الدرس في التعليق على كتاب العبودية لشيخ الإسلام 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول تعريف العبادة عند السلف وأهل السنة كما ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية، ويبرز أهمية العبادة وكونها الغاية المحمودة التي خلق الخلق من أجلها. العبادة تشمل كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة.
يشرح أهمية العبادة ويربطها بخلق الخلق وأمر الله تعالى، ويوضح أن العبادة تتضمن الذل والمحبة لله تعالى، وأنها تشمل الأعمال الظاهرة والباطنة. العبادة الحقة تكون لله وحده.
يشرح أن العبادة الحقة لا تكون إلا لله وحده، ويشير إلى إقرار المشركين بربوبية الله تعالى مع شركهم في عبادته. الآيات القرآنية تبين إقرارهم بربوبية الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نبدأ في هذا الكتاب كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالته «العبودية»، أو «القاعدة الجليلة في العبادة». وهذه الرسالة تكلم فيها الشيخ في مفهوم العبادة عند السلف وأهل السنة، وذكر أيضًا تعاريف بعض الفرق، وخاصة الصوفية، وبين أن تعريفهم للعبادة غير صحيح. وأيضًا أتبع ذلك بعض المسائل. ولأن الكتاب كبير والمدة يسيرة، فإن شاء الله تعالى نجعله مثل التلخيص لما يذكر الشيخ رحمه الله. وعلى أن نعلق على بعض الأشياء، وكذلك نلخص بعد ذلك مجمل الكلام، لأن من قرأ في هذا الكتاب يجد أنه مجزأ إلى ثلاثة أجزاء. فلهذا تجد أن الجزء الأول في مفهوم العبادة وأمثلتها، وكذلك أهمية العبادة. قال بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين. سئل شيخ الإسلام ناصر السنة، فريد وقته، وبحر العلوم، كنز المستفيدين، وبقية المجتهدين، الإمام الحجة الرباني، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية -أدام الله علوه وقدره في الدارين، وجعله يتسنم ذروة الكمال- تسنمًا، يعني: يعلم ذروة الكمال مشروح الصدر، قرير العين، عن مهمات من جملتها قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُم﴾، فما العبادة؟ وفروعها؟ وهل مجموعة الدين داخل فيها أم لا؟ وحقيقة العبودية؟ وهل هي أعلى المقامات في الدنيا والآخرة أم فوقها شيء من المقامات؟ ليبسط القول، هذا السؤال وجه للشيخ رحمه الله عليه. قال: فأجاب رحمه الله: الحمد لله رب العالمين. العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، كالصلاة والزكاة والصيام والحج والصدقة، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين والمملوك من الآدميين والبهائم. والدعاء والذكر والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة. هذا التعريف الذي عرفه شيخ الإسلام -رحمه الله- أن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من أشمل التعريف ومن أدقها، إذ لا تجد شيئًا يخرج عن هذا التعريف. لأن هذا التعريف يشمل كل عبادة من الواجبات والمستحبات، كما ستذكره إن شاء الله تعالى. فله، تدخل فيه كل عبادة يحبها الله. وأيضًا الدليل على محبة الله عز وجل أنه شرعها. وهذا المشيئة الشرعية، أو أقصد الإرادة الشرعية. الإرادة الشرعية: هو ما شرعه الله عز وجل. المراد به المحبة. وكل ما يحبه الله شرعه للناس، وكل ما شرعه الله عز وجل فهو يحبه. فقال: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه. ثم ذكر الأعمال الباطنة والظاهرة. فذكر أولًا الظاهرة، كالصلاة والزكاة والصيام والحج، إلى أن قال: والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة. ثم قال: وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك هي العبادة. معنى هذه أيضًا ذكر العبادات الباطنة. قال: وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحمودة لله والمرضية له التي خلق الخلق لها. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون﴾. وبها أرسل جميع الرسل، كما قال نوح لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم لقومهم. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُون﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون﴾. كما قال أيضًا في الآية الأخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيم﴾. قال: وجعل ذلك لازمًا لرسوله صلى الله عليه وسلم إلى الموت، كما قال جل وعلا: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِين﴾. قالوا: بذلك وصف ملائكته وأنبياءه. فقال جل وعلا: ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَمَن عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُون﴾. ثم ذكر الآيات التي فيها العبادة. وهذا المقطع الذي ذكره الشيخ هنا يتكلم الشيخ على ثلاث مسائل. يتكلم الشيخ هنا في هذا الكلام على ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تعريف العبادة. والمسألة الثانية: فروعها. والمسألة الثالثة: أهمية العبادة. فأما تعريف العبادة كما ذكر الشيخ: هو اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، كالصلاة والزكاة والصيام والحج إلى آخره. وذكر فروعًا وأمثالًا للعبادات. وهذا يدلنا على أن العبادة أو تعريف العبادة هنا بالنسبة للفعل، تعريف العبادة بالنسبة لفعل العبد. وأما بالنسبة للمفعول، فالعبادة أصلا هي غاية الذل والمحبة. العبادة هي غاية الذل والمحبة، كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «عبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده، هما قطبان، فلو قال: كيف هذا؟ كيف ابن القيم يقول: أن العبادة هي الحب والذل؟ شيخ الإسلام يقول: اسم جامع لكل ما يحب الله ويرضاه؟ نقول: أن كلام شيخ الإسلام في تعريف العبادة بالفعل، في تعريف العبادة بالفعل. إيش فعل العبادة؟ العبادة إما أن تكون ظاهرة أو باطنة، اسم لكل ما يحب الله من الأعمال الظاهرة والباطنة. هذا أفعال، هذا تعريف بالفعل. والتعريف بالمفعول ما هو؟ أصل العبادة ما هو مفعولها؟ هي الذل والمحبة. هي الذل والمحبة. فمفعول العبادة هو الذل والمحبة، هذا التعريف بالمفعول. والتعريف بالفعل: هي اسم لكل ما يحبه الله ويرضى من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. فهذا الآن الفرق بين التعريف بالفعل والتعريف بالمفعول. وهذا التعريف بالفعل هو تعريف الألوهية، هو تعريف العبادة التي يعبد الله عز وجل بها. لكن ما هي هذه العبادة؟ ما هي أصلها؟ هي الذل والمحبة. فلهذا يقال: طريق المذلل معبد، أي مذلل. مذلل أو معبد كلها بمعنى واحد، لأن العبادة من التذلل والخضوع. فلهذا قال: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، لكل ما يحبه الله ويرضاه. معنى ذلك: يدخل في هذا الواجبات والمستحبات، كما هو معلوم أن الأحكام التكليفية تقسم إلى خمسة أقسام، معروفة عند الأصوليين: أن الأحكام هناك أحكام تكليفية، وهي فعل العبد. وأحكام وضعية، التي تكون محاطة بالعبادة، إما أسباب، وإما شروط، وإما كذا. فالأحكام التكليفية هي خمسة: الواجب والمستحب والمباح والمكروه والحرام. فالذي يدخل في العبادة إيش هو؟ الواجب والمستحب. الذي يدخل في العبادة هو الواجب والمستحب، المأمور به حتمًا والمأمور به ليس حتمًا. أو يقولون: المأمور به على سبيل الجزم، أو المأمور به على غير سبيل الجزم، أنه الواجب والمستحب. فكل واجب في الشرع، وكل مستحب في الشرع، فهو عبادة لله جل وعلا. والأمر الثاني وهو فروع العبادة، فروع العبادة تنقسم إلى قسمين: عبادة ظاهرة، وعبادة باطنة. عبادة ظاهرة، وعبادة باطنة. فذكر الشيخ أمثال العبادات الظاهرة، وذكر أمثال العبادات الباطنة، أعمال القلوب، الأعمال الواجبة والمستحبة، الأعمال الواجبة والمستحبة. ثم لما انتهى من الكلام على فروع العبادات، ذكر أهمية العبادة. فمن أهمية العبادة: أن الله عز وجل خلق الخلق لأجل العبادة. ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون﴾، هذا من أهمية العبادة. الأمر الثاني: أنه أرسل الرسل بهذه العبادة، بها أرسل جميع الرسل. ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت﴾. وقال الله عز وجل: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. كل نبي يقول لأمته مثل هذا الكلام. قال هود وصالح وشعيب وغيرهم لأقوامهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. أيضًا كذلك. ومن أهمية العبادة: أن كمال العبادة أن العبد لا ينفك عنها حتى الموت، هذا من كمالها. ولهذا أمر الله عز وجل بها رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الموت: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِين﴾. ومن أهمية هذه العبادة: أن الله عز وجل وصف بها ملائكته وأنبياءه. وصف الله عز وجل بها ملائكته وأنبياءه: ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَمَن عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُون﴾. فأيضًا قال الله عز وجل: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين﴾. هذا أيضًا يبين أن الذي لا يعبد الله فهو مستكبر، فهو مستكبر. المتواضع لله هو الذي يعبد الله. وهذا من أهمية العبادة. أيضًا من أهمية العبادة: أن الله عز وجل نسب أخص عباده إليه. إن عباده ليس لك عليهم سلطان، إلا من اتبعك من الغاوين. وقال الشيطان: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين﴾﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِين﴾. وأيضًا من أهمية العبادة: أن الله عز وجل نسبها إلى النبي عليه الصلاة والسلام في أفضل المواضع، أفضل المواضع نسبها إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فقال: فنسبها في مكان الدعوة، ولما قام عبد الله يدعوه. ونسبها أيضًا في نزول الكتاب: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا﴾﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾. فذكره في أعظم المقامات، وذكره بالعبودية. ولما نسب بني إسرائيل إلى عيسى أنه ابن الله، فقال الله عز وجل: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيل﴾. ولهذا قال: ذكر الشيخ في الحديث أيضًا الذي أخرجه الإمام البخاري: «عن عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». ثم ذكر المؤلف رحمه الله أيضًا من أهمية العبادة: أن جبريل لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في سورة «عرابي» وسأله عن الإسلام والإيمان، فذكر الإسلام والإيمان، وهو العبادات، عبادات الظاهر وعبادات الباطن. فقال في آخره: «هذا جبريل، أو هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم». قال الشيخ: فجعل هذا كله من الدين. والدين يتضمن معنى الخضوع والذل، يقال: «دِنْتُه فَدَان»، أي: ذللته فذل. ويقال: «نَدِينُ اللهَ ونَدِينُ للهِ»، أي: نعبد الله ونطيع ونخضع له. فالدين هو: يأتي بمعنى الذل والخضوع، كما جاء في الحديث: «لا يدان لهم»، أن لا يستطيعون، أو من ذلهم وخضوعهم. وأيضًا كذلك: «مالك يوم الدين»، أي: يوم الجزاء. يأتي بمعنى الدين بمعنى الجزاء. فيأتي بمعنى الذل والخضوع، ويأتي بمعنى الجزاء والأعمال. فقال هنا الشيخ: فدين الله عبادته وطاعته والخضوع له. والعبادة أصل معناها الذل. أيضًا يقال: «طريق معبد»، إذا كان مذللًا قد وطئته الأقدام. لكن العبادة المأمور بها: فتضمن معنى الذل ومعنى الحب. فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة له. فإن آخر مراتب الحب هو التتيم. الآن الشيخ رحمه الله ذكر: أن أصل معنى العبادة هو الذل والمحبة، ما تكون عبادة إلا بذل ومحبة. كيف هذا؟ هل هذا ينافي الأول؟ لا، لا ينافي. ذاك بالنسبة للفعل، فهذا: هي اسم لكل ما يحبه الله. لكن بالنسبة للمفعول، العبادة التي تفعل: لابد أن يتحقق فيها الذل والخضوع والمحبة والتعظيم. هذه العبادة التي تفعل. مثلًا إنسان الآن يريد يصلي الصلاة، هذه لابد أن يتحقق فيها الذل والخضوع لله عز وجل والمحبة له. إذا جاء إنسان مثلًا صام، صام، لكن ليس عن محبة لله عز وجل، ولا ذل وخضوع لله، وإنما صام لأجل أنه مثلًا قال له الدكتور: صم لأجل شفاء مثلًا بعض الأمراض. فيصوم لأجل المرض، ليس محبة في العبادة، ولا خضوعًا لله عز وجل، أنه يحب هذا الصوم. فهذا ليس عبادة لله. فهذا ليس عبادة لله الصوم، وإنما لأجل أنه يشتفي مثلًا من المرض. فهذا ما يسمى عبادة. لماذا؟ لأنها لم تقع، لم يكن فيها ذل ومحبة وخضوع. فلهذا فالعبادة تحتاج إلى ذل ومحبة وخضوع. قال أيضًا: قالوا: معنى الحب، فهي تتضمن غاية ذل لله تعالى بغاية المحبة. فإن آخر مراتب الحب هو التتيم. أوله العلاقة، لتعلق القلب بالمحبوب. ثم الصبابة، لانصباب القلب إليه. ثم الغرام، هو الحب اللازم للقلب. ثم العشق، وأخطره التتيم. هذا الذي يكون بين البشر. وكذلك أيضًا غالبًا ما يكون فيها مشارك. وأما إذا كانت بدون مشارك، فهي الخلة، التي هي أعظم مراتب المحبة. الخلة: وهي أعظم مراتب المحبة. فالمحبة لها مراتب: أولها العلاقة، كما ذكر الشيخ: أن يتعلق القلب بالمحبوب. ومن ثم بعد ذلك الصبابة، من صبابة القلب إليه. والغرام، وكذلك قبله المودة. المودة: الود أو المودة. وثم العشق، أو قبله الشغف. وبعده العشق، الذي يكون بشهوة. ثم التتيم. ثم بعد ذلك التعبد. وهنا الآن ذكر الشيخ هذه الأشياء: المحبة التي تكون بين الناس. لأنه التعبد لا يكون إلا لله. وهي مرتبة فوق التتيم، يقال: «تيم الله»، يعبد الله. فالمتيم: المعبد لمحبوبه. ومن خضع الإنسان مع بغضه له، لا يكون عابدًا، ولو أحب شيئًا ولم يخضع له، لم يكن عابدًا له. كما قد يحب ولده وصديقه، وهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله. بل يجب أن يكون الله أحبه للعبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء. بل لا يستحق المحبة والذل التام إلا الله. لا أحد يستحق المحبة والذل التام إلا الله سبحانه وتعالى. فإن حصل لبشر، فإنه قد اتخذه شريكًا مع الله. قالوا: كل ما أحب لغير الله، فمحبته فاسدة. وما أعظم بغير أمر الله، كان تعظيمه باطلًا. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾. قال: فحبس المحبة يكون لله ورسوله. ولا رضا لله ورسوله. والله ورسوله حق ويرضونه. ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله. فيبين الشيخ هنا: أن العبادات لابد أن تكون بذل وخضوع. فإذا لم تكن بذل وخضوع، فلا تكون عبادة. لا تكون عبادة. لكن إن قدم محبة هذه الأشياء الثمانية التي ذكرها الله عز وجل: الأب، الآباء والأبناء والإخوة والأزواج والعشيرة والأموال والتجارة والمساكن. هذه ثمانية أشياء ذكرها الله عز وجل. فإن كانت هذه أحب إليه من الله ورسوله وجهاد في سبيله، قال الله عز وجل: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾. قال رحمه الله: قال: وأما العبادة وما