الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 124، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
لا تجوز إعانة أهل البدع والكفار في أعيادهم، ويُحرّم بيع أو شراء ما يستخدم في شعائرهم الكفرية. يُشترط لجواز البيع ألا يكون مما يستعمل في شعائر كفرهم.
يُحرم إعانة الكفار في أعيادهم، لكن يجوز قبول هداياهم إذا لم تكن شعارًا لهم. حكم الهدية في العيد وغيره سواء، ولا يجوز بيع أو شراء ما يستخدم في شعائرهم.
يُحرّم أكل ذبائح المجوس لأنهم وثنيون يعبدون النار. هناك خلاف حول جواز أكل ذبائح أهل الكتاب إذا ذبحت لأعيادهم أو تقربًا إلى غير الله.
سيتم تناول مسائل فقهية معينة لاحقاً في درس قادم بإذن الله تعالى، مما يشير إلى استمرارية البحث في القضايا الفقهية ذات الصلة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فأقول: تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على مسألة إعانة أهل البدع، بل وإعانة النصارى والكفار في شعاراتهم في أعيادهم، فذكر أنه لا يجوز. لكن هل يجوز إعانتهم في البيع والشراء؟ فإن كان هذا الذي يبيعونه ويشترونه شيئًا يستفيدون منه في أعيادهم، فهذا لا يجوز؛ لأنه إعانة لهم. أما الطعام واللباس والشراب، فبيعه مختلف فيه بين العلماء إذا كان في نفس الأعياد. وأما إذا كان في غير الأعياد أو في غير الأماكن الخاصة بالأعياد واشتروا، فهذا جائز. وأما إنسان يتقصد البيع والشراء في مثل هذه الأعياد، أعياد الكفار والمشركين، فإن هذا من تكثير سوادهم الذي لا يجوز. قال: نعم، لو باعهم المسلم ما يتخذونه صليبًا أو شعانينا ونحو ذلك، كالشعانين -وهو عيد النصارى-، فهنا قد باعهم ما يستعينون به على نفس المعصية. ومن نصر التحريم يجيب عن هذا بأن شعار الكفار علامة ودلالة على كفرهم، وجه نهيه في دين الإسلام، وما فيه إذلال للكفر وصغار، فهذا إذا اتبعوه كان ذلك إعانة على ما يأمر الله به ورسوله. فإننا نحن نأمرهم بلباس الغيار، ولباس الغيار يعني اللباس الذي يغاير لباس المسلمين. ووجه نهيه عنه هو ما فيه إعلاء للكفر وإظهار له. معنى ذلك: إذا كان هذا اللباس الذي سيلبسونه يغاير لباس المسلمين، حتى لا يحسبهم الحاسب أنه من المسلمين، فهنا لا بأس أن نبيعهم هذه الأشياء. لكن إذا كان شعارهم -والشعار هو الشيء الذي تميزوا به-، فإن كان هذا الشعار أو اللباس لأجل تفريقتهم عن المسلمين حتى يميزوا، فهذا جائز. والوجه الثاني المنهى عنه ما فيه إعلاء للكفر والإظهار، مثل بيع الصلبان، وبيع أيضًا ما يكون فيه إظهار لشعائر الكفر، مثل هذه الشجرة التي سموناها شجرة عيد الميلاد -الكريسمس-، هذه الشجرة بعض المسلمين يبيح بيعها في يوم عيدهم، وهذا لا يجوز؛ لأنه إعانة على شعار الكفر. قال: وهو ما فيه إعلاء للكفر وإظهار له، كرفع أصواتهم بكتبهم، وإظهار الشعانين، وبيع النواقيس لهم، وبيع الرايات والألوية لهم، ونحو ذلك. فهذا من شعائر الكفر التي نحن مأمورون بإزالتها والمنع منها في ديار الإسلام، فلا يجوز إعانتهم عليها. والآن، الشيخ يريد أن يفرق بين عدة أمور، ومن ذلك ما أراد أن يركز عليه مسألة أن كل ما يستعان به أولئك الكفار في أعيادهم الكفرية، فهذا لا يجوز حتى ولو كان بيعه وشراءه لهم. وكذلك الشراء والبيع فيه. قال: وأما إن كان -كما قلنا- كما ذكر الشيخ أنه إذا كان الشعار تمييزًا فقط، حتى يميزهم عن أهل الإسلام، مثل ما فعل عمر رضي الله عنه لما عقد الصلح بينه وبين أهل الذمة، أو عقد كتابًا