كتاب الطهارة 15

الدرس في كتاب الطهارة 15، ألقاها

مقدمة في النية وأهميتها في الوضوء

النية ركن أساسي في الوضوء، ويختلف العلماء في تصنيفها بين كونها ركنا أو شرطا. الفرق بينهما يكمن في كون الركن جزءا من حقيقة الشيء بينما يكون الشرط سابقا عليه أو مبينا لحقيقته.

أركان الوضوء وشرط النية

النية شرط لصحة الوضوء وتكون بقصد العبد فعل العبادة. أقل الواجب في غسل الأعضاء هو مرة واحدة ما عدا الكفين.

مسائل الترتيب والموالاة في الوضوء

يناقش المقطع أركان الوضوء، ويتناول مسألة الترتيب بين الأعضاء ومسألة الموالاة في الوضوء. الترتيب والموالاة من أركان الوضوء عند الراجح من أقوال العلماء.

أدلة الترتيب في الوضوء وتيسير الشريعة

استدل العلماء بحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يختار الأيسر ما لم يكن إثما. هذا يدل على جواز الترتيب في الوضوء بطريقة أسهل للأمة.

  • 16 جمادى الأولى 1435هـ - 17/03/2014مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام الموفق ابن قدامة رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الفقه": قال: "والواجب من ذلك النية والغسل مرة مرة ما خلا الكفين ومسح الرأس كله". قوله رحمه الله تعالى: "والواجب من ذلك النية"، قوله "من ذلك" الإشارة عائدة على الوضوء، أي مما تقدم ذكره من أوصاف الوضوء وأعضاء الوضوء، يقول: "والواجب من ذلك" أي مما سبق ذكره النية. وكما مر معنا أن العلماء رحمهم الله تعالى في هذا الباب يطلقون الواجب ويريدون به الركن، يطلقون الواجب ويريدون به الركن، فليس الواجب في هذا الباب بمعنى الواجب الذي من تركه عامدا أو تركه ساهيا أن تلك العبادة تصح منه، ولكن الواجب هاهنا بمعنى الركن الذي يدخل في حقيقة الشيء وماهيته، ولا يصح الشيء ولا يكون له حقيقة ولا وجود إذا سقط شيء من واجباته. قوله رحمه الله تعالى: "والواجب من ذلك النية"، النية من واجبات الوضوء، ومن العلماء من يجعل النية شرطا في الوضوء، ومنهم من يجعلها ركنا من أركان الوضوء. والفرق بين الشرط والركن أن الشرط يتقدم الشيء أو يتقدم العبادات أو العمل، بخلاف الركن فإنه يكون داخلاً في ما هي الشيء وحقيقته، إذ حقيقة الشيء مكون من أركانه، بخلاف الشرط فإن الشرط أو الشروط إنما تكون في بيان حقيقة تلك الأركان وبماذا تثبت تلك الأركان. فالشرط يكون سابقاً على العمل، وأما الركن فيكون داخلاً في ما هي العمل، وأما من حيث الحكم الذي يتفقان فيه فإن الشرط والركن يتفقان في أن العبادة لا تصح إذا فقد الشرط أو إذا فقد ركنها. قال رحمه الله: "والواجب من ذلك النية" لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"، فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل الأعمال منوطة صحتها بالنية. والمقصود بالنية في الوضوء هو أن يقبل العبد على فعل تلك العبادة قاصداً لها، أن يكون قاصداً لفعل العبادة، فهذه نية الوضوء. لا يشترط في النية كما يفعله بعض الجهال يقول: لابد أن أستحضر النية، هذا فعل محدث لا دليل عليه، لأن النية ما حلها القلب، أنت ما ذهبت إلى الماء إلا لأجل أن تتوضأ، فإذاً هذه هي النية. وأقبح من ذلك ما يفعله بعض الجهال من التلفظ بالنية، بعض الناس إذا وقف عند دورة المياه عند أماكن الوضوء يبقى أولاً يستحضر النية ثم يبدأ بالتلفظ "نويت أن أتوضأ لله رب العالمين وضوءاً صحيحاً تاماً حسناً لصلاة العصر"، هذا اللفظ نص غير واحد من الأئمة أن هذا الفعل من البدع المحدثة. قوله رحمه الله تعالى: "والغسل مرة مرة"، أي من أركان الوضوء الغسل مرة مرة، أي أقل الواجب المجزئ في الوضوء أن يغسل أعضاء الوضوء مرة مرة. قال "ما خلا الكفين"، الكفين ليست من أعضاء الوضوء باعتبار الابتداء، لكن عند غسل اليدين فإنها تدخل في عموم اليدين، لأن الكفين تغسل مرتين، المرة الأولى قبل الوضوء عند إرادة الوضوء، وغسل الكفين مع اليدين إلى المرفقين هذه من أركان الوضوء. قوله رحمه الله تعالى: "ومسح الرأس كله"، ومسح الرأس كله يدخل في قوله "ما خلا الكفين"، ومسح الرأس كله هذا بناء على القول بأن مسح الرأس كله ليس بواجب، وهذا قول مرجوح، والراجح أن الواجب تعميم الرأس بالمسح. قوله رحمه الله تعالى: "وترتيب الوضوء على ما ذكرنا"، وترتيب الوضوء على ما ذكرنا هذا كذلك من أركان الوضوء، ترتيب الوضوء، وهذا كذلك ركن وقع فيه شيء من الخلاف بين العلماء. فمن أهل العلم من رأى أن الترتيب في الوضوء من أركان الوضوء، ومنهم من رأى أنه ليس من أركان الوضوء، والأظهر القول الأول بأنه من أركان الوضوء. والقائلون بركنية الترتيب استدلوا على ذلك بأدلة كثيرة، منها قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، قالوا: وجه الشاهد من الآية أن الله تبارك وتعالى ذكر في هذه الآية الأعضاء مرتبة. قوله رحمه الله تعالى: "وأن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله"، وهذه المسألة يلقبها الفقهاء رحمهم الله تعالى في كتب الفقه بمسألة الموالاة في الوضوء. ومعنى الموالاة هو أن يوالي المتوضئ بين أعضائه في الوضوء في آن واحد، بمعنى أنه لا يفصل بينها بفاصل طويل، فإذا فصل بينها بفاصل طويل وقع الخلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى في حكم ذلك الوضوء هل يصح أم لا. والراجح من أقوى العلماء أن الموالاة ركن من أركان الوضوء، يدل على ذلك ما جاء في سنن أبي داود وغيره بإسناد صحيح عن رفاعة ابن رافع رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما علمه الوضوء قال له: "توضأ كما أمرك الله"، فاغسل وجهك ويديك إلى المرفقين وامسح برأسك واغسل رجليك. وأيضا مما استدلوا به ما جاء في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها أن النبي صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، ومعلوم أن الترتيب إذا لم يكن إثما لا فعله النبي صلى الله عليه وسلم على الوجه الأيسر للأمة. والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم بحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على