يناسبها من التوكل والخوف ونحو ذلك، فلا يكون إلا لله وحده. يعني: أن العبادة التي تكون فيها محبة وخوف وذل وخضوع، هذه لا تكون إلا لله. فإن كانت لغير الله، فهو شرك بالله جل وعلا. قال: كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُون﴾. وقال تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾. وأما الحسب، وهو الكافي، فهو الله وحده. يعني: أن الشيخ يريد أن يبين: أن بعض العبادات لابد أن تكون لله وحده. فلا أحد يكفي العبد إلا الله سبحانه وتعالى. فلا يقول مثلًا لإنسان: «حسبي فلان». لا يقول شخص مثلًا: «أحتسب لفلان»، أو «حسبي فلان». هذا قطًا، إلا إن كان أراد بالحسب هنا الاعتماد فقط، أو الاكتفاء فقط، ليس العبادة القلبية. وأما إن أراد العبادة القلبية كذلك، وهو أنه كافي، فإن هذا شرك بالله. فلهذا هنا الشيخ يقول: أن الحسب الله عز وجل. يقول: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُون﴾. لم يقول: «حسبنا الله ورسوله». لم يقول: «حسبنا الله ورسوله». قالوا: لو أنهم رضوا ما أتاهم الله ورسوله. رضوا ما أتاهم الله ورسوله. وقالوا: «حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله». فالإيتاء يكون من الله، ومن الرسول، هذا ما في شيء. لكن الحسب ما يكون إلا لله. الحسب ما يكون إلا لله. فهو كافي عباده سبحانه وتعالى. ليس الله بكاف عبده. قالوا: ﴿مَا أَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُو﴾. قالوا: وأما الحسب، وهو الكافي، فهو الله وحده. كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين﴾. أي: حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين. ومن فسرها بأنه: «حسبك الله وحسبك من اتبعك من المؤمنين»، هذا خطأ. هذا خطأ. وإنما التفسير لهذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين﴾، أي: وحسب من اتبعك من المؤمنين. وليس المراد هنا: أن الواو عاطف على الله. وإنما الواو هنا عاطف على حسب. يا أيها النبي حسبك الله، وحسب من اتبعك. فقال: «حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين». وليس المراد: «حسبك الله وحسبك من اتبعك من المؤمنين». لا، هذا خطأ. فأراد أن يبين الشيخ: أن الحسب هنا إن هو عبادة لله جل وعلا. قال: ومن ظن أن المعنى: «حسبك الله والمؤمنون معه»، فقد غلط غلطًا فاحشًا، كما قد بسطناه في غير الموضع. قال الله عز وجل: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾. وتحرير ذلك: مع أن بعض الآيات الظاهر خطأ، الظاهر قد يكون من النساخ. قد عندكم: «صحيحة أليس بكاف عبده؟» أنا عندي: «أليس بكاف عبده؟» قال: وتحرير ذلك: أن العبد يراد به العبد الذي عبده الله، فذلله ودبره وصرفه. وبهذا الاعتبار لجميع المخلوقين. وهذا العبد الذي يسميه العلماء: العبد المسير. قال: «عباد الله من الأبرار والفجار والمؤمنين والكفار وأهل النار»، إذ هو ربهم كلهم ومليكهم، لا يخرجون عن مشيئته وقدره وكلماته التامة التي لا يجاوزها برون، الأفاجر. فهذا عبادة التسيير. فكل العباد مسيرون، معناه: أنهم معبدون لله جل وعلا، شاءوا أم أبوا. وإن كل من في السماوات ومن في الأرض إلا آتى الرحمن عبدًا. فكلهم عبيده، المؤمنون والكفار. لأنه خلقهم سبحانه وتعالى. قال: ﴿فَمَا شَاءَ كَانَ وَإِن لَّمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ﴾. وعن هذا ينسب للشافعين. قالوا: كما قال الله عز وجل: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُون﴾. كل من في السماوات والأرض أسلم له، لأنه ملكه جل وعلا. فهو مليكهم، وهو المتصرف فيهم. فهنا العبادة: عبادة التسيير، التي هي قهر الله عز وجل