الدرس في مكفرات الذنوب 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المحور مكفرات الذنوب من صلاة ركعتين بعد الذنب مع إحسان الوضوء، والمحافظة على الصلوات الخمس والجمعة ورمضان. كما يؤكد أن صيام رمضان وقيامه وقيام ليلة القدر إيماناً واحتساباً يكفر ما تقدم من الذنوب بشرط اجتناب الكبائر.
يشدد المحور على ضرورة أداء الصيام والقيام بإخلاص خالص لله تعالى دون رياء أو سمعة. ويبرز فضيلة الدعاء للمسلمين أحياءً وأمواتاً ولا سيما المستضعفين في مناطق النزاع كدليل على سلامة القلب وكمال الإيمان.
يبيّن المحور أن المتابعة بين الحج والعمرة تنفي الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد. ويختتم بالتأكيد على أن الحج المبرور يعيد المسلم كيوم ولدته أمه مغفوراً له ذنوبه وخطاياه.
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فقد أخذنا في دروس ماضية بعض مكفرات الذنوب من الأعمال الصالحة، فنواصل في ذكر بعض المكفرات الأخرى. فمن ذلك: صلاة ركعتين إذا أذنب العبد ذنبًا، وهذا يدل عليه ما رواه الإمام الترمذي في جامعه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عبد يذنب ذنبًا فيحسن الطهور، ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غفر له». تضمن هذا الحديث سببَين سابقين، وهما: إحسان الطهور، وكذلك الاستغفار، وأضاف سببًا ثالثًا وهو: صلاة ركعتين. ومن تلك المكفرات أيضًا: الصلوات الخمس. فإن ما بين الصلاتين يغفر للعبد فيهما ما أذنب بينهما، كما قال عليه الصلاة والسلام: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفراتٌ لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر». فالمحافظة على الصلوات وحضور الجمعة، وهكذا رمضان إلى رمضان، كل ذلك من مكفرات الذنوب. وهكذا من تلك المكفرات: صيام رمضان وقيامه، وقيام ليلة القدر. وكل هذه الثلاث دل عليها حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». فالمسلم يحتسب هذه النيات الطيبة لله سبحانه وتعالى: أن يصوم إيمانًا واحتسابًا، إيمانًا بفرضية الصيام، وأن الله عز وجل أوجبه على كل مسلم. وهكذا احتسابًا، أي: يرجو بذلك ثواب الله، لا يصوم رياءً ولا سمعةً ولا مجاراةً للمجتمع ولا إلى غير ذلك، وإنما صام احتسابًا لله عز وجل، رجاء أن يرحمه الله وأن يثيبه الله سبحانه وتعالى. وهكذا القيام: من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، إيمانًا بمشروعية هذا القيام وبسنيته، وهكذا احتسابًا، أي: أن يقوم لله سبحانه وتعالى. وهكذا ليلة القدر، لما خصت به من الخصائص والفضائل العظيمة، فليلة واحدة من قامها إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه. فيا لها من فضيلة عظيمة! ومن مكفرات ينبغي للمسلم أن يستشعرها وأن يطلب تلك الأجور العظيمة: دعاء المؤمنين بعضهم لبعض، أحياءً وأمواتًا. فتدعو لإخوانك المسلمين بالمغفرة، ويدل على ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. فتدعو في دعائك لإخوانك المسلمين، ولا تقتصر على الدعاء لنفسك، فأنت تدعو لهم وهم يدعون لك، فما يدريك لعل دعوتهم أرجى قبولًا من دعوتك. فيدعون لك بالمغفرة، فيغفر الله سبحانه وتعالى لك. فأكثر، بارك الله فيك، من دعاء الدعاء لإخوانك المسلمين، فيدعون لك. وهذا يدل على سلامة القلب، وعلى محبة المؤمن لإخوانه المؤمنين، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». فشارك إخوانك بالدعاء لهم في دعائك. فإذا دعوت في هذا الشهر المبارك، فادعُ لإخوانك المسلمين بالمغفرة والرحمة والنصر، خصوصًا الضعفاء منهم. كما تعلمون، الجراح في بلاد أهل الإسلام كثيرة، كثيرة وكثيرة، سواء كان في الشام أو في غيرها من البلاد. فتدعو لإخوانك المسلمين، سواء كان في فلسطين أو في سوريا أو في العراق أو في اليمن أو في غيرها من بلاد أهل الإسلام، أن الله يرحمهم، وأن الله يغفر لهم، وأن الله ينصرهم، وأن الله ينصرهم على عدوهم. وهكذا تشاركهم في دعائك، فهذا من حق المسلم على أخيه المسلم أن يفرح لفرحه وأن يحزن لحزنه. وهكذا من مكفرات الذنوب: المتابعة بين الحج والعمرة، لمن يسر الله له هذا الأمر وأكرمه بالأسباب الحسية والمعنوية لأداء هذه العبادات الجليلة، سواء كان حجًا أو عمرة. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد». إذا أراد الصائغ أو أراد كذلك الحداد أن يزيل ما به من خبث ومن أمور ليست منه، يدخل الحديد النار، فتصهره وتذهب ما به من خبث. فهكذا المتابعة بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب. الفقر: يعني وعد الله عز وجل ذلك المتابع بين الحج والعمرة بالغنى. لا تقل: أنا سأنفق كذا وكذا من المال، لعل مالي سينقص، لا، وإنما سيزيد بنص حديث النبي عليه الصلاة والسلام. فيبارك الله عز وجل لك: إن كنت تاجرًا في تجارتك، وإن كنت مزارعًا في مزرعتك، وإن كنت كذلك في غير تلك الأعمال، فالله عز وجل سيبارك لك في مالك، وسيرزقك من حيث لا تحتسب. وكذلك الذنوب فإنها تحط. ومن أتى من حج رجع كيوم ولدته أمه. نعم، رجع كيوم ولدته أمه، يعني: لا ذنوب عليه ولا خطايا. فهذه أيضًا من أعظم الأسباب، ومن أعظم المكفرات للذنوب. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.