الدرس في الأمثال في القرآن الكريم 17، ألقاها
يشرح المقطع الأمثال التي ضربها الله في القرآن للكافرين والمؤمنين، حيث ضرب مثلين للكافرين بامرأتي نوح ولوط، ومثلين للمؤمنين بامرأة فرعون ومريم ابنة عمران. يبين أن قرابة الكافر للمؤمن لا تنفعه أمام عذاب الله.
لا تنفع القرابة أو الصلة بين الكافر والمؤمن يوم القيامة، حيث العمل الصالح هو ما ينفع الإنسان، كما هو موضح في أمثلة نوح وإبراهيم وامرأة فرعون. يُظهر ذلك أهمية الإيمان والعمل الصالح.
يضرب الله مثلا للمؤمنين بامرأة فرعون ومريم عليها السلام، حيث برأهما الله من اتهامات الكفار، مما يدل على أن الإيمان يحمي صاحبه من آثار الكفر والمعاصي. يُظهر ذلك قوة الإيمان في حماية المؤمنين.
المؤمن لا يتأثر بقرابته من الكافر إذا ثبت على إيمانه، وقد انتهينا من ذكر الأمثال التي وردت في القرآن الكريم. يُظهر ذلك أهمية الثبات على الإيمان رغم الظروف المحيطة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن من الأمثال التي ضربها الله جل وعلا في القرآن، ضرب الله جل وعلا مثلين في حق الكافرين، ومثلين في حق أهل الإيمان. قال الله جل وعلا: ﴿ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغني عنهما من الله شيئا وقيل دخول النار مع الداخلين﴾، وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت: «رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين»، ومريم ابنة عمران «التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين». فالله عز وجل ضرب أولا مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط، هذان مثلا فيمن كفر، وكانت له صلة وعلاقة وارتباط من صلة نسب أو قرابة نكاح أو مصاهرة. وأن هذه العلاقة والصلة التي تكون للكافر مع المؤمن، أنه لا تنفعه شيئا، لا تنفعه شيئا ولا تدفع عنه عذاب الله، ولا ترفع عنه عقوبة الله سبحانه وتعالى، ولو كانت قرابته لبعض أهل الإيمان، بل ولو كانت لبعض الأنبياء، فإن ذلك لا يغني شيئا. ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط، كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين، فهما نبيان صالحان كريمان، فخانتاهما يعني في الكفر وعدم الإيمان. فلم يغني عنهما من الله شيئا، يعني لم يغني نوح عن امرأته، ولم يغني لوط عن امرأته، ولم يستطع أن يدفع عنها عذاب الله، ولم تنفعهما قرابتهما منهما. فلم يغني عنهما من الله شيئا، وقيل: «دخل النار مع الداخلين»، فكان مصيرهما إلى النار والجحيم. إذا لا تنفع قرابة الكافر بالمؤمن، وذلك لا يدفع عنه عذاب الله جل وعلا، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير﴾، وقال جل وعلا: ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾، وقال جل وعلا: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾، وقال جل وعلا: ﴿فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾. لا تنفع الأنساب والقرابات والصلات التي تكون في الدنيا بين الكافر وبين أهل الإيمان. ولذلك لم يغني نوح عليه السلام عن ابنه شيئا، نوح نبي ورسول، وابنه كافر، فهلك مع الهالكين. ما أغنى عنه نبوة أبيه. وهكذا أيضا ما أغنى إبراهيم عن أبيه شيئا، إبراهيم عليه السلام نبي، هو أبو الأنبياء، وأبوه كافر، ما نفعت قرابته لإبراهيم عليه السلام. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيح: «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه»، من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه، يعني من ترك الأعمال وترك الإيمان وترك الطاعة، وهو له نسب وقرابة بالنبي عليه الصلاة والسلام، أو بغيره من الأنبياء والصالحين، ما نفعه ذلك. فنسبه لا يقربه إلى الله، ولا ينجيه من عذاب الله سبحانه وتعالى. وإنما الذي ينفع الإنسان عمله، فإذا أبطأ به العمل لم يسرع به النسب. من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه. وهكذا العكس، إذا كان المؤمن له صلة بالكافر، ما ضره ذلك، ما ضره كفر هذا الكافر إذا تركه وترك عمله، كما في المثلين الآخرين اللذين ضربهما الله جل وعلا في حق المؤمن. وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون، امرأة فرعون مؤمنة تقية صالحة، وفرعون جبار من الجبابرة، وطاغية من الطغاة. هل ضرها قرابتها منه، وكونها زوجة له؟ الجواب: لا، ما ضرها ذلك. بقيت على إيمانها وثبتت حتى ماتت على ذلك. وضرب الله عز وجل بها المثل في الإيمان والثبات والصدق. وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت: «رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين». دعت الله عز وجل أن ينجيها من هذا الطاغية ومن عمله وكفره وطغيانه. فما ضرها ذلك؟ ما ضر هذه المؤمنة كفر هذا الطاغية مع كونها زوجته؟ فلا يضر إيمان المؤمن قرابته من الكافر إذا تركه وكفره وعمله. ثم ضرب الله جل وعلا مثلا آخر كذلك لأهل الإيمان ممن لا قرابة له بمؤمن أو كافر، وهي مريم عليها السلام. ومريم ابنة عمران «التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين». مريم عازبة لم تكن متزوجة، ونفخ الله عز وجل من روحه في مريم حتى حملت بعيسى عليه السلام. واتهمها اليهود بما اتهموها به من البهتان والكذب والافتراء مما براها الله سبحانه وتعالى منه. وهل ضرها ذلك؟ الجواب: ما ضرها. وأخبر الله جل وعلا بإيمانها وصلاحها وتقواها، وأنها من القانتين لله جل وعلا الطائعين له، وأنها محصنة أحصنت فرجها، لم تكن زانية ولا فاجرة كما رماها من رماها بذلك من اليهود. وهذه كما قال ابن القيم رحمه الله: إن كانت هذه الآيات نزلت بعد قصة الإفك، ففيها تسلية لعائشة رضي الله عنها مما اتهمها به أهل الإفك من الكذب والبهتان والافتراء. فالله عز وجل يسليها بذلك. وهذه مريم قد اتهمت بهذا الاتهام، وقد براها الله جل وعلا. وما ضرها ذلك مع صلاحها وتقواها. وإن كان ذلك قبل حادثة الإفك، ففيه توطئة لمثل هذا الأمر، أن تعلم أن هناك من قد رمي بذلك. مع أنها ليست بذات زوج، عائشة رضي الله عنها اتهمت بالإفك والبهتان وهي متزوجة، ومريم اتهمت بذلك وهي غير متزوجة. ولا شك أن هذا أعظم، هذا أعظم. ومع ذلك قد براها الله جل وعلا كما برأ عائشة رضي الله تعالى عنها. فالحاصل أن في هذه الأمثال بيان أن الكافر إذا أتى بالمعاصي والذنوب وترك الإيمان، وكانت له صلة وقرابة بأهل الإيمان، ما نفعه ذلك. وأن المؤمن إذا كانت له قرابة وصل بالكافر، ما ضره ذلك إذا ثبت على إيمانه وترك كفر هذا الكافر وعمله، لم يضره ذلك شيئا. وهذه الأمثال هي آخر الأمثال التي ضربها الله جل وعلا في كتابه الكريم. وبهذا نكون انتهينا من ذكر هذه الأمثال التي نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن عقلها وفهمها، ونسأله سبحانه أن يفقهنا في الدين وأن يعلمنا التأويل. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.