الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 37، ألقاها
يتناول حكم التيمم للجنب والحائض لقراءة القرآن، ويوضح جواز القراءة بالتيمم دون وجوب. يشرح أيضًا حكم صلاة فاقد الطهورين.
يتناول أحكام قراءة القرآن للجنب، ويستحب قراءة القرآن في مكان نظيف مثل المسجد مع نية الاعتكاف. يذكر أيضًا اختلاف السلف في كراهية القراءة في الحمام.
يتناول حكم قراءة القرآن في الحمام والطريق، ويجوز القراءة في الطريق إذا لم يكن القارئ مشتت الذهن. الأفضل القراءة في الأماكن النظيفة.
يبين أن العمل المذكور جائز، وأن ما ورد في النص من باب الفضل. يشير إلى استغفار وتسبيح لله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه «التبيان في آداب حملة القرآن»: قال فصل في التيمم لقراءة القرآن. قال: إذا لم يجد الجنب أو الحائض ما يتيمم به ويباح له القراءة، وصلاة وغيرهما، فإن أحدث حرمت عليه الصلاة، ولم تحرم عليه القراءة والجلوس في المسجد وغيرهما، مما لا يحرم على المحدث، كما لو اغتسل ثم أحدث. وهذا مما يسأل عنه ويستغرب، فيقال: جنب يمنع من الصلاة ولا يمنع من قراءة القرآن والجلوس في المسجد من غير ضرورة، كيف صورته؟ فهذه صورته. قال: ثم لا فرق فيما ذكرنا بين تيمم الجنب في الحضر والسفر. وذكر بعض أصحاب الشافعي أنه إذا تيمم في الحضر استباح الصلاة، ولا يقرأ بعدها ولا يجلس في المسجد. والصحيح جواز ذلك كما قدمناه. ولو تيمم وصلى وقرأ، ثم رأى ما يلزم استعماله، فإنه يحرم عليه القراءة وجميع ما يحرم على الجنب حتى يغتسل. ولو تيمم وصلى وقرأ، ثم أراد تيممًا لحدث أو لفريضة أخرى أو لغير ذلك، فإنه لا يحرم عليه القراءة على المذهب الصحيح المختار. فيه وجه لبعض أصحاب الشافعي أنه لا يجوز. والمعروف الأول. أما إذا لم يجد الجنب ماء ولا ترابًا، فإنه يصلي لحرمة الوقت على حسب حاله. هذه مسألة أخرى. المسألة الأولى بالنسبة لفاقد الماء ممن يريد أن يقرأ القرآن، أليس يجب عليه أن يتيمم أم لا؟ فمن قال بأن المحدث أو الجنب والحائض لا يجوز لهما أن يقرآ القرآن أو يمسا المصحف إلا إذا تطهرا، يعني الجنب يتطهر والحائض حتى تطهر، فهؤلاء يقولون: إذا أراد الجنب أن يقرأ القرآن وليس معه ماء، أو أن الحائض طهرت من حيضها وليس ثم ماء، فماذا تصنع؟ القائلون بوجوب الطهارة لقراءة القرآن يوجبون عليه التيمم. وعلى ما مر معنا أن الصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى أن ذلك لا يجب. إن فعله حسن، وإن لم يفعله فلا شيء عليه. هذا بناء على ما تقدم. قال: أما إذا لم يجد الجنب ماء ولا ترابًا، فإنه يصلي لحرمة الوقت على حسب حاله. وهذه مسألة يسميها الفقهاء صلاة فاقد الطهورين. صلاة فاقد الطهورين، أي رجل محدث حضر وقت الصلاة، وليس معه ماء ولا عنده تراب يتيمم به، كان يكون يعني مسجونًا مقيدًا، ليس عنده ماء وليس عنده ما يتيمم به، وخشي أن يخرج الوقت، فماذا يصنع؟ يقول العلماء رحمهم الله تعالى: يصلي على حاله، يصلي على حاله، أي ولو لم يتطهر، لا طهارة ماء ولا طهارة تيمم. واستدل على ذلك بما جاء في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة من الغزوات لم يكن معهم ماء، وأدركتهم الصلاة، فتيمموا فصلوا على حالتهم قبل أن يشرع التيمم. ليس عندهم ماء فصلوا على حالهم من غير طهارة، ثم شرع الله تبارك وتعالى التيمم. فالشاهد استدل العلماء رحمهم الله تعالى بهذا الحديث على هذه المسألة: أن من لم يستطع الطهارة، لا طهارة ماء ولا طهارة تيمم، فإنه يصلي على حاله، أي ولو لم يكن على طهارة، إذا لم يكن قادرًا على الطهارة إما لعدم الماء أو التراب أو لعدم القدرة على استعمالهما. قال رحمه الله تعالى: ويحرم عليه القراءة خارج الصلاة، ويحرم عليه أن يقرأ في الصلاة ما زاد على فاتحة الكتاب. والصحيح: لا يحرم عليه شيء. قال: وهل يحرم عليه قراءة الفاتحة؟ فيه وجهان. الصحيح المختار أنه لا يحرم، بل يجب. فإن الصلاة لا تصح إلا بها. وكما جازت الصلاة للضرورة مع الجنابة، تجوز القراءة. والثاني: لا يجوز، بل يأتي بالأذكار التي يأتي بها العاجز الذي لا يحفظ شيئًا من القرآن؛ لأن هذا عاجز شرعًا، فصار كالعاجز حِسًا. والصواب الأول. الصواب كما سمعتم: أنه يقرأ الفاتحة وجوبًا، ويقرأ ما تيسر من القرآن استحبابًا. قال رحمه الله تعالى: وهذه الفروع التي ذكرتها يحتاج إليها، فلهذا أشرت إليها بأوجز العبارات. وإلا فلها أدلة وتتمات كثيرة معروفة في كتب الفقه. والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: فصل في أماكن قراءة القرآن. ويستحب أن تكون القراءة في مكان نظيف مختار. ولهذا استحب جماعة من العلماء القراءة في المسجد؛ لكونه جامعًا للنظافة وشرف البقعة، ومحصنًا لفضيلة أخرى، وهي الاعتكاف. فإنه ينبغي لكل جالس في المسجد أن ينوي الاعتكاف، سواء كثر جلوسه أو قل. وهذا على القول الصحيح في المسألة: من أن الاعتكاف ليس له زمن محدود، بل أطلق ما يسمى اعتكافًا، فإنه يصح فيه الاعتكاف على الصحيح من أقوال العلماء. يدل عليه ما ثبت عند ابن أبي شيبة وغيره عن يعلى بن أمية رضي الله عنه وأرضاه قال: «كنت إني لأمر بالمسجد - أو قال: لأمكث بالمسجد - وما أريد إلا الاعتكاف ساعة». فدل هذا على أن السلف رضي الله عنهم وأرضاهم كانوا يعتبرون الاعتكاف في أدنى مدة يصح فيها هذا المسمى. قال رحمه الله تعالى: بل ينبغي أول دخوله المسجد أن ينوي الاعتكاف. هذا الأدب ينبغي أن يعتنى به، ويشاع ذكره، ويعرف الصغار والعوام؛ فإنه مما يغفل عنه. لأن الإنسان إذا فعل هذا تحصل على عبادة الاعتكاف إلى جانب عبادة القراءة في المسجد، فيجد كما يقال ثوابًا فوق ثوابه. وذلك يتحصل بمجرد النية. قال: وأما القراءة في الحمام، فقد اختلف السلف في كراهيتها. والمراد بالحمام الأماكن التي يغتسل فيها مما يوجد فيها الماء الحار. وليس المراد بالحمام ما نسميه نحن اليوم الحمام، يسمى في اللغة وشرع الكنيف أو مكان الخلاء أو بيت الخلاء. فمقصود بالحمام المستحم، المكان الذي يدخله الناس للاستحمام بالماء الحار. قال: وأما القراءة في الحمام، فقد اختلف السلف في كراهيتها. فقال أصحابنا: لا يكره. ونقل الإمام المجمَع عليه جلالته أبو بكر ابن المنذر في «الإشراف» عن إبراهيم النخعي ومالك، وهو قول عطاء: أي أن هذا القول هو قول هؤلاء. قال: وذهب إلى كراهيته جماعة منهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، رواه عنه ابن أبي داود. وحكاه ابن المنذر عن جماعة من التابعين منهم أبو وائل شقيق بن سلمة، والشعبي، والحسن البصري، ومكحول، وقبيصة بن ذؤيب. ورويناه أيضًا عن إبراهيم النخعي. وحكاه أصحابنا عن أبي حنيفة رضي الله عنهم أجمعين. قال الشعبي: «تكره قراءة القرآن في ثلاثة مواضع: في الحمامات، والحشوش - الحشوش هي الخلاء، أي أمكنة قضاء الحاجة، الذي نسميها نحن اليوم بالحمامات - هي تسمى حشوشًا». قال: «وفي سوق، وفي الحمامات المغتسل في الماء الحار». قال الله جل وعلا: ﴿فِي مَاءٍ حَمِيمٍ﴾ وهو حمام من الماء الحميم، أي الماء الساخن. قال رحمه الله تعالى: وعن أبي ميصرة - وهو كذلك أحد التابعين من كبار التابعين، عمر بن شراحبيل - قال: «لا يذكر الله تعالى إلا في مكان طيب». والله أعلم. وأما القراءة في الطريق، فالمختار أنها جائزة، غير مكروهة إذا لم يتلها صاحبها. فإن التهى عنها كرهت، كما كره النبي صلى الله عليه وسلم القراءة للناعس؛ مخافة من الغلط. وروى ابن أبي داود عن أبي الدرداء رضي الله عنه: أنه كان يقرأ في الطريق. وعن عمر بن عبد العزيز رحمه الله: أنه أذن فيها. قال ابن أبي داود: وحدثني أبو الربيع قال: أخبرنا ابن وهب قال: سألت مالكًا عن الرجل يصلي من آخر الليل، فيخرج إلى المسجد وقد بقي من السورة التي كان يقرأ فيها شيء، فقال: «ما علمت أن القراءة تكون في الطريق». وكره ذلك. وهذا إسناد صحيح عن مالك رضي الله عنه. والحاصل في هذه المسألة في الأمكنة التي يقرأ فيها القرآن: أن الأولى كما ذكر رحمه الله تعالى أن يقرأ في الأمكنة النظيفة المهيئة التي فيها يجتمع قلب العبد، يكون مستحضرًا للقراءة، متدبرًا لما يقرأه، حتى يورثه تلك القراءة خشية وتعظيمًا وإجلالًا ومحبة لله رب العالمين جل وعلا. هذا من حيث الأفضل. فإن قرأها على غير هذه الحال، قرأها في الطريق، قرأها في مجلس، في بيته، على أية حالة كان، فإنه جائز؛ لحديث عائشة رضي الله عنها في مسلم: قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله في كل أحيانه». وجاء عنها رضي الله عنها كذلك أنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يتكئ في حجري وأنا حائض، فيقرأ القرآن». فدل هذا على جواز ذلك، لكن من حيث الأفضلية وإلى غير ذلك، فهذا كما سمعتم من باب الفضل، ولا ينافي الجواز. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.