الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 69، ألقاها
يتناول شرحًا لحقيقة الشر وكونه يرجع إلى العدم، أي عدم الخير وأسبابه. يُفصّل أن الشر نسبي وإضافي، ويتعلق بوضع الشيء في غير محله.
الخير والشر يختلفان باختلاف الاعتبارات، وأفعال الله تعالى كلها خير ورحمة وعدل. ما قد يكون شرًا بالنسبة لشخص ما قد يكون خيرًا باعتبار آخر.
يناقش مسألة نسبة الشر إلى الله تعالى، ويوضح أن الشر يعود إلى العدم. حكمة الله تقتضي التفاوت بين المخلوقات، وكراهية العبد للمعاصي لا تنافي رضاه بقضاء الله وقدره.
يُفضل التخلص من القدري المنكر على الجبري، وأهل السنة يتوسطون بين الفريقين. يُوضح المنهج المتبع في التعامل مع الفرق الضالة وكيفية التخلص منها.
قال الشارح رحمه الله تعالى: فإن قيل: فإذا كانت هذه الأسباب مرادة لما تفضي إليه من الحكم، فهل تكون مرضية محبوبة من هذا الوجه، أم هي مسخوطة من جميع الوجوه؟ قيل: هذا السؤال يرد على وجهين: أحدهما من جهة الرب تعالى، وهل يكون محبًا لها من جهة إفضائها إلى محبوبه، وإن كان يبغضها لذاتها؟ والثاني من جهة العبد، وهو أنه هل يسوق له الرضا بها من تلك الجهة أيضًا؟ فكما مر معنا في الدرس الماضي أن هذا السؤال هو كما قال: سؤال ذو شأن. قول هذا القائل: فإذا كانت هذه الأسباب مرادة لما تفضي إليه من الحكم، أي أنها مرادة لغيرها. كما مر معنا في الدرس الماضي أن المراد قد يكون مرادًا لذاته، وقد يكون مرادًا لغيره، وإن كان في ذاته ليس بمراد. فالآن سائل يسأل أو مستشكل يستشكل يقول: إذا نظرنا بالاعتبار الثاني، أي ما كان مرادًا لغيره، بهذا الاعتبار، أي في حال كونه مرادًا لغيره، يقول: فهل تكون مرضية محبوبة من هذا الوجه؟ أم هي مسخوطة من جميع الوجوه؟ قال: هذا السؤال يرد على وجهين، أي أن له موردين باعتبار رب جل وعلا، والمورد الثاني باعتبار العبد. باعتبار الرب وباعتبار العبد، فلذا قال: هذا سؤال يرد على وجهين: أحدهما من جهة الرب تعالى، وهل يكون محبًا لها من جهة إفضائها إلى محبوبه؟ يقول: من جهة الرب تعالى، وهل يكون محبًا لها، أي الرب جل وعلا، من جهة إفضائها إلى محبوبه، أي أنها مفضية إلى شيء محبوب إلى الله جل وعلا، وإن كان يبغضها لذاتها. فقال: والثاني من جهة العبد، وهو أنه هل يسوق له الرضا بها من تلك الجهة أيضًا؟ قال: فهذا سؤال له شأن. قال رحمه الله تعالى: فعلم أن الشر كله يرجع إلى العدم، أعني عدم الخير وأسبابه المفضية إليه، وهو من هذه الجهة شر. قوله رحمه الله تعالى: فعلم أن الشر كله يرجع إليه، يرجع إلى العدم، أن الشر كله يرجع إلى العدم. الألف واللام ها هنا المقصود بها عدم معين مقصود، وهو قال: أعني عدم الخير وأسبابه المفضية إليه. فالعدم ها هنا بمعنى عدم الخير وأسبابه المفضية إليه، أي إلى الخير. قال: وهو من هذه الجهة شر، إذن المقصود بالشر عدم الخير والأسباب. قال: وأما من جهة وجوده المحض، فلا شر فيه؛ لأن باعتبار إيجاده، هو أن الله جل وعلا هو الذي أوجده. فبهذا الاعتبار، بقطع النظر عما تعلق به من أسباب وأمور، هو خير؛ لأن الإيجاد، أي كون الشيء موجودًا، خير من كونه معدومًا. قال: وأما من جهة وجوده المحض، فلا شر فيه. مثاله أن النفوس الشريرة وجودها خير من حيث هي موجودة، وإنما حصل لها الشر بقطع مادة الخير عنها. فإنها خلقت في الأصل متحركة، فإن عينت بالعلم وإلهام الخير تحركت به، وإن تركت تحركت بطبعها إلى خلافه. وحركتها من حيث هي حركة خير، وإنما تكون شرًا بالإضافة، لا من حيث هي حركة. والشر كله ظلم، وهو وضع الشيء في غير محله. فلو وضع في موضعه لم يكن شرًا. فعلم أن جهة الشر فيه نسبية إضافية. قال: مثاله أن النفوس الشريرة، كما ضربنا مثال لذلك بإبليس -نعوذ بالله منه-، قال: وجودها خير من حيث هي موجودة، أي وجود هذه الذات من حيث هي، باعتبار الإيجاد، الإيجاد الإلهي لها، هو خير؛ لأن الموجود خير من المعدوم. ثم يقول: وإنما حصل لها الشر بقطع مادة الخير عنها، بقطع مادة الخير عنها. قطع مادة الخير عنها معناه قطع العون والتوفيق عنها. قال: فإنها خلقت في الأصل متحركة، أي أن هذه النفس الموجودة الشريرة، أو قل الموجود المتحرك، وجد من حيث هو متحرك. فيقول: فإن أعينت، أي تلك النفس، بالعلم وإلهام الخير تحركت به؛ لأنها قابلة للتحرك. فإن ألهمت بالخير تحركت إليه، وإن أعينت إلى الخير أو إلى الخير أيضًا تحركت به، فكانت بهذا الاعتبار خيرًا، باعتبار ذاتها وباعتبار حركتها. قال: وإن تركت، أي تركت فمنع عنها التوفيق والعون، قال: تحركت بطبعها إلى خلافه، خلاف الخير، ما هو؟ الشر؛ لأن المحل لا بد أن يكون به أحد الضدين، فإن لم يوجد الخير، لا بد أن يوجد الشر، والعكس بالعكس. قال: وحركتها من حيث هي حركة خير؛ لأن فيها معنى من معاني الكمال. فهي أكمل مما لا يقبل الحركة، وخير مما لا يقبل الحركة. قال: وإنما تكون شرًا بالإضافة، أي شر الذي يحصل لها شر إضافي نسبي، أي بالنسبة لما قامت به تلك النفس من الأعمال المخالفة للخير، وهو الشر. قال: والشر كله ظلم، وهو وضع الشيء في غير محله. وماذا؟ هو الظلم، وفي مقابله العدل والحكمة، وهو وضع الشيء في محله المناسب له، وهو الخير كله. قال: ولهذا كانت العقوبات الموضوعة في محالها خيرًا من نفسها، وإن كانت شرًا بالنسبة إلى المحل الذي حلت به. قال: فلو وضع الشر في موضعه المناسب لم يكن شرًا، وإنما لو وضع في غير مكانه المناسب كان شرًا؛ لأنه ظلم، والظلم كله شر، وعكسه العدل والحكمة، وكلها خير. قال: فعلم أن جهة الشر فيه نسبية إضافية، أي أن الشر في تلك النفوس الشريرة إنما هو نسبي إضافي. قال: ولهذا كانت العقوبات الموضوعة في محلها خيرًا في نفسها، وإن كانت شرًا بالنسبة إلى المحل الذي حلت به. مثال ذلك: الإنسان إذا سرق، فقطعت يده، قطع اليد باعتبار حكم الله جل وعلا بقطع يد السارق، هو خير؛ لأن الله جل وعلا حكمه كله خير ورحمة وعدل. لكن إذا نظرنا إلى المفعول به، وهو السارق، هل هو شر أو خير أن تقطع يده؟ شر. لكن هل هو شر محض؟ لا، ليس بشر محض. قال: فعلم من هذا أن الفعل الواحد قد يكون خيرًا باعتبار، وقد يكون شرًا باعتبار آخر. قال: وإذا نظر إلى ذلك الشر وذلك الخير، لوجد أن بينهما من الفارق والفضل والمصلحة والحكمة ما الله جل وعلا به عليم. قال: وتأمل معي إلى قول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾، حياة يدل على أن القصاص، وهو النفس بالنفس، العين بالعين، الأنف بالأنف، الأذن بالأذن، إلى غير ذلك من الأمور، من حيث هي، إذا نظر إليها الإنسان، إنسان تضرب عنقه لأنه قتل إنسان، باعتبار ذلك الإنسان المقتول، خير أو شر؟ شر. أم لا؟ لكن باعتبار فعل الله جل وعلا، وحكم الله جل وعلا بذلك الحكم، هو خير أم لا؟ هو خير. قال: بل هو باعتبار ذلك المفعول فيه هو خير؛ لأنه قد يكون سببًا لتطهيره من ذنبه الذي ارتكبه. قال: ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب، كلمات يسيرات، ولكن فيها معاني عظام جليلة. قال: فتأمل معي إلى قول الله جل وعلا في كتابه الكريم، يدل على أن الحياة كل الحياة في القصاص، مع أنهم باعتبار مفعول به شر. قال: إذن نتوصل إلى أمر وهو أنه إن كان شرًا باعتبار، لكن ما يترتب عليه من الخير ومن المصالح العظام والحكم الباهرة التي تعجز عنها العقول، يعلم أنها خير. قال: وأن الله جل وعلا لا يفعل شرًا محضًا، سبحانه وتعالى، لا يفعل شرًا محضًا، بل الخير كل الخير فيما فعله الله جل وعلا وأوجده. قال: أعلم الخلق بربه -صلوات الله وسلامه عليه-، والخير بيديه، والشر ليس إليه. قال: فقوله رحمه الله تعالى: فعلم أن جهة الشر فيه نسبية إضافية، يعني بعد أن قال: والشر كله ظلم، ووضع الشيء في غير محله، فلو وضع فيه موضعه لم يكن شرًا. قال: فعلم أن جهة الشر فيه نسبية إضافية. قال: ولهذا كانت العقوبات الموضوعة في محالها خيرًا في نفسها، أي في نفس تلك العقوبة، وإن كانت شرًا بالنسبة إلى المحل الذي حلت به. قال: وانظر معي أيضًا إلى معنى آخر ليس من باب العقوبات، ولكن من باب آخر، وهو إنسان حصل في بعض أعضائه مرض، وجب أو أوجب عليه الأطباء أن يقطع ذلك العضو، وإلا فسد الجسد كله. قال: فماذا يختار؟ سيختار قطع ذلك العضو، وإن كان في نفسه قد يشعر فيه بالألم والحزن، وهو شر بهذا الاعتبار بالنسبة لذلك الإنسان. قال: ولكن لما ترتب عليه من المصالح العظام، كان خيرًا. قال: فصار ذلك الألم شرًا بالنسبة إليه، وهو خير بالنسبة إلى الفاعل، وهو الله جل وعلا، حيث وضعه في موضعه؛ فإنه سبحانه لم يخلق شرًا محضًا من جميع الوجوه والاعتبارات؛ فإن حكمته تأبى ذلك. قال: فإن قيل: لم تنقطع نسبته إليه خلقًا ومشيئة؟ قيل: هو من هذه الجهة ليس بشر؛ فإن وجوده هو المنسوب إليه، ومن هذه الجهة ليس بشر. قال: والشر الذي فيه من عدم إمداده بالخير وأسبابه، والعدم ليس بشيء، والعدم ليس بشيء حتى ينسب إلى من بيده الخير. قال: فإن قيل: لم تنقطع نسبته إليه خلقًا ومشيئة، أي وإن انقطعت باعتبار التوفيق، فلم تنقطع باعتبار الخلق والإيجاد. قال: قيل: هو من هذه الجهة، أي من جهة خلقه، من جهة كونه مخلوقًا لله، وأن الله جل وعلا شاء منه ذلك الفعل، قيل: هو من هذه الجهة ليس بشر. قال: فإن وجوده هو المنسوب إليه، أي وجود ذلك المخلوق هو المنسوب إلى الله جل وعلا، ووجود ذلك الفعل كذلك هو الذي ينسب إلى الله جل وعلا. قال: وهو من هذه الجهة ليس بشر، أي من هذه باعتبار الإيجاد، وباعتبار الحركة التي خلقها الله جل وعلا لذلك العبد. قال: والشر الذي فيه من عدم إمداده بالخير وأسبابه، واضح. قال: والعدم ليس بشيء، ليس بشيء حتى ينسب إلى من بيده الخير. قال: فإن أردت مزيد إضاح لذلك، فاعلم أن أسباب الخير ثلاثة: الإيجاد، والإعداد، والإمداد. قال: فإيجاد هذا خير، وهو إلى الله، أي منسوب إلى الله؛ لأنه خير. قال: وكذلك إعداده وإمداده، أي إن أعده الله جل وعلا وأمده، أي أمد العبد بالتوفيق والخير والإلهام، ووفقه إلى ذلك، وهيأ فيه أسباب ذلك، فهو من خير. قال: فإن لم يحدث فيه إعداد ولا إمداد، حصل فيه الشر؛ بسبب هذا العدم الذي ليس إلى الفاعل، وإنما إليه ضده. قال: فإن قيل: هل لا أمده إذ أوجده؟ قيل: ما اقتضت الحكمة إيجاده وإمداده، وإنما اقتضت إيجاده وترك إمداده. قال: فإيجاده خير، والشر وقع من عدم إمداده. قال: فإن قيل: فهل لا أمد الموجودات كلها؟ فهذا سؤال فاسد؛ يظن مورده أن التسوية بين الموجودات أبلغ في الحكمة، وهذا عين الجهل. قال: بل الحكمة في هذا التفاوت العظيم الذي بين الأشياء، وليس في خلق كل نوع منها تفاوت. قال: فكل نوع منها ليس في خلقه تفاوت، والتفاوت إنما وقع لأمور عدمية لم يتعلق بها الخلق. قال: وإلا فليس في الخلق من تفاوت؛ فإن اعتاص عليك هذا ولم تفهمه حق الفهم، فراجع قول القائل: إذا لم تستطع شيئًا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيعه. قال: كيف يرضى لعبده شيئًا ولا يعينه عليه؟ قيل: لأن معاناته عليه قد تستلزم فوات محبوب له أعظم من حصول تلك الطاعة. قال: وقد يكون وقوع تلك الطاعة منه يتضمن مفسدة هي أكره إليه سبحانه من محبته لتلك الطاعة. قال: وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم﴾، ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم﴾. قال: فأخبر سبحانه أنه كره انبعاثهم إلى الغزو مع رسوله، وهي طاعة، فلما كرهه منهم ثبطهم عنه. قال: ثم ذكر سبحانه بعض المفاسد التي تترتب على خروجهم مع رسوله، فقال: لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا، أي فسادًا وشرًا. قال: ولأوضعوا خلالكم، أي سعوا بينكم بالفساد والشر، يبغونكم الفتنة، وفيكم سماعون لهم، أي قابلون منهم مستجيبون لهم. قال: فيتولد من سعي هؤلاء وقبول هؤلاء من الشر ما هو أعظم من مصلحة خروجهم، فاقتضت الحكمة والرحمة أن أقعدهم عنه. قال: فاجعل هذا المثال أصلًا وقس عليه. قال: وأما الوجه الثاني، وهو الذي من جهة العبد، فهو أيضًا ممكن، بل واقع؛ فإن العبد يسخط الفسوق والمعاصي، ويكرهها من حيث هي فعل العبد واقعة بكسبه وإرادته واختياره. قال: ويرضى بعلم الله وكتابه ومشيئته وإرادته وأمره الكوني، فيرضى بما من الله، ويسخط ما هو منه. قال: فهذا مسلك طائفة من أهل العرفان. قال: وطائفة أخرى كرهتها مطلقًا، وقولهم يرجع إلى هذا القول؛ لأن إطلاقهم للكراهة لا يريدون به شموله لعلم الرب وكتابه ومشيئته. قال: وسر المسألة أن الذي إلى الرب منها غير مكروه، والذي إلى العبد مكروه. قال: فإن قيل: ليس إلى العبد شيء منها؟ قيل: هذا هو الجبر الباطل الذي لا يمكن صاحبه التخلص من هذا المقام الضيق. قال: والقدري المنكر أقرب إلى التخلص منه من الجبري، وأهل السنة المتوسطون بين القدرية والجبرية أسعد بالتخلص من الفريقين.