التبيان في آداب حملة القرآن 53

الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 53، ألقاها

أحكام قراءة القرآن في الصلاة ووجوب الفاتحة

يوجب قراءة الفاتحة في كل ركعة بإجماع العلماء، ويستحب قراءة سورة بعدها في ركعتي الصبح والأوليين من الصلوات الأخرى. هناك خلاف حول قراءة سورة بعد الفاتحة في الركعتين الثالثة والرابعة.

تطويل القراءة في الركعة الأولى واستحباب قراءة السورة للمسبوق

يستحب تطويل القراءة في الركعة الأولى أكثر من الثانية، وهناك خلاف حول ما إذا كانت السورة في الركعة الأولى تطول أكثر من السورة في الركعة الثانية. يُستحب للمسبوق قراءة السورة إذا أدرك الركعتين الأخيرتين.

حكم قراءة الفاتحة والسورة في الصلاة الجهرية والسرية

قراءة الفاتحة واجبة في الصلاة الجهرية سواء سمع المأموم قراءة الإمام أم لا. يُبيّن حكم قراءة السورة مع الفاتحة في الصلاة الجهرية.

حكم من لم يحسن القراءة في الصلاة وتصرفه

إذا لم يحسن المصلي القراءة، فيمكنه التوقف عند قدر ما قرأ ثم الركوع. يُختتم بالتكبير والشهادتين والاستغفار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه «التبيان في آداب حملة القرآن»: قال فصل في أحكام نفيسة تتعلق بالقراءة في الصلاة، أبالغ في اختصارها؛ فإنها مشهورة في كتب الفقه، أي أنه يتعرض هاهنا إلى أحكام ومسائل متعلقة بالقراءة، ولا يطيل في الكلام عليها ولا في الاستدلال لها؛ لأنها مشهورة معلومة في كتب الفقه. قال رحمه الله تعالى: منها أنه تجب القراءة في الصلاة المفروضة بإجماع العلماء، أي أن الصلاة تجب فيها القراءة، وهذا كما ذكر بإجماع قراءة القرآن. قال: ثم قال مالك والشافعي وأحمد وجماهير العلماء: تتعين قراءة الفاتحة في كل ركعة. وقال أبو حنيفة وجماعة: لا تتعين الفاتحة أبدًا. قال: ولا تجب القراءة في الركعتين الأخريين. وصواب الأول؛ فقد تظاهرت عليه الأدلة من السنة. ويكفي من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن». وهذا كما ذكر المخرج؛ رواه ابن خزيمة وابن حبان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. وجاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، «لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب أو بأم القرآن». وكذلك جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة: «أيما صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج»، إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة. وهذا هو القول الصحيح: أن الفاتحة تجب في كل ركعة من ركعات الصلاة. وهذا القول الذي عليه جماهير العلماء رحمهم الله تعالى، خلافًا لأبي حنيفة. وأبو حنيفة يستدل بقول الله جل وعلا: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، ولكن هذه الآية مطلقة، قيدتها السنة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». قال رحمه الله تعالى: وأجمعوا على استحباب قراءة السورة بعد الفاتحة في ركعتي الصبح والأوليين من باقي الصلوات، واختلفوا في استحبابها في الثالثة والرابعة. وللشافعي فيها قولان: الجديد أنها تستحب، والقديم أنها لا تستحب. قال رحمه الله تعالى: قال أصحابنا: وإذا قلنا تستحب، فلا خلاف أنه يستحب أن تكون أقل من القراءة في الأوليين. قالوا: تكون القراءة في الثالثة والرابعة سواء. بمعنى أن قراءة السورة في الركعة الأولى والثانية يستحب أن تكون أطول من ركعة الثالثة والرابعة على القول باستحبابها. وكذا القراءة في الركعة الأولى يستحب أن تكون أطول من قراءة في الركعة الثانية، على ما يأتي ذكره بإذن الله تبارك وتعالى، بخلاف الثالثة والرابعة على القول باستحباب السورة مع الفاتحة؛ فإنهما ينبغي أن تكونا سواء. قالوا: هل تطول الأولى على الثانية؟ أي إذا قرأ سورة مع الفاتحة في الركعة الأولى وسورة مع الفاتحة في الركعة الثانية، فهل يستحب أن تطول السورة في الركعة الأولى؟ قال: فيه وجهان. أصحهما عند جمهور أصحابنا أنها لا تطول. والثاني: وهو الصحيح عند المحققين أنها تطول، وهو المختار. أي: وهو الصحيح أنه يستحب أن تطول القراءة في الركعة الأولى، وأن تكون الركعة الثانية دونها في القراءة؛ للحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطول في الأولى ما لا يطول في الثانية. والحديث في الصحيحين من حديث أبي قتادة رضي الله عنه وأرضاه، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين، قال: يطول في الأولى ويقصر في الثانية، ويسمع الآية أحيانًا». فهذه سنة من السنة: أن القارئ في الصلاة يستحب له أن يطيل القراءة في الركعة الأولى، وأن تكون الركعة