أسباب النجاة من الفتن

الخطبة بعنوان أسباب النجاة من الفتن، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١٩ شوال ١٤٣٥هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

واجب المسلم عند انتشار الفتن: التقوى والابتعاد عن المشاركة

يؤكد الخطيب أن أول واجب عند حلول الفتن هو الالتزام بتقوى الله ومراجعة كل فعل على ضوء الشرع، مستشهداً بآيات تجعل التقوى مخرجاً وفرقاً. ويحث على اجتناب الفتنة بالجلوس في البيت وتجنب أي مشاركة بالفعل أو القول، مستنداً إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم في تفضيل القاعد على القائم.

التحذير من الفتن والوصايا النبوية والسلفية في التعامل معها

يستعرض المقطع أحاديث نبوية وآثاراً سلفية تحذر من الفتن وتأمر بلزوم البيوت وكف اللسان واليد، مبيناً أن الفتنة تنتقل من العقلاء إلى السفهاء. ويشير إلى أن أعداء الإسلام يستغلون اقتتال المسلمين، وأن ما يصيب الأمة إنما هو بذنوبها ومخالفاتها لأمر الله.

أسباب النجاة من الفتن: التوبة والعبادة ولزوم العلماء

يبيّن المقطع أن الفساد وزعزعة الأمن عقوبة من الله بسبب أعمال العباد، وأن الأمن والرزق من أعظم النعم التي تُسلب بالكفران. ويؤكد أن النجاة تكون بالتوبة والاستغفار، والإكثار من العبادة والعمل الصالح، والرجوع إلى العلماء الناصحين لأخذ الهداية عند نزول الفتن.

