرزق والأجر مكتوبان لا يخطئان صاحبهما، مستشهداً بحديث التمرة وأثر ابن الديلمي مع الصحابة، وأن مجالس العلم تجلب السكينة والرحمة بخلاف أبواب الدنيا المغلقة. ويختم بوجوب انصراف طالب العلم بقلبه وجوارحه إلى الله، مطمئناً بأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه وما أصابه لم يكن ليخطئه.
بسم الله الرحمن الرحيم ومن الله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فقد زارنا في هذا اليوم الطيب المبارك شيخ فاضل، وأخ كريم، وداعي من الدعاة إلى الله من أهل السنة والجماعة، ممن عُرف بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، نحسب كذلك والله حسيبه، ولا نزكي على الله أحدًا، وهو أخونا أبو الحسين حسن، منّ عليه وحفظه الله تعالى، القائم على مركز دار الحديث ببيحان، وهو من الإخوة الدعاة المعروفين والمشايخ المشهورين، نحسب كذلك والله حسيبه. وستكون له كلمة إن شاء الله تعالى بعد العصر في أديس الشرقية في مسجد الحبش، وهكذا المحاضرة بين المغرب والعشاء في هذا المسجد إن شاء الله تعالى. كما نرجو أن يتكرم بكلمة في هذا الوقت ونصيحة لإخوانه طلبة العلم في هذا المركز، جزاه الله خيرًا. فليتفضل مأجورًا مشكورًا. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أما بعد، فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الناس، اعلموا رحمنا الله وإياكم أنه يجب علينا معشر المسلمين جميعًا، ومعشر طلاب العلم خصوصًا، يجب علينا أن نتوكل على الله عز وجل حق توكله. فإن التوكل أمره عظيم، وعبادة من العبادات الجليلة التي أمر الله عز وجل بها. قال الله عز وجل: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. وقال الله عز وجل ذاكرًا عن عباده المؤمنين: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾. وقال الله عز وجل في كتابه الكريم عن عباده المؤمنين أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾. أيها الناس، التوكل على الله عبادة من العبادات القلبية. قال الله عز وجل في كتابه الكريم، يقول سبحانه وتعالى في كتابه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾. ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله، جعل الإيتاء لله وللرسول، وقالوا: حسبنا الله، لأن الحسب الكفاية، توكل. ولم يقل: وقالوا حسبنا الله ورسوله. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾. فالرغبة عبادة لله عز وجل وحده، والحسب عبادة لله عز وجل وحده، والإيتاء لله وللرسول. فيا عباد الله، التوكل يقول ابن رجب رحمة الله عليه: «هو صدق اعتماد القلب على الله». هذا هو حقيقة التوكل: صدق اعتماد القلب على الله في جلب ما ينفع ودفع ما يضر. فالتوكل أمر قلبي، وهو اعتماد القلب على الله والثقة به مع اتخاذ الأسباب الشرعية. هذا هو معنى التوكل: صدق اعتماد القلب على الله. لا تعتمد على ذكاء، ولا تعتمد على أولاد، ولا تعتمد على مال، ولا تعتمد على أصحاب، ولا تعتمد على أنصار، ولا تعتمد على أتباع. اعتمد على الله وحده، وسلك الطريق الشرعي، وسلك الأسباب التي جعلها الله عز وجل. ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. فإن نصرك الله فمن ذا الذي يخذلك، وإن خذلك فمن الذي ينصرك؟ ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ﴾. ورسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما رجع من نجد، ومن قبل نجد في غزوة من الغزوات، فلما وصلوا إلى مكان في القائلة وتفرقوا تحت الشجر والعضاة، تركوا عضاة ضليلة للرسول عليه الصلاة والسلام، وتفرقوا تحت الشجر. فلما قالوا القيلولة جاء أعرابي فاخترط سيف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو معلق بالشجرة، فأخذ السيف وقال للنبي عليه الصلاة والسلام: «من يمنعك مني؟» أصحابه كذر، وأنصاره كذر. قال عليه الصلاة والسلام: «الله». من يمنعك مني؟ السيف مصلت ومشهور على رأس الرسول عليه الصلاة والسلام، ما بين الأعرابي وبين أن يقتل النبي عليه الصلاة والسلام إلا أن وجله الضربة. فالرسول عليه الصلاة والسلام سيد المتوكلين وسيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام، قال: «من يمنعك مني؟» قال: «الله». فوقع السيف من يد الأعرابي. انظروا يا عباد الله عظيم توكل الرسول عليه الصلاة والسلام. وهذا الحديث الصحيح من حديث جابر رضي الله تعالى عنه أنه أخبر عن توكل النبي صلى الله عليه وسلم وعظيم توكله، وذلكم أن الأعرابي أراد قتله فقال: «من يمنعك مني؟» قال: «الله». فوقع السيف من يد الأعرابي. وجاء في صحيح مسلم فأخذه النبي عليه الصلاة والسلام وقال للأعرابي: «من يمنعك مني؟» قال: «كن خير آخذ». فدعاه إلى الإسلام، قال: «أسلم». فقال الأعرابي: وما رضي أن يسلم، قال: «ولكني أعاهدك ألا أقاتلك وألا أنصر قومًا يقاتلونك». وروى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وعلا عليه وسلم قال: «يدخل من أمتي سبعون ألفًا الجنة بغير حساب ولا عذاب». فلما سئل عنهم بعد ذلك وقد خاض الناس في أولئك، قال: «هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون». في السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، قال: «هم الذين لا يسترقون» أي لا يطلبون من غيرهم الرقية إذا أصيبوا بالمرض، أصيبوا بشيء من الأشياء، رقوا أنفسهم أو رقاهم غيرهم واعتمدوا على الله عز وجل ولم تلتفت قلوبهم لغير الله عز وجل. هم الذين لا يسترقون أي لا يطلبون من غيرهم الرقية مع جواز ذلك، ولكن لكمال توكلهم لم يطلبوا الرقية من غيرهم لاعتمادهم على الله عز وجل. قال: «هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون» مع جواز الكي للحاجة، فهم لا يكتوون لصدق اعتمادهم على الله عز وجل. «ولا يتطيرون» لأن التطير من الشرك. قال النبي صلى الله عليه وعلى الله عليه وسلم: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك» كما في الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه. الطيرة: التشاؤم، والتشاؤم يكون عند الذين ما عندهم توكل. يتشاؤم بالغراب، يتشاؤم بالحمار، يتشاؤم بالبوم، يتشاؤم بيوم الأربعاء، يتشاؤم بشهر شوال، أو يتشاؤم بشهر صفر، أو يتشاؤم بشهر ربيع، أو يتشاؤم بشهر جمادى، أو يتشاءم بأي شيء من الأشياء، إما معلومة وإما مرئية وإما مسموعة. يتشاءم لضعف توكله وضعف اعتماده على الله. إذا سمع الغراب تأثر، وإذا سمع البوم تأثر، وإذا رأى الحمار تأثر، وإذا رأى كذا أو كذا أو سمع صوتًا أو علم شيئًا، فإنه لضعف توكله يترك بعض الأمور التي قد أراد أن يفعلها. فالرسول عليه الصلاة والسلام قال في السبعين ألفًا: «هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون». وما الذي جعلهم لا يكتوون ولا يتطيرون ولا يسترقون؟ قال: «وعلى ربهم يتوكلون». الجامع لهذه الأمور ولهذا الخير في قلوبهم صدق الاعتماد على الله وحده لا شريك له، وعدم الالتفات للمخلوق، وعدم الالتفات للمربوب، وعدم الالتفات للعباد أو المخلوقات. قال: «وعلى ربهم يتوكلون». أثنى عليهم وقالهم في الجنة، يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. هؤلاء حققوا التوحيد. باب الإمام محمد عبد الوهاب: «باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب». باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب، أي ولا عذاب. من حقق التوحيد، وتحقيق التوحيد من ضمنها هذا أن يصدق اعتماده وثقته بالله عز وجل وحده لا شريك له. وروى الترمذي وأحمد من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا». انظروا هذا الحديث العظيم الذي رواه الترمذي وأحمد عن أمير المؤمنين عمر. لو أنكم... في الحث والترغيب والتشويق لهذه العبادة العظيمة التي أخلى بها كثير من الناس لضعف توكلهم وضعف اعتمادهم على الله. هذا يعتمد على الذكاء، وهذا يعتمد على الشهادة، وهذا يعتمد على القبيلة، وهذا يعتمد على الأولاد، وهذا يعتمد على كذا وكذا، والناس في هذا مذاهب. والصادقون هم المتوكلون المعتمدون على الله وحدهم الذين يتخذون الأسباب الشرعية التي لا تخالف دين الله. «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا». انظروا: تغدو الطيور خماصًا ضامرة جائعة، بمجرد الغدو، بمجرد الذهاب، بمجرد السير، بمجرد أن تذهب تروح وترجع بطانًا قد شبعت وقد امتلأت بطونها لأنها معتمدة على الله سبحانه وتعالى وحده. فالرسول يقول: لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا. وكذلك في الترمذي عن أنس قال: كان أخوان على عهد الرسول صلى الله عليه وعلا عليه وسلم، أحدهما يأتي النبي عليه الصلاة والسلام، والآخر يحترف. فشكى المحترف أخاه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال النبي صلى الله عليه وعلا عليه وسلم: «لعلّك ترزق به». فانظر يا طالب العلم: أنت تتفرغ لطلب العلم، وتتفرغ للحفظ، وتتفرغ للخير، والله عز وجل يجعل رزقًا غيرك بسببك. هذا أخ يعمل، والآخر يطلب العلم. فالعامل اشتكى للرسول عليه الصلاة والسلام، المحترف الذي يحترف العمل وتكسب، اشتكى فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لعلّك ترزق به، لعلّك ترزق به». فأعظم باب لطلب الرزق التوكل على الله عز وجل والاعتماد على الله عز وجل وطلب العلم. قال الإمام الشافعي: «من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم» كما في ترجمته في تهذيب الأسماء واللغات. قال: «من أراد الدنيا فعليه بالعلم». انظر: تطلب علم، ما تطلب مال، ما تطلب دنيا، ما تطلب جاه، تريد وجه الله، تحفظ القرآن، تحفظ السنة، تعمل بالعلم، وإذا برزقك يسره الله سبحانه وتعالى بصدقك وإخلاصك وثقتك بالله عز وجل. في زمن اعتمد الناس على الشهادات، ومن ليست عنده شهادة فهو الذي لا يدري بشيء ولا يعلم بشيء ولا يدرك الأمور، الذي ما عنده شهادة هذا رجل متأخر، وهذا رجل متخلف، وهذا رجل ما يفهم، وهذا وهذا... وأنت تطلب العلم. ولا بأس لطالب العلم أن يعني... ماذا يأخذ شيئًا من الدنيا ويأخذ... يعني إذا احتاج إلى شيء من أموره التي يحتاج إليها عمل وتكسب، هذا كله لا ينافي التوكل، لا ينافي التوكل. وإن تفرغ تفرغًا كاملًا للعلم فهذا هو الأعظم. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «قال الله عز وجل: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى ويديك رزقًا، ولا تباعد عني أملأ قلبك فقرًا ويديك شغلًا». رواه الحاكم عن معقل بن يسار. انظر يا طالب العلم هذه البشارة لك خاصة، هذه البشارة لك خاصة: «يا ابن آدم تفرغ لعبادتي». ومن أعظم العبادات والقربات إلى الله طلب العلم. يقول الله عز وجل: «يا عبدي تفرغ لعبادتي». وإذا تفرغت وما عندك شهادة وما عندك وظيفة وما عندك عمل، ماذا ستحصل في ميزان الناس اليوم؟ ماذا ستحصل في ميزان الآباء والأمهات والأهل والأقارب والجيران؟ ما الذي تحصل عليه إذا تفرغت للعلم وما تكسبت وما اغتربت من أجل الدنيا؟ ما الذي تحصل عليه في ميزان الناس؟ تحصل على الفقر، تحصل على الحاجة، تحصل على كذا وكذا... لكن انظر الحديث: قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «يا عبدي تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى وأملأ يديك رزقًا». سبحان الله! ما تفرغ للرزق، ما ذهب للرزق، ما رحل للرزق، ما اغترب للرزق. طلب العلم والله عز وجل يقول: «أملأ قلبك غنى وأملأ يديك رزقًا، ولا تباعد عني أملأ قلبك فقرًا ويديك شغلًا». كم من طالب علم سول له الشيطان وصرف عن طلب العلم بحجج: أنك إذا طلبت العلم من أين تتزوج؟ من أين تأكل؟ من أين تبني؟ أين تشرب؟ أين تسكن؟ أين وأين... وساوس الشيطان. وإذا بطالب العلم ينجر خلف هذه الوساوس الشيطانية ويترك أعظم وراثة، وراثة الأنبياء، فيخرج من طلب العلم زعمًا من أجل أن يقضي دينه، وإذا بالديون تتراكم. زعمًا من أجل أن يبني مستقبله، وإذا بالمستقبل يذهب وتمر الأيام والسنوات ويتمنى أنه مستمر على طلب العلم وفي الخير. ولا يمنع طلب العلم كما سمعت أن يتكسب للحاجة، وأن يشتغل، وأن يعرق، وأن يشقى. كل هذا لا يمنع. لأن يأخذ أحدكم حبله ويأتي بحزمة حطب فيبيعها خير من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. ما يمنع طلب العلم أن يتكسب، وأن يبيع، وأن يشتري، ويستمر على طلب العلم. لا يعارض هذا هذا أبدًا. احتاج وعمل مع حرصه على العلم، حرصه على الفائدة، حرصه على المناوبة، حرصه على حضور مجالس العلم. بارك الله فينا وفيكم. فالرسول صلى الله عليه وسلم يخبره في هذا الحديث عن ربه عز وجل، عن الله عز وجل، ومن أصدق من الله حديثًا؟ لا أصدق من الله حديثًا، ومن أصدق من الله قيلًا؟ لا أصدق من الله قيلًا. «يا عبدي تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى». انظر إلى هذا الحديث العظيم الذي يملأ قلب طالب العلم حياة، ويملأ قلب طالب العلم شرحًا، شرحًا، ويملأ قلب طالب العلم سكينة، ويملأ قلب طالب العلم راحة، غاية الراحة: «يا عبدي تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى». والغنى الحقيقي هو غنى النفس. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس». متفق عليه عن أبي هريرة. ليس الغنى عن كثرة العرض، العرض... ليس الغنى بالأشياء الخارجية، إنما الغنى غنى النفس. الغنى الحقيقي غنى النفس. قال الإمام الشافعي: «وليس الغنى إلا عن الشيء لا به». ليس الغنى إلا عن الشيء لا بالأشياء. فيا عباد الله، انظروا هذا الحديث العظيم واستبشروا به خيرًا، واجعلوه نصب عينكم: «يا ابن آدم تفرغ لعبادتي». وأعظم العبادة طلب العلم. ما تكون عبادة بجهل. لا تظن أن تفرغ لعبادتي أي أنك تترك طلب العلم وتتعبد الله عز وجل بجهل. هذا طريق ربما طلب الشيطان: الإنسان يترك طلب العلم ثم يعبد الله على جهل، كرهبان النصارى الذين عبدوا الله على جهل. تتعوذ من طريقهم في كل ركعة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. مغضوب عليهم اليهود ومن شابههم: علموا ولم يعملوا. والضالون هم النصارى ومن شابههم: عملوا بغير علم. والسعداء المنعم عليهم هم الذين جمعوا بين العلم والعمل، بين العلم والعمل. هذا من العمل بالعلم: «يا ابن آدم تفرغ لعبادتي». وما الذي يحصل لك إذا تفرغت؟ انظر الميزان الشرعي، انظر الوعد من الله: «أملأ قلبك غنى وأملأ يديك رزقًا». سبحان الله! كيف ستأتي الأرزاق وأنت ما سعيت ولا تتهت؟ هذا قال الله عز وجل: «أملأ قلبك غنى وأملأ يديك رزقًا، ولا تباعد عني أملأ قلبك فقرًا ويديك شغلًا». حديث عظيم وحديث صحيح. وفي حديث زيد بن ثابت أيضًا أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من كانت الدنيا همه فرق الله شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له». انظر هذا الحديث العظيم أيضًا، حديث زيد بن ثابت. وجعل غيره: «من كانت الآخرة نيته جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة». الناس يسعون خلف الدنيا وهي ذاهبة، وأنت تترك الدنيا وتأتيك وهي راغمة. حديث الرسول عليه الصلاة والسلام الذي لا ينطق عن الهوى: «من كانت الدنيا همه فرق الله شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له. ومن كانت الآخرة نيته جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة». فيا عباد الله، التفرغ لطلب العلم هذا أمر عظيم، ولا يقوم به ولا يعمله إلا القلة القليلة من الناس الذين عندهم صدق توكل، نحسبهم الله حسيبهم. وإلا فكثير من الناس يعني عنده هموم الدنيا ومشاكل الدنيا وما قضوا شيئًا منها: الزواج والبيت والوظيفة والأسرة والعائلة والأولاد. ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾. فإذا كنت من الأتقياء فالله عز وجل معك، وإذا كنت من المحسنين فالله معك بتأييده ونصره الخاص وتوفيقه وتسديده. وانظر ماذا يقول الله عز وجل: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾. إن كنت من الأتقياء جعل الله لك مخرجًا، وجعل لك من كل هم فرجًا. ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾. أمورك. ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾. فيا طالب العلم، لا تبغي عن العلم بديلًا. لحديث واحد من أحاديث الرسول الله عليه وسلم تحفظ، خير لك من الدنيا وما فيها. ثم أبشر بقول الله عز وجل: ﴿مَن عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. لا تحسب الحياة طيبة كثرة الأولاد، لا تحسب الحياة طيبة كثرة الأموال. ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾. قال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾. الحياة طيبة ليست الأموال، الحياة طيبة ليست الأولاد، الحياة طيبة ليست الجاه والمنصب، الحياة طيبة ليست كثرة الأتباع. الحياة طيبة هي حياة المؤمن الذي يعمل الصالحات، ولو كان فقيرًا، ولو كان ما كان... فإنه إذا كان مؤمنًا عاملًا للصالحات فإنه من الذين قال الله عز وجل فيهم هذه الآية التي سمعتم: ﴿مَن عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. حياة شرح، غنى القلب، حياة طمأنينة، حياة سعادة، حياة راحة. الناس في واد وهو في واد آخر. الناس يفكرون في أمور وفي أشياء لا شغل لهم بها ولا مدخل لهم فيها، وطالب العلم في واد آخر في أحسن الأودية. هذا جزاؤه في الدنيا، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الآخرة: الجنة. في الدنيا حياة طيبة، وفي الآخرة الجنة، لمن آمن وعمل صالحًا. وكيف يكون الإيمان وعمل الصالح إلا بعلم؟ بارك الله فينا وفيكم. والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «من يريد الله به خيرا يفقهه في الدين». متفق عليه عن معاوية. ويقول: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». رواه البخاري عن عثمان. ويقول: «من سلك طريقًا يلتمس به علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». رواه مسلم عن أبي هريرة. وقال: «وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب». رواه الترمذي عن صفوان بن عسال المرادي رضي الله عنه، وعن الصحابة أجمعين. فيا عباد الله، لا تيأس من نفسك، وإن مرت عليك السنة أو أكثر أو أقل ولم تحفظ شيئًا، فاجتهد وراجع حسابك، وراجع يعني معلوماتك، وراجع أيضًا أفكارك التي ربما شوشت عليك بأمور دنيوية. فأنت ترجع إلى العلم وإلى طلب العلم وإلى الحفظ وإلى الخير، وتحضر الدروس، وتحضر العلم، والفوائد، والدفتر، والقلم، ويحصل لك من الخير ما لا يعلمه إلا الله بعد ذلك. لو أعطيت الدنيا بحذافيرها على أن تترك العلم لما رضيت بذلك، لأنك في حياة كما قال الحسن: «لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف». لو يعلم الملوك: الملك والرئاسة والوزارة... لو يعلمونا ما فيه طلاب العلم من الخير لجالدوهم بالسيوف. لما رضوا أن يأتوا إلى المساجد يجلسون هكذا، بل أخذوا هذه المجالس بالسيف، بالدم، ما يأخذونها هكذا، إنما يأخذونها بالقوة. إذا علموا ما فيها من الفوائد ومن الأجور، لما كتبوا أن يأخذوا هكذا. الآن مجالس العلم مجالس رحمة وسكينة، ما فيها منازعات ولا فيها منافسات. انظروا أبواب الدنيا: الباب مغلق. أبواب المساجد مفتوحة. أبواب الدنيا مغلقة، ثم تجلس عند الباب الساعات الطويلة، إن فتحوا لك، ثم إن دخلت عليهم ما أعطوك شيئًا إلا ما كتب الله لك. فرجعت إلى التوكل على الله. لو جلس في بيتك لجاءك الذي كتب لك، بعد الطوابير وبعد الساعات عند أبواب فلان وفلان. في السنة لابن أبي عاصم أن النبي عليه الصلاة والسلام وجد تمرة، وجد تمرة فأعطاها لمسكين، ثم قال: «لو لم تأتها لأتتك». يقول للمسكين: «لو لم تأت هذه التمرة لأتتك». لماذا؟ لأنها مكتوبة لك. هذه التمرة أعطاها مسكينًا، وقال: «لو لم تأتها لأتتك». تمرة مكتوبة لمسكين فلان ابن فلان، المسكين هذا التمرة له. فالرسول أعطى هذا المسكين التمرة وقال له: «لو لم تأتها لأتتك». فما لك إلا ما كتب لك. قال ابن الديلمي: أتيت أبي بن كعب فقلت في نفسي شيئًا من هذا القدر، فأخبرني بشيء لعل الله أن يذهبه من صدري. قال: «لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبًا ما قبل الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير ذلك لكنت من أهل النار». قال ابن الديلمي: فأتيت زيد بن ثابت، وأتيت ابن مسعود، فحدثني بمثل ذلك، وأتيت حذيفة بن اليمان فحدثني بمثل ذلك، وأتيت زيد بن ثابت فحدثني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك. والحديث في سنن أبي داود، صححه الشيخ الألباني رحمة الله عليه. انظر واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك. فعلى طالب العلم أن يطمئن وأن يرتاح، وأن يجعل هذه الدنيا خلف ظهره، وأن يقبل على الله عز وجل بقلبه وكل جوارحه، ويكون على خير إن شاء الله تعالى. فطمأنينة النفس وإنشراح الصدر خير من الدنيا وما فيها. فنسأل الله عز وجل أن يمنّ علينا وعليكم بالعلم النافع والعمل الصالح، وأن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.