التعليق على منظومة التائية 10

الدرس في التعليق على منظومة التائية 10، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

تواضع العالم واعترافه بالتقصير ودافع الاستزادة من العلم

يضرب الإلبيري مثلاً في التواضع بمخاطبة نفسه معترفاً بالتقصير رغم مكانته، مبيناً أن قبول الله يظهر في انتشار نفع العلم. ويؤكد أن شعور العبد بالتقصير دافع للاجتهاد بينما العجب يوقف المسير مستدلاً بحديث النبي في عقوبة المتكبر.

خطر الإصرار على المعصية وتأخر التوبة حتى الشيخوخة

يحذر من أن المعصية في الكبر مع ضعف الشهوة تدل على رسوخها في القلب وصعوبة الإقلاع، وينبه إلى أن تأخير التوبة يعوّد الذنب حتى يستحيل تركه. ويستشهد بتعوذ النبي من الرجوع عن الاستقامة وأمثلة عملية على العودة للممنوعات.

محاسبة النفس والعودة إلى الاستقامة بعد الانحراف

يحذر من الانزلاق من حال الخير إلى الشر ويؤكد ضرورة مراجعة النفس والرجوع لأسباب الاستقامة السابقة. يستشهد بوازع القلب كدليل على التقصير ويقارن حاله بمن عاصر العلماء ولم ينتفع بهم.

إعلان البراءة من الظلم ومقابلة الظالم

يعلن المتحدث براءته من أكل المال الحرام وانتهاك الأعراض وسفك الدماء، ويواجه خصمه بارتكاب هذه المظالم في الوادي الذي حل فيه. ويختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه مع ذكر اسم المترجمة ودعوة للاشتراك.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإلبيري رحمه الله تعالى في منظومته التائية: «وقل يا ناصحي بل أنت أولى بنصحك، لو لفعلك قد نظرت». هنا كأنه رحمه الله استحضر أن ابنه يقول له هذه الأبيات التي سيذكرها، وهذا من تواضعه رحمه الله تعالى، فيعترف بتقصيره وتفريطه في جنب الله جل وعلا، وأنه لابنه أن يقول له ما يقول فيه من أنه عنده من التقصير والتفريط وغير ذلك. وإلا فهو رحمه الله تعالى من العلماء العاملين الذين شهد لهم الناس بالتقوى والصلاح والخير، وأكبر دليل على هذه الأبيات التي كتبها وانتشرت وحملها الركبان من بلاد إلى أخرى، مما يدل على أن الله جل وعلا جعل لرسالته هذه القبول، والقبول في الأرض من علامات محبة الله جل وعلا للعبد، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله إذا أحب عبداً نادى: يا جبريل، إن الله يحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي في السماء: يا أهل السماء، إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض». وهذا العالم رحمه الله قد انتفع الناس برسالته هذه، وهي من أعظم ما كتب في الحث على طلب العلم والجد والجهاد فيه، مما يدل على محبة الله جل وعلا له، وأنه قد أخلص فيما كتب، رحمه الله، نحسبه كذلك، والله حسيبه، ولا نزكي على الله أحداً. لكن قال هذه الأبيات من باب التواضع والاعتراف بالتقصير والتفريط، وهكذا ينبغي على العبد أن يشعر نفسه أنه على تقصير، وأن يحدث نفسه دائماً بأنه على تقصير وعلى تفريط. إذا أثنى عليه الناس قال: الله المستعان، لولا ستر الله جل وعلا علي، لكانت لذنوب رايحة نفرتم منها، كما قال بعض السلف: «لو كانت لذنوب رايحة لذهب عني الناس». وهذا من تواضعهم، رحمهم الله تعالى. فعلى الإنسان أن يتواضع لله جل وعلا، وأن يعترف دائماً بأنه على تقصير وعلى تفريط، هذا أعظم دافع له على الازدياد من العلم، وعدم الغرور، وعدم التعالي، وعدم العجب، وغير ذلك. أما إذا رأى من نفسه شيخ الإسلام كما يقال، أو رأى من نفسه أنه كذا وكذا، فهذا يضره، يضره ولا يعينه على الاستمرار في طلب العلم، ولا على الازدياد فيه. لماذا يزداد في العلم إذا رأى نفسه قد بلغ القنطرة؟ ليش الفائدة أنه يزداد من العلم وقد بلغ القنطرة؟ لكن إذا علم أنه لم ير من الجمل إلا ديلة كما يقال، نعم، فإنه سيحرص على الازدياد من طلب العلم، ويرى نفسه دائماً أنه ما معه إلا الشيء القليل. وليس مع ذلك كفران النعم وعدم الاعتراف بفضل الله جل وعلا، لا، هذا شيء وهذا شيء، وكل في موضعه يذكر، وفي الحال المناسب له، والموفق من وفقه الله سبحانه وتعالى. قال: «تقطعني على التفريط لوما، وبالتفريط دهرك قد قطعت». يعني: تقطعني على تفريطي وتقصيري وتلومني، وأنت دهرك قد فرطت فيه، وبالتفريط دهرك قد قطعت، قطعت دهرك بالتفريط والتقصير. «وفي صغري تخوشني المنايا، وما تدري بحالك، أحيث الشختة؟» أنا الآن صغير، وأنت تخوشني المنايا والهلاك وغير ذلك، وعاقبت العصيان، وعاقبت المخالفة، وأنا صغير. فانظر إلى حالك أنت، قد صرت شيخاً، قد صرت شيخاً، ومع هذا أنت على ما أنت عليه من التقصير والتفريط. ولا شك أن الشيخ الذي يقع في الذنوب والمعاصي إثمه أعظم من الصغير ومن الشاب، لأن نزعات الهوى ونزعات الشباب تجعل الشباب يقع في التقصير والتفريط، بخلاف الشيخ، فإن الدواعي عنده ضعيفة، دواعي الشهوات وغير ذلك. ولذلك جاء في الحديث: «أن أشد الناس عذاباً ملك كذاب، وشيخ زانٍ، وعائل مستكبر». ما عندهم الدواعي القوية: هذا الملك فلماذا يكذب؟ هو ملك. وهذا الثاني قد شاخ، فلماذا يزني؟ أي شهوة عنده؟ وهكذا العائل الفقير المستكبر، لماذا يستكبر؟ فإذا الشيخ الذي يقع في الذنب والمعاصي دليل على أنه على خطر عظيم. يعني: إذا وصل إلى حال مثل هذا الحال، صار شيخاً، صار كبيراً، ولا يزال والعياذ بالله يقع في الذنب والمعاصي، في الشهوات، مع ضعف دواعيها، مع ضعف دواعيها، فهذا يدل على استحكام المعصية على قلبه، وأنه صار يفعل المعصية وإن كان لا يتلذذ بها، ومع هذا يفعلها، وهذه مصيبة. كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «إن من الناس من يستمر على الذنوب والمعاصي ولا يقلع عنها، ويصر عليها ويستمر حتى صار كبيراً، ربما صار لا يتلذذ أصلاً بالمعصية، لا يتلذذ بها، لا يجد لذة لا بالنظرة ولا بالكلام، ولكن مع هذا يقع في الحرام، فلا هذا ولا ذاك، عاقبة ما وقع فيه من عدم الرجوع إلى الله جل وعلا، وبسبب إصراره على الذنب والمعصية حتى صار لا يستطيع الإقلاع عنها، وإن كان لا يجد اللذة في فعلها». فلذلك على الإنسان أن يتدارك نفسه، أن يتدارك نفسه، وأن يتقي الله عز وجل، فلا يقول: أنا شباب، وبعد إذا صرت شيخاً تركت هذا. ما يدريك يا عبد الله؟ أنت شباب وأنت على هذه الذنوب والمعاصي، فتصير شيخاً بعد ذلك، تريد أن تقلع عن هذه المعاصي، فلا تقلع عنها لأنك قد ألفتها، قد ألفتها، ومع أنك لا تجد اللذة في فعلها، ومع هذا والعياذ بالله تقع فيها. وهذا بسبب عدم مسارعتك وحرصك على نفسك من إنقاذها مما يكون سبباً في هلاكها. قال رحمه الله تعالى: «وكنت مع الصبا أهدى سبيلاً، فما لك بعد شيبك قد نكثت، قد نكثت». يعني: أنت حين كنت صبياً كنت أهدى سبيلاً، كنت على خير، كنت على صلاح، كنت على استقامة، فما لك بعد شيبك قد نكثت؟ يعني: رجعت القهقرى، ورجعت إلى الكور بعد الحور. الحور: رجعت إلى الكور، الكور بعد الحور. كان النبي عليه السلام يتعوذ من هذا، من الكور بعد الحور، أو الحور بعد الكور، يعني: من الاستقامة إلى الانحراف، ومن الثبات إلى الخروج عن الجادة، وهكذا من الفتن إلى الفتن، من عدم الفتن والتعوذ عنها إلى الوقوع فيها. فمعناه: الرجوع إلى العكس، الرجوع إلى العكس من الطاعة إلى المعصية، ومن الخير إلى الشر، ومن الاستقامة إلى الانحراف، وغير ذلك. فكان يسلّم يتعود من الحور بعد الكور. الكور: يعني بعد الثبات، كور العمامة، هذا هو كور العمامة، يعصب على، يعصب على الرأس، فيدل على ثبات هذه العمامة وتماسكها وتماسكها. وهذا جنسان: إذا كان على الثبات كان على ثبات، وكان على أمر عظيم، فهو يشد بعضه بعضاً، يشد بعضه بعضاً. لكن حار بعد ذلك ورجع إلى العكس، فهنا يذكره: كان يقول له: أنت في الصبا كنت أهدى سبيلاً، كنت على طاعة، نراك في الصف الأول، ونراك في طلب العلم، وفي حلق العلم، وفي حضور مجالس أهل العلم، وفي نصرة أهل العلم، ثبات على المنهج الحق، فما لك بعد ذلك رجعتها؟ بعد أن أخرجت الدش أرجعته، وبعد أن أخرجت التلفاز أرجعته إلى بيتك، وبعد أن تركت الغنى رجعت إليه، وبعد أن فارقت الأشرار رجعت إلى مصاحبتهم. هذا، نعوذ بالله العافية والسلامة، هذا، نعوذ بالله العافية والسلامة، خطر عظيم على العبد أن تكون البداية حسنة والخاتمة، نعوذ بالله العافية، سيئة. وهذا قد رأيناه في جماعات من الناس، ينشأون نشأة طيبة، يغبطون عليها، في المساجد، في حلق العلم، وعلى همة، وعلى همة عظيمة، وعلى أخلاق رفيعة، وعلى مصاحبة للأخيار، وبعد ذلك، نعوذ بالله العافية والسلامة، إذا هم، سبحان الله، ما تقول هذا فلان؟ والله ما تقول هذا فلان، ليعرفه، والله ما كنت تسمع منه الكلمة، ثم بعد ذلك صار، سبحان الله، يترأس المجالس بالكلام، يترأس الفتن، ويترأس المصائب، والله المستعان. فعلى العبد أن يتدارك نفسه إذا صار إلى هذا الحال، من خير إلى شر، يتدارك نفسه بالرجوع إلى ما كان عليه من الخير، وليعلم الأسباب التي كانت أسباباً في تحصيل ذلك الخير الذي كان عليه، من أين أتى، ومن أين دخل؟ مع من كان يمشي حين كان على خير، وعلى تقوى، وعلى الصلاح، وعلى استقامة؟ مع من كان يمشي؟ يرجع إليه، يرجع إليه، وعلى أي طريق كان يسير، وعلى أي منهج كان يسير؟ يرجع إليه، يرجع إليه. ما ينفعك الله لا فلان ولا علان، ما ينفعك والله، أنت كما يقال مفتي نفسك. الله جل وعلا قد جعل في قلبك واعظاً، يعبك هذا، كالميزان، الشوكة، الشوكة هذه داخل، تتحرك، تتعلم من نفسك، أحد يطلع عنه، تتعرفها، خريش من الطريق، تحرك عندك الشوكة، وانت تعلم من ذلك، تحركت الشوكة، معناه أنك لست على الجادة التي كنت عليها، تدارك نفسك، فانبي أسلم، يقول: الصدق طمأنينة، والكذب ريبة. إذا كان على الحق يعلم من نفسه، والله عنده طمأنينة قلب، طمأنينة قلب، وانشراح صدر، وأنه على الحق بحمد الله، ما عنده أدنى ريب، أدنى ريب، ما عنده. فإذا كان يشعر بهذا، الإنسان الحمد لله، لا يغالف نفسه، يقول أنه على طمأنينة الصدر وعظمة قلبه، وليس كذلك، يغالف نفسه، هو الذي يغالف نفسه، وهذا من أعظم واعظ الخير الذي جعله الله عز وجل في قلب كل عبد مؤمن، أنه يجعله جل وعلا يعلم من حال نفسه، إذا قصر في الطاعة نزل الترمومتر كما يقال، نزلت الدرجة، وهذا يشعر بها، نزلت، كانت على علو، على صعود، نزلت، بسبب تقصير في طاعة، بسبب وقوع في معصية، بسبب أكل مال حرام، بسبب كذا، بسبب كذا، بسبب كذا. يصلح ما دام أنه في هذه الدنيا، ولا يستمر على ذلك. ثم قال رحمه الله تعالى بعد ذلك: «وهأنا لم آخذ ببحر الخطايا، كما قد خطته، حتى غرقت». يعني: أنت خطت بحر الخطايا، وما من معصية إلا وقد قرعت بابها، وقعت فيها. أما أنا فلست مثلك، وإن كان ما عندي، وإن كان ما عندي من التقصير والتفريط، لكن لم آخذ ببحر من الخطايا مثل ما خطته أنت، حتى غرقت. «ولم أشرب حمية أم دفر، لعو لما أشرب الخمر هذه النتنة الخبيثة، وأنت شربتها حتى سكرت». «ولم أنشأ بعصر فيه نفع، وأنت نشأت فيه وما انتفعت». أنا نشأت، أنت بعصر فيه علم، وفيه علماء كبار، أما أنا فنشأت في وقت فيه قلة العلماء، فيه قلة العلماء. أنت ربما عاصرت مجددين، عاصرت مجددين جددوا أمر هذا الدين، عاصرت ابن باز، عاصرت الألباني، عاصرت مثلاً محمد إبراهيم، عاصرت من قبلهم، نعم. أما أنا فلم أعاصر مثل هؤلاء، عاصرت أناساً ليسوا كهؤلاء في العلم. أنت ما انتفعت مع وجود ابن باز عندك، والألباني، والوادعي، وغيرهم من كبار أهل العلم، ومن تبعهم، وأنا لم ألقَ هؤلاء، ولم أعاصر هؤلاء، عاصرت ناساً الأقل علماً منهم، ومع هذا أنت لم تنتفع، فكيف تلومني ولا تلوم نفسك؟ قال: «ولم أحلل بواد فيه ظلم، وأنت حللت فيه وانتهكت». وأنا لم أقع بواد وأحلل بواد فيه ظلم، ما أكلت مال أحد، ولا انتهكت عرض أحد، ولا قتلت نفساً، ولا قتلت، ولا قتلت نفساً، ولا فعلت كذا وكذا من الظلم. وأما أنت فقد حللت في هذا الوادي، وانتهكت الأعراض والأنفس وغير ذلك. مواطب، إن شاء الله، في درس لاحق. صلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. ترجمة نانسي قنقر، ترجمة نانسي قنقر، نانسي قنقر، اشتركوا في القناة.