الدرس في منظومة السير إلى الله 16، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
الزهد في الدنيا له منزلة عالية في السير إلى الله والدار الآخرة، وقد كان الأنبياء والصحابة قدوة في الزهد والقناعة. الزهد هو عنوان السعادة والفلاح.
حقيقة الزهد تكون في القلب وتظهر آثارها على الجوارح، وهو يعني القناعة والتفرغ لعبادة الله. الزهد ليس إهمالاً للمظهر بل هو تحقيق توازن في الحياة.
المقطع يتضمن الدعاء للنبي محمد بالصلاة والسلام والبركة، ويمتد هذا الدعاء إلى آله وصحبه أجمعين، مما يعكس أهمية الصلاة على النبي في العبادة.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في منظومته «السير إلى الله والدار الآخرة»: «عزفوا القلوب عن الشواغل كلها، قد فرغوها من سوى الرحمن، حركاتهم وهمومهم وعزومهم لله لا للخلق والشيطان». قال رحمه الله تعالى: أي فرغوا قلوبهم عن جميع ما يشغل عن الله ويبعد عن رضاه، وهذا حقيقة الزهد. ولا يكفي هذا التفريق حتى يمتليء القلب من الأفكار النافعة والعزوم الصادقة، فتكون أفكار العبد في كل ما يقرب إلى الرحمن، من تصور علم، تدبر قرآن، وذكر الله بحضور قلب، وتفكر في عبادة وإحسان، وخوفا من زلة وعصيان، أو تأمل لصفات الرحمن وتنزيه عن جميع العيوب والنقصان، أو تفكر في القبر وأحواله، أو يوم القيامة وأحواله، أو في الجنة ونعيمها والنار وجحيمها. فأفكارهم حائمة حول هذه الأمور، وتنزيه عن دنيات الأمور والتفكر بما لا يجدي على صاحبه إلا الهم والوبال وتضييع الوقت، تشتيت البال غير نافع للعبد في الحال والمآل. ذكر رحمه الله تعالى في هذا الموضع من منظومته هذه المرتبة وهذه المنزلة العظيمة من منازل السائرين إلى الله جل وعلا وإلى الدار الآخرة، وهي منزلة الزهد في الدنيا. فهذه المنزلة منزلة عظيمة تبوأها الأنبياء وأتباع الأنبياء، وكانوا زاهدين في هذه الدنيا، وضربوا أروع الأمثلة في الزهد في الدنيا. فتأملنا ما قص الله جل وعلا علينا في كتابه الكريم من أحوال أنبيائه، وجدنا العجب العجاب في زهدهم عليهم الصلاة والسلام جميعا. وكانوا على زهد عظيم مع ما أعطاهم الله جل وعلا من الرفعة والمكانة والاصطفاء. لو طلب أحدهم من ربه جل وعلا أن يجري الأنهار من بين يديه، لأجرى الله جل وعلا الأنهار من بين يديه. ولو طلب أحدهم من ربه جل وعلا أن يجعل الجبال ذهبا، لجعلها ذهبا لهم. ولو طلب أحدهم ما طلب من الطلبات، لا أعطاهم الله جل وعلا ذلك. إلا أنهم زهدوا في كل هذا ورغبوا فيما عند الله سبحانه وتعالى من النعيم المقيم السرمدي الذي لا ينقطع. فمن تأمل في سيرهم تعجب تعجبا عظيما، ولا عجب لأنهم أنبياء الله اصطفاهم الله جل وعلا، قلوبهم تفرغت لله سبحانه وتعالى، عرفوا حقارة هذه الدنيا وما فيها، فلذلك تعلقوا بالآخرة وما عند الله سبحانه وتعالى. وهذا يتأمل في أحوال أتباع الأنبياء ممن كان من أتباع الأنبياء، سواء كان من أتباع موسى أو من أتباع عيسى أو من أتباع نوح أو غيرهم من أنبياء الله جل وعلا الصفوة الذين استجابت لرسلهم، فقد ضربوا أروع الأمثلة في الزهد في هذه الدنيا. وهذا صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام، إذا تأملنا في سيرهم، قرأنا في سيرة أبي بكر أو في سيرة عمر أو في سيرة عثمان أو في سيرة علي أو في سيرة الستة أهل الباقي من العشرة، وهكذا أهل بدر وأهل بيعة الرضوان وغير هؤلاء، لنرى حالهم مع هذه الدنيا، لو وجدناهم على زهد عظيم. لو وجدناهم على زهد عظيم في هذا الباب. وهذا يدلنا على عظيم هذه المنزلة وهذه المرتبة، وأنه لا ينالها أي واحد، لأنها لا تنال بالسهولة. وذلك لأن النفس تطالب بحظوظها، فمن هذا الذي يكبح شهوات نفسه وإرغام نفسه على القناعة؟ لأن الزهد قناعة، فمن رزق القناعة فهو الزاهد. من كانت عنده قناعة هذا دليل على أنه زاهد. أما من لم تكن عنده قناعة، فهذا دليل على عدم زهده. وقيل: «القناعة كنز لا يفنى». يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى فيما ذكر عنه في ديوانه: «ولا ترجو السماحة من بخيل، فما في النار للظمآن ما هو؟ إذا ما كنت لا قلب قنوع، فأنت ومالك الدنيا سواه». كيف سواه؟ لأنك رزقت القناعة، رزقت القناعة، فلذلك القناعة تجعل صاحبها زاهدا قنوعا بما أعطاه الله جل وعلا، لا ينظر ويتعلق بما عند غيره. زهد في هذا وقنع. وذلك قوله عليه الصلاة والسلام وقنعه الله بما آته، هذا من عظيم النعم على العبد أن يقنعه الله جل وعلا بما آته. وهذا هو الفلاح، إذا رزق العبد الزهد في الدنيا والقناعة بما أعطاه الله جل وعلا، فهذا هو عنوان السعادة وهذا هو عنوان الفلاح. وذلك قوله عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: «قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آته». قد أفلح أكدا. قوله عليه الصلاة والسلام «قد أفلح» قد للتحقيق، كما في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي أن فلاحهم متحقق. وهكذا «قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آته»، فإذن المفلحون هم الزاهدون هم القانعون الذين اقتنعوا وعندهم قناعة بما أعطاهم الله سبحانه وتعالى. وهذه هي حقيقة الزهد في الدنيا. ذكر هنا رحمه الله تعالى السعدي حال هؤلاء الصفوة من خلق الله جل وعلا، وأنهم فرغوا قلوبهم لله سبحانه وتعالى، وكذلك صارت حركاتهم وهمومهم وعزومهم لله لا للخلق والشيطان. فقلوبهم عزفت عن الشواغل كلها، عزفت ومالت، صار لا يشغلهم إلا ابتغاء رضوان الله جل وعلا. كيف يحققون ذلك؟ فصاروا متفرغين لهذا الأمر، ولم يشغلوا بالشواغل الأخرى شواغل الدنيا. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول كما في حديث عبد الله بن مسعود عند ابن ماجه وغيره، صححه الألباني رحمه الله: «من جعل الهموم هما واحدا هم آخرته، كفاه الله هموم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا، لم يبال الله في أي أوديتها هلك». فهؤلاء زاهدون في الدنيا. لكن الزهد الشرعي كثير من الناس يسمع كلمة الزهد، الزهد في الدنيا، الزهد في الدنيا، لكن يجهل حقيقة الزهد. الزهد له تفاسير، فسرها السلف بها. الزهد قد ذكر جملة منها الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله في كتابه العظيم الماتع «جامع العلوم والحكم» عند شرح حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه، في قول النبي عليه الصلاة والسلام لذلك الرجل الذي جاءه وقال له: «يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس»، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس». والحديث فيه كلام، بعض العلماء على تضعيفه وبعضهم على تحسينه. فشرح ابن رجب الحنبلي هذا الحديث شرحا وافيا، وذكر فيه أقوال السلف في تفسير الزهد، وهي متقاربة وإن تباينت في ألفاظها، لكن هي قريبة في معانيها. تباينت واختلفت في ألفاظها، لكن من تأمل في هذه الألفاظ وجدها قريبة المعاني، كلها تدور حول معاني واحدة. الإمام ابن القيم استحسن تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال هو أفضل تعريف للزهد: «الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة». أن تترك ما لا ينفع في الآخرة، أي أمور هنا في الدنيا تزهد فيها تتركها لأنها لا تنفعك في الآخرة، لا نفع فيها في الآخرة فتزهد فيها. ومعنى ذلك أن تحرص على ما ينفع في الآخرة. ومن السلف من عرف الزهد بأن صاحبه أي الزاهد هو من إذا أنعم عليه شكر، وإذا ابتلي صبر. إذا جاءته النعم كان شاكرا، وإذا أصابته المصائب كان صابرا، فهذا من الزهد. ومن تعريف الزهد: التفرغ لعبادة الله وغير ذلك من المعاني. والزهد حقيقته في القلب، حقيقة الزهد في القلب، ليس في الجسد. بعض الناس يظنون أن الزهد في الجسد، يميز الزهد يقول هذا الزهد، كيف عرفت أنها زهد؟ قال: انظر إلى ثيابه، انظر إلى لبسه، انظر إلى مشيه، انظر إلى نحالة جسمه، انظر إلى الصفرة في وجهه. لا، الزهد في القلب. وذلك قال بعض السلف: إذا قيل من الزاهد؟ يقال: الله أعلم، الله أعلم. لماذا؟ الله أعلم، قال: لأن حقيقة الزهد في القلب، ومن هذا الذي يطلع على ما في القلوب؟ من الذي يطلع على ما في القلوب إلا الله جل وعلا علام الغيوب؟ فإذن الزهد أصلا في القلب. نعم، للزهد أثر على الظاهر، كما أن الظاهر له أثر على الباطن. لكن هناك شيء اسمه أصل وجود هذا الأمر ومنبع هذا الأمر أين؟ هل هو في الجسد أو في القلب؟ لا، أولا في القلب. لا يمكن يكون الزهد في الجسد ثم يكون في القلب أبدا. ما يمكن. لا يمكن يكون الزهد في الجسد ثم يكون في القلب. الزهد يكون في القلب ثم يكون له الأثر على الجسد، لكن بالضوابط الشرعية لا إفراط ولا تفريط. فإذن الزهد حقيقته في القلب. لماذا؟ لأنه كما مر معنا بأنه القناعة، والقناعة محلها القلب. إذا كان العبد قنوعا فمعناها أنه زاهد، فإذا كان كذلك فمعناها أنه سيظهر هذا الأثر على الجوارح. فلا تراه مهتما بمظهره، غير مهتم بمظهره كحال كثير من الناس إلا من رحم الله. وغير مهتم كذلك بدقائق الأشياء، ما يعطيها الشيء الكثير، وإنما يقوم بها باعتدال. فليس الزاهد الذي تراه على ثياب بالية، لا. وليس الزاهد الذي يسير ويتكسر وغير ذلك، لا. الزهد في القلب. فإذا هذه منزلة منزلة عظيمة، حقيقتها القناعة والتفرغ لعبادة الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك أن تكون الأقوال والأفعال والحركات والهموم والعزائم كلها لله جل وعلا لا للخلق ولا للشيطان ولا لهوى النفس ولا لطلبات النفس الأمارة بالسوء، ولا إلى غير ذلك من هذه الشواغل. بل التفرغ لعبادة الله جل وعلا، فيمتلئ القلب بهذه الأمور النافعة والعزائم الصادقة، فيكون الهم ما يقرب العبد إلى ربه جل وعلا من طلب للعلم، وقراءة القرآن بحضور قلب، والإحسان في العبادات، والخوف من الزلات والمعاصي، وتأمل في أسماء الله وصفاته، وتنزيه جل وعلا عن سبات النقص والعيب، وتفكر في أمور كثيرة في القبر وأحواله، والقيامة، والجنة ونعيمها، والنار وجحيمها. فالإنسان يدور حول هذه، هذه هي أكبر همه كيف ينجو من هذه الأمور التي تمر به. فإذا كان هذا هو حاله وهذا هو تفرغه، فإذن هو الزاهد في هذه الدنيا. أما إذا كان همه التنقل من بيت إلى بيت، ومن بلاد إلى بلاد، ومن مركوب إلى مركوب، ومن زوجة إلى زوجة، ومن كذا وكذا إلى كذا وكذا، فهو يفكر وهو يخطط وهو يبرمج، ساعات كلها تخطيط وبرمجة كلها لأجل هذه الأمور التي هي من فضول المباحات. فالزهد ثلاثة أنواع: زهد عن الحرام وهو واجب، وزهد عن المكروه، وزهد عن فضول المباحات وهو مستحب. عن فضول المباحات وهو مستحب، بشرط أن لا يفعله العبد تقربا وإنما قناعة. وهكذا الزهد عن المباح، زهد عن فضول المباحات، وعن المباحات، الناس درجات. منهم من يزهد في فضول المباحات، يزهد عن فضول المباحات. ومن الناس من يزهد عن المباحات، وهذه درجة أرفع، لكن بشرط أن لا يفعل ذلك بالتعبد لله عز وجل بذلك. لأنه سمع عن الثلاثة الذين تركوا المباحات من نكاح وأكل لحم، وكذلك ترك نوم لأجل التقرب. وإنما يترك من باب أنها مما لا حاجة للإنسان بها، ولأنه قد انشغل عما كان سببا لبعده عنها بما هو أنفع وأكمل. وليس معنى الزهد تضييع الأولاد وتضييع الأهل، لا. المباحات يقول: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول». يقول هو زاهد، ثم هو قد فرط مع أولاده وضيعهم، كيف زاهد؟ ما يمكن يكون زاهدا وهو قد قصر وفرط في حق أولاده أو في حق زوجته. زاهد وزوجته مسكينة تنام الليل وحدها وأين هو؟ قالوا: زاهد. تعلمون حديث أبي الدرداء مع سلمان، حديث أبي الدرداء مع سلمان حين زار سلمان رضي الله تعالى عنه أخاه أبا الدرداء، فجاء وقت العشاء فقرب العشاء. قال سلمان: سأحسنت، سأل عن أبي الدرداء: لماذا لا يتعش معي؟ أتعش وحدي؟ قالت له أخته: أخوك سلمان زاهد في هذا. أخوك أبو الدرداء. قال: ما أكل حتى يأكل معي، فأكل في آخر ليل. قام أبو الدرداء في أول الليل، قال له: نم يا سلمان حتى إذا كان آخر الليل، قال: قم فصلي. فلما أصبح أتيا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وعلم بما حصل بينهما، قال عليه الصلاة والسلام: «صدق سلمان، صدق سلمان، إن لأهلك عليك حقا، ولزورك أي الزوار عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه». هذا هو الزهد. الزهد لا يكون على حساب تضييع الحقوق. فإذا أدى الزهد إلى تضييع حق من الحقوق، معناه خرج عن إطار الزهد. فالمثال يحتاج إلى نظر من جميع جوانبه. والموفق من وفقه الله. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من الزاهدين. إنه لذلك القادر عليه. صلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.