دعاء الختام للحفظ والأمن والسلامة

يختم المتحدث بدعاء إلى الله أن يجعلهم من المستمعين للقول المتبعين لأحسنه، وأن يجنب بلادهم الفتن الظاهرة والباطنة ويحفظ دماء المسلمين. ويسأل الله أن يشغل من أراد بسوء في نفسه وأن يجعل تدبيره تدميراً عليه، سائلاً الحفظ في الأوطان والبيوت.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إذا ذهب أو ضعف الأمن في البلاد، وسادت الفوضى بين العباد، وانتشرت الفتن من قتل وقتال وفساد، فما هو الواجب على المسلم فعله عند تلك النوازل وتلك المدلهمات؟ أيها المسلمون، عباد الله، إن من أول ما ينبغي أن يلتزمه المسلم تجاه تلك الفتن وتجاه ذلكم الذهاب للأمن والأمان أن يلتزم تقوى الله سبحانه وتعالى، أن لا يقدم على شيء ولا يحجم عنه إلا بعد أن يعرضه على دين الله وعلى شرع الله. قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: «اتقوا الفتنة بالتقوى»، فقالوا له: أجمل لنا التقوى رحمك الله، فقال: «التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله». وهكذا جاء عن الشعبي رحمه الله عامر بن شرحبيل أنه قيل له حين وقعت فتنة ابن الأشعث: أين كنت يا عامر عند حدوث هذه الفتنة؟ فقال رحمه الله تعالى: «كنت حيث قال الشاعر: عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ** وصوت إنسان فكت أطير ثم قال: أصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقيا ولا فجرة أقويا». يريد بهذا أنه أصابه شيء من الغفلة فوقع في شيء من تلك الفتنة. أيها المسلمون، عباد الله، إذا أردت المخرج والنجاة مما يغضب الله سبحانه وتعالى من الوقوع في شيء من هذه الفتن، فالزم تقوى الله سبحانه وتعالى، فإن ربك عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ تفرقون به بين الحق والباطل، بين الفتنة وغيرها. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾. إن اتقيت الله عز وجل يجعل الله سبحانه وتعالى لك نوراً تبصر به الطريق وتنجو به من الهلاك والعطب. أيها المسلمون، عباد الله، إن من تقوى الله عز وجل أن تخاف أن تتلطخ يداك بدم امرئ مسلم لا يحل لك قتله. ألم تسمع إلى ابن آدم الأول إذ قال: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. لما ضعفت التقوى والخوف من الله عز وجل في قلوب كثير من المسلمين، كثرت الفتن وانتشرت المحن، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أيها المسلمون، عباد الله، وإن من الأمور التي بها تسلم من تلك المشكلات ومن تلك الفتن المدلهمات أن تجتنب تلك الفتن وأن تبتعد عنها، وأن لا تشارك فيها لا بفعل ولا قول. يقول عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من استشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملاذاً أو معاذاً فليعذ به». فكلما كنت هادئاً، كلما كنت كذلك قليل الحركة، كلما سلمت من الفتن ونجوت منها بإذن الله سبحانه وتعالى. فالزم جوف بيتك، واحذر من أن تشارك في فتنة بيد أو لسان أو مشاركة أو تكثير سواد أو إلى غير ذلك. بل حث الشرع على أن يبتعد المسلم عن كل ما يثيره ويدفعه إلى تلك الفتن. جاء عند أبي داود أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «تكون فتنة القاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فكسروا قسيكم» - جمع قوس - «وقطعوا أوتاركم، ودقوا سيوفكم بالحجارة». كل ذلك حتى لا تستشرف لتلك الفتن. فخذ بوصية نبيك محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وجاء أيضاً عند أبي داود والإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال: كنا حول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذكر الفتنة، فقال: «أرأيتم إن كان الناس قد مرجت عهودهم» - أي اختلطت - «وخفّت أماناتهم» - أي ضعفت - «وصار الناس أو كان الناس هكذا» وشبك بين أصابعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال عبد الله بن عمر: فجئت نحو النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، كيف أفعل، كيف أفعل عند ذلك؟ جعلني الله في ذاك، أراد النجاح، أراد العلاج، أراد السلامة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «الزم بيتك، والزم بيتك، واملك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بخاصة نفسك، ودع أمر العامة، ودع أمر العامة». إنها وصايا عظيمة، إنها توجيهات نبوية سديدة، متى ما أخذ بها المسلم نجا من تلك الفتن ومن تلك المحن. أيها المسلمون، عباد الله، لقد أخذ سلفنا الصالح بما قاله عليه الصلاة والسلام وبما أوصى به. فهذا الإمام البربهاري عليه رحمة الله يقول كما في كتابه شرح السنة: «إذا وقعت الفتنة فالزم جوف بيتك، وفر من جانب الفتنة، وإياك والعصبية، وكل ما كان بين المسلمين من قتال على الدنيا فهو فتنة، فاتق الله وحده لا شريك له، فلا تخرج فيها، ولا تقاتل، ولا تهوى، ولا تشايع، ولا تمائل، ولا تحب شيئاً من أمرهم». إنها وصايا عظيمة من سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى، أخذوها واقتبسوها مما علموا من هدي نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا يقول الإمام أحمد كما في طبقات الحنابلة، يقول رحمه الله تعالى: «والإمساك عن الفتنة سنة ماضية، فواجب اللزومها، وإذا ابتليت فقدم نفسك دون دينك، فقدم نفسك دون دينك». ثم قال رحمه الله تعالى: «ولا تعن فيها بيد ولا لسان، ولكن اكفف يدك ولسانك وهواك، والله المعين، والله المعين». هكذا ينصح سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى. ولا تقل أخي المسلم: إن خروجي، إن خروجي في هذه الفتنة مع أناس عقلاء، فإن السفهاء يتخللون أولئك العقلاء، فتحصل الفتنة والشر. ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: «والفتنة إذا وقعت، والفتنة إذا وقعت، فإنها تخرج من أيدي العقلاء إلى أيدي السفهاء». وهكذا حال الفتن. ثم ذكر قول الله عز وجل: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾. ثم قال رحمه الله تعالى: «والفتنة إذا وقعت لم يسلم من التلوث بها إلا من عصمه الله، إلا من عصمه الله». إنه كلام سلفي مأخوذ من نصوص الكتاب والسنة، فينبغي علينا أيها المسلمون أن نكون عقلاً، أن نكون نهى، ألا نجعل أعداءنا يصطادون في الماء العكر. فإن أعداء الإسلام ما دخلوا على بلاد الإسلام إلا من خلال تلك الفتن، إلا من خلال إشعال الفتن بين أهل الإسلام، فيتقاتلون، ولا تدري ما هو الهدف، ما تدري ما هو الهدف، يقتل أحدهم الآخر. وصدق النبي عليه الصلاة والسلام إذ يقول: «لا يذر القاتل فيما قتل، ولا المقتول فيما قتل». ألا فلنخيب آمال أعداء الإسلام، ولنعلم أن القتال الدائر في بلادنا ليس من ورائه طائل، وإنما هي فتنة أراد أعداء الإسلام أن يدمروا بلادنا وأن يذهبوا بممتلكاتنا، فيصلطون المسلمين بعضهم على بعض، وهم في منعة وبعد يضحكون ويسخرون من أهل الإسلام. ما دخلوا على بلاد الإسلام بذباباتهم ولا بطائراتهم ولا بعددهم وعدتهم، وإنما دخلوا بالفتنة. ألا فلنحذر أيها المسلمون من تلك الفتن، ولنعقل، ولنأخذ الدروس والعبر فيما وقع في أبين، وفيما وقع في شبوة، وفيما وقع في غيرها من بلاد هذه البلاد المباركة. أسأل الله بمنه وكرمه أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد، أيها المسلمون، عباد الله، وإن مما ينبغي أن نتنبه له حيال هذه الأحداث وحيال هذه الفتن أن نعلم أن ما أصابنا فإنما هو من أنفسنا بذنوبنا ومخالفاتنا وخروجنا عن أوامر ربنا سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. فإنكم ما تشاهدونه وتلمسونه في مجتمعنا هذه الأيام من زعزعة للأمن والأمان، ومن شدة في العيش وفي المكاسب والأعمال، إن ذلك إنما هو عقوبة من الله سبحانه وتعالى بما كسبت أيدي العباد. فإن الأمن والأمان والرغد في العيش أعظم نعمتين تتمتع بها المجتمعات من نعم الدنيا، من نعم الدنيا. ولذلك امتن الله عز وجل على قريش بهاتين النعمتين، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم مبيناً عظم هاتين النعمتين على أهل البلاد والمجتمع: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. يقول الحسن البصري عليه رحمة الله، يقول: «إن الحجاج، وكان في عهده، والحجاج من هو الحجاج في ظلمه وبطشه، فكان يقول ويعظ الناس: إن الحجاج عذاب الله عليكم، فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم، ولكن بالتضرع والاستكانة». قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾. ألا فلنتضرع إلى الله سبحانه وتعالى، ولصلح من أحوالنا، فإن الله عز وجل لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، حتى يغيروا ما بأنفسهم. ألا فلنكثر من التوبة والاستغفار، ومن الإنابة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى. ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا * مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَ يَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾. وقال: ﴿وَ يَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾. أيها المسلمون، عباد الله، إننا وفي مثل هذه الفتن والمحن قد أرشدنا نبينا عليه الصلاة والسلام أن نشغل أنفسنا بما ينفعنا من الأعمال الصالحة ومن التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، فجعل العبادة في مثل هذه الفتن كهجرة إليه عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح مسلم من حديث معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه، وجاء من حديث أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «والعبادة في الهرج كهجرة إليّ». والهرج هو القتل والقتال ومقدماته من العصبيات الجاهلية ومن التكتلات الحزبية وإلى غير ذلك. ألا فلنكثر عبادة الله سبحانه وتعالى. وجاء في صحيح مسلم، في صحيح البخاري، نعم، وجاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل». نعم، أيها المسلمون، عباد الله، ألا فلنشغل أنفسنا حتى لا نشغل بهذه الفتن. اشغل نفسك بالمحافظة على الواجبات، اشغل نفسك بطلب العلم النافع، اشغل نفسك بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، بل اشغل نفسك بما ينفعك من أمور دنياك، فإنها كذلك سبب لاجتناب الفتن. فقد جاء في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «يوشك أن يكون خير مال المرء غنم يتبع به شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن، يفر بدينه من الفتن». فنفسك إن لم تشغلها بما ينفعها شغلتك بالفتن والباطل. فاحرص يا عبد الله على أن تجتنب الفتن، وأن تجتنب كل سبب أو كل أمر يوصلك إلى هذه الفتن. وأخيراً، عباد الله، في مثل هذه الفتن يجب علينا أن نرجع إلى العلماء الناصحين والدعاة المهديين، فإن الله عز وجل أمرنا بسؤالهم عند نزول الفتن في المجتمع من خوف أو أمن. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. فكم حذر علماء السنة منذ زمن قديم من الفتن، فتن التحزبات، وفتن القتل والقتال، وفتن المظاهرات، وفتن التحزب، وهكذا تكسير الممتلكات، وإلى غير ذلك من الفتن. فانظروا عاقبة عدم الاستجابة لهؤلاء العلماء الناصحين، وكيف وصل الحال بهذه البلاد، وقبلها ببلاد أخرى. ألا فلنعلم أنه لا نجاة لنا من هذه الفتن، ولا ذهاب لهذه الفتن إلا بالأخذ والصدور عن كلام العلماء الناصحين الربانيين. فأسأل الله بمنه وكرمه أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجنب بلادنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يحقن دماء المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. اللهم من أراد بلادنا بسوء فأشغله في نفسه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين. اللهم احفظنا في أوطاننا وفي بلادنا وفي بيوتنا، إنك ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.