الثانية دونها في القراءة؛ لحديث أبي قتادة المذكور، وهو في الصحيحين. قال رحمه الله تعالى: فائدته: أي فائدة تطويل القراءة في الركعة الأولى دون الثانية؛ قال: فائدته أن يدرك المتأخر الركعة الأولى، والله أعلم. بمعنى أن الإمام إذا أطال في الركعة الأولى كان هذا سببًا لإدراك المسبوق الركعة الأولى، قال: بخلاف ركعة الثانية؛ فليس كذلك. أي: ليس فيها هذا المعنى. قال: قال الشافعي رحمه الله: وإذا أدرك المسبوق مع الإمام الركعتين الأخريين من الظهر أو غيرها، ثم قام إلى الإتيان بما بقي عليه، يستحب له أن يقرأ السورة. أي: لو أن المسبوق الذي فاتته بعض الركعات مع الإمام دخل مع الإمام مثلاً في صلاة الظهر أو في صلاة العشاء، والإمام في الركعة الثالثة، فهل يستحب له أن يقرأ السورة مع الإمام؟ إن أدرك الركعتين الأخيرتين، فعليه أن يأتي بما فاته. يقول الشافعي رحمه الله تعالى: يستحب له ذلك. وهذه المسألة مبنية على المسألة السابقة، وهي: هل يستحب أن تقرأ سورة مع الفاتحة في الركعة الثالثة أو الرابعة؟ على القول بالاستحباب يبقى الاستحباب على أصله، وعلى القول بعدم الاستحباب كذلك يبقى عدم الاستحباب على أصله. قال رحمه الله تعالى: قال الجماهير من أصحابنا: هذا على القولين. أي: كما ذكر. قال: وقال بعضهم: هذا على قوله يقرأ السورة في الأخرين. وأما عن الآخر فلا. وصواب الأول: ألا تخلو صلاة من سورة، والله أعلم. قال: هذا حكم الإمام والمنفرد. أما المأموم، فإن كانت الصلاة سرية كصلاة الظهر والعصر، وجبت عليه الفاتحة، واستحب له السورة. وإن كانت جهرية، فإن كان يسمع قراءة الإمام، كره له قراءة السورة. وهذا كما قال: يعني لو كانت صلاة جهرية، فلا يستحب للمأموم أن يقرأ سورة مع سورة الفاتحة، بل ينبغي له أن يقتصر على قراءة سورة الفاتحة في الصلاة الجهرية كصلاة المغرب والعشاء؛ لما جاء في الحديث حينما سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً كان يقرأ معه في الصلاة، فقال: «من ذا الذي كان ينازعني القراءة في الصلاة؟» فقال بعضهم: أنا. فقال: «إن كان ولابد، فاقرءوا بأم القرآن». قال رحمه الله تعالى: وفي وجوب الفاتحة قولان: أي في الصلاة الجهرية إذا كانت الصلاة جهرية، هل يجب قراءة الفاتحة أم لا؟ يقول: فيها قولان. أصحهما: تجب. والثاني: لا تجب. وإن كان لا يسمع القراءة، فالصحيح وجوب الفاتحة واستحباب السورة. وقيل: لا تجب الفاتحة. وقيل: تجب ولا تستحب السورة، والله أعلم. وصحيح أنها تجب الفاتحة في الصلاة الجهرية، سمع الإمام أو لم يسمع الإمام. قال: وتجب قراءة الفاتحة؛ يعني تجب لما تقدم من أدلة؛ من أنها من أركان الصلاة: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». قال: وتجب قراءة الفاتحة في التكبيرة الأولى من صلاة الجنازة. وأما قراءة الفاتحة في صلاة النافلة فلابد منها، وهذا كذلك؛ بل هي ركن من أركانها. قال: واختلف أصحابنا في تسميتها فيها. فقال القفال: تسمى واجبة. أي: اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في قراءة الفاتحة في الصلاة: ما حكمها؟ قال: فقال القفال -وهو المروزي- من الشافعية: تسمى واجبة. وقال صاحب القاضي حسين: تسمى شرطًا. وقال غيرهما: تسمى ركنًا، وهو الأظهر، والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: والعاجز عن الفاتحة في هذا كله يأتي ببدلها. يعني لو أن إنسانًا لا يستطيع أن يقرأ الفاتحة، فماذا يصنع؟ يقول: يأتي ببدلها. فماذا يصنع؟ قال: فيقرأ بقدرها من غيرها من القرآن. رجل حديث عهد بإسلام، مثلاً ما حفظ الفاتحة، لكن يحفظ مثلاً سورة «قل هو الله أحد» أو سورة أخرى صغيرة، ماذا يفعل؟ يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: إن لم يستطع قراءة الفاتحة، قرأ ما تيسر من القرآن. قال: فإن لم يحسن أن يقرأ شيئًا من القرآن، وهذا قد يتصور في إنسان أسلم مثلاً، أسلم وحضر وقت الصلاة وهو لم يحفظ شيئًا من القرآن، فماذا يصنع؟ هل نقول له: لا تصلي؟ أو نقول له: صلي وافعل كذا وكذا؟ قال رحمه الله تعالى: فإن لم يحسن أتى بقدرها من الأذكار. قال: كالتسبيح والتهليل ونحوهما. أي: قالوا له: اقرأ الفاتحة. إذا كان الوقت ضيق، يقال له: ماذا تقول؟ الله أكبر، سبحان الله؛ بدلا من قراءة الفاتحة. قال: فإن لم يحسن شيئًا، أي: أن يكون رجل مثلاً أعجميًا، تقول له: يقول سبحان الله. يقول لك: إيش معنى سبحان الله؟ ما يفهم شيئًا. ماذا يصنع؟ قال: فإن لم يحسن شيئًا، وقف بقدر القراءة ثم يركع. والله أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. الله أكبر. لا إله إلا الله. محمد رسول الله.

شاركنا على