الدرس في الأمثال في القرآن الكريم 7، ألقاها
المقطع الأول يشرح مثلًا ضربه الله لبيان الحق من الباطل في نزول الوحي والقرآن، ويقارن بين نزول المطر الذي يحيي الأرض وتسيل به الأودية، وبين نزول القرآن الذي يحمل الحق والهداية.
الوحي يشبه بنزول المطر، وقلوب العباد بالأودية، حيث تحمل القلوب الكبيرة علما كثيرا وتتخلص من الشهوات والشبهات كما يتخلص الماء الصافي من الزبد، والقلوب تختلف في مقدار ما تحمله من العلم كما تختلف الأودية في مقدار ما تحمله من الماء.
الله يضرب مثلاً للمقارنة بين الحق والباطل، حيث يشبه تنقية المعادن بالنار لاستخراج ما هو نافع منها، كما يصف تنقية القلوب من الشهوات والشبهات لتبقى على الإيمان الخالص والعلم النافع، و يبين أن الباطل يزول بينما يبقى الحق وينتفع به الناس.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾. هذا المثل ضربه الله جل وعلا في بيان الحق من الباطل، وهذا المثل ضربه الله جل وعلا لإنزاله للوحي والقرآن كإنزال المطر الذي تحيا به الأرض وتسيل بنزوله الأودية. وهكذا نزول القرآن والوحي، أنزل من السماء ماء، فسالت أودية بقدرها، يعني كل واد على حسب كبره وصغره، فواد كبير يحمل ماء كثيرا، وواد صغير يحمل ماء قليلا. ثم إذا سالت هذه السيول، فإنها تجرف معها الزبد الذي يظهر على أعلى السيل مما لا ينتفع به ولا يستفاد منه، ثم يضمحل ويزول ويذهب، ولا يبقى إلا الماء الصافي النقي الذي ينتفع به الناس فيسقون ويزرعون. فشبه الله جل وعلا القرآن والوحي بنزول المطر، وشبه قلوب العباد بالأودية، فقلب كبير يحمل علما كثيرا مما أنزل الله جل وعلا من القرآن والهدى والوحي، وقلب صغير يحمل علما قليلا، كحال الأودية، الواد الكبير يحمل الماء الكثير، وهكذا القلب الكبير يحمل علما كثيرا، والقلب الصغير يحمل علما قليلا كالوادي الصغير يحمل ماء قليلا. ثم هذا القرآن والوحي الذي يقع في قلوب العباد يزيل ما في هذه القلوب من الزبد الذي هي الشهوات والشبهات، يزيلها ويصفيها وينقيها ويبعدها عن القلب حتى يكون القلب صافيا نقيا ليس فيه إلا الإيمان الخالص والعلم النافع الذي ينتفع به صاحبه. هذا المثل المائي والمثل الناري، قال الله جل وعلا: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾، يعني كذلك أيضا مما يوقد الناس عليه في النار من الحديد والنحاس والذهب والفضة ونحوها من هذه المعادن، فتوضع في النار فيخرج هذه النار زبد هذه المعادن، يخرج زبدها الذي لا ينتفع به، فتصفيه وتنقيه، فلا يبقى إلا الذهب الصافي أو الفضة أو الحديد أو النحاس الذي ينتفع به. وهكذا أيضا كما سمعنا العلم والإيمان الذي يكون في قلوب العباد، فتصفى هذه القلوب من الشهوات ومن الشبهات، فلا يبقى فيها إلا الإيمان الخالص والعلم النافع الذي ينتفع به صاحبه وينتفع به الناس. كذلك يضرب الله الحق والباطل، أي أن الباطل يذهب ويضمحل ويزول وينتهي، والحق باق وعال وهو الذي ينتفع به، ينتفع به العباد في الدنيا وفي الآخرة. كذلك يضرب الله الحق والباطل، فأما الزبد فيذهب جفاء، يذهب وينتهي ويزول ويضمحل، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، ما ينتفع به الناس من هذه السيول الذي تجرف الغث والسمين، فتذهب هذا الزبد ويزول وينتهي، وينتفع الناس بالماء الصافي النقي. وهكذا الباطل يضمحل ويذهب ويزول، وينتفع الناس بالحق والهدى والنور الذي أنزله الله جل وعلا، فيحصل به النفع في الدنيا وفي الآخرة. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.