بينه وبين أهل الذمة، فذكر من هذا الكتاب أن اليهود يفعلون الزنارات، وأيضًا عمائمهم -عمائم اكتعاب- يعني أنها ليست لها ذؤابة، أنها تكون مدورة فقط، ليست كعمائم المسلمين. فمثل هذا يجوز؛ لأن الغرض منه التمييز. وأما إن كان شعارًا لأجل شعار كفرهم، فهذا لا يجوز. قالوا: أما قبول الهدية منهم يوم عيدهم، فقد قدمنا عن علي رضي الله عنه أنه أتي بهدية النيروز فقبلها. وروي عن عائشة أنها قالت: إن لنا جيرانًا من المجوس، وإنه يكون لهم العيد فيهدون لنا، قالت: أما ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا، ولكن كلوا من أشجارهم. وقال أبو برزة الأسلمي: كان له جيران مجوس، فكان يهدون له في النيروز والمهرجان، فكان يقول لأهله: ما كان من فاكهة فكلوه، وما كان من غير ذلك فردوه. فهذا كله يدل على أنه لا تأثير للعيد في المنع من قبول هديتهم، بل حكمها في العيد وغيره سواء؛ لأنه ليس في ذلك إعانة لهم على شعائر كفرهم. لكن هناك إذا كان هذا الإهداء من قبيل العيد، فهذا لا يجوز أن يقبل منه؛ لأن هذا الإهداء يفعلونه شعارًا لهم من شعائر العيد. وأما إن كان مثلًا ليسوا كذلك، وإنما يتهادون بالهدايا، فهنا أجاز العلماء أو بعض العلماء أخذ هذه الهدية. قال: فهذا كله يدل على أنه لا تأثير للعيد في المنع من قبول هديته، بل حكمها في العيد وغيره سواء؛ لأنه ليس في ذلك إعانة لهم على شعائر كفرهم. لكن قبول هدية الكافر أو الكفار من أهل الحرب وأهل الذمة مسألة مستقلة بنفسها، فيها خلاف وتفصيل، ليس هذا موضعه. وإنما يجوز أن يؤكل من طعام أهل الكتاب في عيدهم، بابتياع أو هدية أو غير ذلك، ما لم يذبحوا للعيد. فأما ذبائح المجوس، فالحكم فيها معلوم أنها حرام؛ لأنهم وثنيون. قال: فإنها حرام عند عامة العلماء؛ لأنهم يعتبرون من المشركين؛ لأنهم يعبدون النار. قال: فأما ما ذبحه أهل الكتاب لأعيادهم، وما يتقربون بذبح إلى غير الله، نظير ما يذبح المسلمون هداياهم وضحاياهم متقربين بها إلى الله، وذلك مثل ما يذبحون للمسيح والزهرة. فعن أحمد روايتان، أشهرهما في نصوصه أنه لا يباح أكله، وإن لم يسم على غير الله. ونقل النهي عن ذلك عن عائشة وعبد الله بن عمر. فإن كانوا يذبحون بإسم الله، وما يذكرون مثلًا اسم المسيح، وإنما يقولون بسم الله، فهنا في رواية على أحمد أنه يباح أكلهم. وإذا لم يعلم، فيجوز أكله؛ لأن الأصل جواز أكل ذبائح أهل الكتاب. لكن إن علم مثلًا أنه شعار من شعائر عيدهم، فلا يؤخذ؛ بل يترك، كما جاء عن الصحابة وغيرهم. قال الميموني: سألت أبا عبد الله عن دبائح أهل الكتاب، قال: كان ما يذبحون لكنائسهم، فقال: يدعون التسمية على عمد، إنما يذبحون للمسيح. قال: وذكر أيضًا أنه سأل أبا عبد الله عن رجل دبح ابنته لأهل الكتاب، فقال: إن كان ما يذبحون لكنائسهم، فقال ابن عمر: يترك التسمية فيها على عمد، إنما يذبح للمسيح. وقد كرهه ابن عمر، إلا أن بدرًا يتأول أن طعامهم حل. وأكثر ما رأيت منه الكراهية لأكل ما ذبحوا لكنائسهم. فإن كان فيه شبهة وعلم ذلك، فلا يأخذ. وإن لم تكن هناك شبهة أو لم يعلم، فالأصل جواز أكل ذبائح أهل الكتاب. قال: وسألت أبا عبد الله عن ذبيحة المرأة من أهل الكتاب ولم تسم، قال: إن كانت ناسية فلا بأس، وإن كان مما يذبحون لكنائسهم قد يدعون التسمية فيه على عمد. وقال المروزي: قيل لأبي عبد الله: ما ذبح للنصب؟ قال: على الأصنام. قال: كل شيء ذبح للأصنام لا يؤكل. ثم ذكر هذه المسألة. إن شاء الله تعالى نتركها في درس لاحق.