عباده، وأنه هو المتصرف فيهم. قال: فهو سبحانه رب العالمين وخالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم ومقلب قلوبهم ومصرف أمورهم، لا رب لهم غيره، ولا مالك لهم سواه، ولا خالق إلا هو. سواء اعترفوا بذلك وأنكروا، وسواء علموا ذلك وجهلوا. لكن أهل الإيمان منهم علموا ذلك واعترفوا به، بخلاف من كان جاهلًا بذلك، أو جاحدًا له، مستكبرًا على ربه، لا يقر ولا يخضع له، مع علمه بأن الله ربه وخالقه. فهذه الأشياء التي لا بد للعبد أن يؤمن بها. لكن الفرق بين الكافر والمسلم: أن الكافر لم يعترف بها، والمسلم وأهل الإيمان اعترفوا بذلك. بخلاف من كان جاهلًا بذلك، وجاحدًا له، مستكبرًا على ربه، لا يقر ولا يخضع له، مع علمه بأن الله ربه وخالقه. قال: فالمعرفة بالحق إذا كان ذلك مع الاستكبار عن قوله والجحد له، كان عذابًا على صاحبه، كان عذابًا على صاحبه. كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِين﴾. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُون﴾. وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُون﴾. فهي كانت عن جهل واشتكبار، فيعتبر الرجل كافرًا، لكن اعترف بعبودية الله جل وعلا. وأما أهل الإيمان: اعترفوا بعلم وهدى. قال: فإذا عرف العبد أن الله ربه وخالقه، وأنه مفتقر إليه، وأنه مفتقر إليه ومحتاج إليه، عرف عبوديته المتعلقة بربوبية الله. وهذا العبد: يسأل ربه ويتضرع له ويتوكل عليه. لكن قد يطيع عمره، وقد يعصيه. وقد يعبده مع ذلك، وقد يعبد الشيطان والأصنام. ومثل هذه العبودية: لا تفرق بين أهل الجنة وأهل النار. ولا يصير بها الرجل مؤمنًا، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُّشْرِكُون﴾. لأن هذا الخضوع الذي يكون للعبد، لأن الله عز وجل متصرف فيه، فهذا ليس باختياره. هذا ليس باختياره. بل أخضعه الله عز وجل، وهو ملك لله. لكن ممكن أن يعبد الله، ممكن ما لا يعبده. ممكن يطيع الله، ممكن ما لا يطيعه. فالفرق بين المؤمن والكافر في هذا: أنه كما قال الشيخ: من عبد الله عز وجل وآمن بالله، فهذا المؤمن. وإلا لا فرق بين هذا وهذا في عبادة التسيير. قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُّشْرِكُون﴾. فإن المشركين كانوا يقرون أن الله خالقهم، وهم يعبدون غيره. يقرون بهذا الأمر. لكن يشركون بعبادة، يقرون بالربوبية، ويشركون في الألوهية. قال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون﴾﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُون﴾﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم﴾﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُون﴾﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون﴾﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُون﴾. قالوا: كثير من الذين يتكلمون في الحقيقة ويشهدونها، يشهدون هذه الحقيقة، وهي الحقيقة الكونية التي يشترك فيها وفي شهودها ومعرفتها المؤمن والكافر والبر والفاجر. وإبليس معترف بهذه الحقيقة. قال إبليس: ﴿رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون﴾. هذه الحقيقة كثير معنى، وهي الحقيقة الكونية. وهو: كل شيء يقع بإذن الله ومشيئته، لا يقع في الكون إلا ما كان بإذن الله، وما قرره الله عز وجل. ومن ذلك: دخول إبليس النار. فإبليس معترف بهذه الحقيقة. قال إبليس: ﴿رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون﴾. وقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين﴾. وقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين﴾. وقال: ﴿رَأَيْتُكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّ