التعليق على العقيدة الطحاوية 44

الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 44، ألقاها

أسباب الضلال في باب القدر

يتناول المقطع أسباب ضلال الناس في باب القدر مثل تطبيق مقاييس البشر على فعل الله وعدم التفريق بين الإرادتين الكونية والشرعية. يُوضح المقطع موقف أهل السنة من هذه القضايا.

الخوف من أقدار الله وعلاقته بالخذلان

الخوف في أقدار الله هو الخوض في أفعال الله والحكمة منها، وهو سبب للخذلان وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه. أفعال الله كلها حكمة ولا يسأل عما يفعل.

وجوب الرضا بقضاء الله ونهي عن الاعتراض

ينبغي للمسلم ألا يعترض على قدر الله بل يسلم أمره إليه ويتقبل قضاءه، ولا يتساءل عن سبب وقوع شيء معين لشخص ما. الله تعالى طوى علم القدر عن عباده ونهاهم عن التفكير فيه.

ختام الكتاب والدعاء للمؤلف

يختتم المؤلف كتابه بشكر الله تعالى والاكتفاء بما تم عرضه، مع الدعاء بالرحمة للمؤلف. يُظهر الختام تقدير المؤلف لما قدمه في الكتاب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم، قائد الغر المحجلين، عليه الصلاة والسلام. أما بعد، فأخذنا في الدرس الذي مضى بعض الأسباب التي أدت إلى ضلال بعض من ضل في باب القدر، فإن هناك أسبابًا جعلت أولئك الذين ضلوا يضلون بدخولهم في شيء من هذه الأسباب أو اعتقادهم شيئًا من هذه الأسباب التي ذكرت. ومن ذلك اعتقادهم أن كل ما يمد في الإنسان فهو أيضًا محمود عند الله، وكل ما يضمر في الإنسان فهو يضمر عند الله، هذا اعتقاد خاطئ؛ لأن مقاييسهم مقاييس البشر، فلهذا جاءت كما قلنا مسألة العدل والظلم، وعرفوا العدل والظلم بتعريف لغوي، وجعلوا هذا التعريف ينطبق على فعل الله جل وعلا، فلهذا ضلوا، وجردوا الله عز وجل من التصرف في شيء، وأن الخلق وأن العمل إنما هو عمل الإنسان بإرادته، وليس لله عز وجل دخل فيه. قالوا: ولو كان له دخل اعتبروا ذلك ظلمًا، والعياذ بالله. وهذا الانتكاس يضرهم. وأيضًا جهلهم، وقد بينا ذلك. وأيضًا من هذه الأسباب اتخاذهم العقل حكمًا في باب القدر، وهو ما يسميه العلماء باب التحسين والتقبيح، تحسين فعل الله عز وجل أو تقبيح، فهذا الباب أيضًا ضلوا فيه كما ذكرنا في الدرس الذي مضى، وإن شاء الله سنذكره فيما سيأتي. وأيضًا كذلك أيضًا من الأمور التي وقع فيها هؤلاء أنهم لم يفرقوا بين الإرادتين: الإرادة الكونية والإرادة الشرعية. وأيضًا من الأسباب التي تذكر في هذا المقام أيضًا ما يتعلق بالإرادة، مثلها الاستطاعة. فاستطاعة العبد للفعل في كسبه وعمل في كسبه وعمل، فهذه المسألة أيضًا حصل خلل عند هؤلاء في هذه المسألة، مسألة الاستطاعة، لم يفرقوا بين الاستطاعة قبل الفعل ولا الاستطاعة مع الفعل. والمراد أن أهل السنة -رحمه الله- بيّنوا أن هناك استطاعتين: استطاعة قبل الفعل، وهي المشيئة والإرادة التي جعلها الله عز وجل للعبد في العمل، وهذه الاستطاعة ما تكون إلا بأمرين أو بوصفين: بقدرة تامة وإرادة جازمة. لأن العمل ما يكون إلا بهذين الشيئين، فالله عز وجل أعطى العبد قدرة تامة وأعطاه إرادة جازمة، فإذا وجدت في العبد فإنه يقدر على هذا العمل. على سبيل المثال، معناه كما يقال بالمثال في التوضيح، فمثلًا يريد العبد إلى المسجد، عنده قدرة تامة على الذهاب إلى المسجد، إما بمشي على الأقدام أو بالسيارة أو بأي مركوب، سيأتي إلى المسجد عنده قدرة بهذا، وكذلك عنده نية وهي الإرادة الجازمة، عنده نية بدون تردد أنه سيأتي إلى هذا المسجد بدون أن يتردد بهذا. فهذه الاستطاعة التي هي قبل الفعل: قدرة تامة وإرادة جازمة، إذا وجدت هاتين الصفتين وجدت استطاعة العبد، وهي الاستطاعة قبل الفعل. ووجد هذا العبد، فهذا يدل على أن العبد له إرادة، وهذه أيضًا من المسائل التي حصل فيها خلاف بين أهل العلم، أو أقصد بين أهل السنة وأهل البدع، وهي هل العبد له إرادة ومشيئة يفعل بها الفعل أو ليس له ذلك؟ فأهل السنة يقولون: إن العبد له إرادة ومشيئة حقيقية في فعل الفعل وعمل العمل وفي كسبه، وهي هذه الاستطاعة التي هي قبل الفعل. وأما الاستطاعة التي مع الفعل فهي ما تحصل إلا بتدخل مشيئة الله جل وعلا؛ لأنه فعل شيء يقع. وأما شيء لم يقع فهو في إرادة العبد. فالآن مثلًا العبد إذا وجدت القدرة التامة لإتيان المسجد، وأيضًا عنده إرادة جازمة أنه سيأتي إلى المسجد، عنده نية النية صحيحة أنه يأتي سيصلي الظهر مثلًا، فهذا هو مشيئة العبد فعلًا، لكن هل سيأتي إلى المسجد ولا بد؟ فهذا هنا تتدخل مشيئة الله جل وعلا، فإن شاء الله عز وجل وفقه للإتيان إلى المسجد، وإن شاء صرفه عن ذلك، وصرف هذا بعدة أشياء، إما أنه مثلًا يذهب إلى مكان آخر، ووجد رفقة من رفقائه فذهب معهم، أو أنه يحصل له مثلًا حادث في الطريق، أو بشيء من العوارض تعترضه فلا يتم ما أراده. فهنا فعل الفعل، وهي الاستطاعة مع الفعل، تتدخل فيها مشيئة الله جل وعلا. وأما الاستطاعة التي هي قبل الفعل فهذه في كسب الإنسان، فعل وعمل، فهو يحتاج كما قلنا إلى قدرة تامة، إذا لم يكن هناك قدرة تامة، معنى ذلك أن إنسانًا مثلًا مريض، ما يستطيع أن يأتي المسجد، وهنا استكمل شرطًا من شروط الإتيان، أو أنه ليس عنده نية، عنده قدرة لكنه مثلًا من الناس العصاة، الناس الذين يخالفون أمر الله جل وعلا ويتأخرون عن الصلوات أو أنهم لا يصلون، فهو مثلًا المسجد قريب، عنده قدرة على أن يذهب إلى المسجد، لكن ما عنده نية لتهاون، ما عنده نية لأن يذهب إلى المسجد، فهذا هنا ليست عنده إرادة، أو كذلك مثلًا عنده تردد، يذهب أو لا يذهب. فهذا هو معنى هاتان الصفتان إذا وجدت في العبد فهي الاستطاعة التي هي مطلوبة. فأيضًا، وأما كما قلنا الاستطاعة مع الفعل فهي تتدخل فيها مشيئة الله جل وعلا، فلهذا فهذه المسألة هي داخلة في المسألة التي تقدمت، وهي أيضًا من التفريق بين الإرادتين، يدخل هذا الباب، وهي أيضًا تدخل في مشيئة الله جل وعلا. وأيضًا المسألة المشهورة في هل العبد يفعل حقيقة أو لا، هذه كلها مسائل أيضًا مما يحصل فيها خلاف في القدر. وربنا جل وعلا يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. طيب، أيضًا هناك مسألة أخرى، وهو سبب آخر وداخل في هذا الباب، وهو الخوف في قدر الله جل وعلا، الخوف في أقدار الله سبحانه وتعالى. وهذا أيضًا سبب ضلال كثير ممن ضل في القدر. والمراد بالخوف في أقدار الله عز وجل هو الخوف في أفعال الله، والمراد به أن العبد يريد أن يعرف الحكمة من فعل الله جل وعلا، وربنا جل وعلا لم يذكرها، أو يريد أن يعرف السبب لماذا حصل كذا، لماذا فلان غني ولماذا فلان فقير؟ لماذا ابتلى الله عز وجل هذا العبد بكذا مع أنه رجل صالح؟ لماذا هذا العبد لم يوفق في كذا مع أنه رجل من أهل المساجد؟ وغيرها من هذه الأسئلة التي تتدخل في هذا الباب، وهو الذي قصد هنا المؤلف بأنه ذريعة للخذلان الذي يتدخل ويقول: لماذا في قدر الله عز وجل؟ فإنه ذريعة للخذلان. والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، معنى ذلك: سبب من أسباب الخذلان، أنك تخوض في أقدار الله عز وجل، لماذا حصل هذا ولماذا حصل هذا؟ فقال الله عز وجل: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾، الله عز وجل لا يسأل عما يفعل، فأفعاله كلها حكمة سبحانه وتعالى، فله الحكمة البالغة جل وعلا. قال: «والنظر في ذلك ذريعة الخذلان وسلم الحرمان»، وسلم الحرمان معنى ذلك: إذا أردت أن تحرم نفسك من الخير فخذ هذا الباب، قد تقدم معنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وإذا ذكر القدر فأمسك»، إذا ذكر القدر فأمسك، فلا تخوض في أفعال الله عز وجل وقدره سبحانه وتعالى. قال: «وسلم الحرمان ودرجة الطغيان»، فهو درجة من درجات الطغيان أن العبد يتدخل ويخوض في قدر الله سبحانه وتعالى. ثم قال رحمه الله: «فالحذر كل الحذر من ذلك نظرًا أي في أفعاله جل وعلا، وفكرًا في أيضًا ابتلاءاته سبحانه وتعالى إذا ابتلى، ووسوسة أيضًا في أحكامه جل وعلا». وأيضًا ما يقع في هذا الباب لا ينبغي للمسلم أن يجعل الشيطان يغلبه ويوسوس عليه فيعتقد في قدر الله عز وجل لماذا حصل لفلان كذا؟ فلان مثلًا عابد وطائع، لماذا حصل له كذا؟ فظل ناس كثير بسبب هذا، حتى بعضهم ممن كان يطلب العلم وعنده علوم دخل في هذا الباب فظل، وتعلمون بابن الراوندي الزنديق، حتى صارت الزندقة ملازمة له، هذا الرجل اعترض على قدر الله جل وعلا. كان يقول: «كم من عالم أعيت مذاهبه، وكم من جاهل تلقاه مسرورًا»، أنا كيف يقول هذا؟ عالم وهو حقير لا يجد الشيء ولا يجد حتى ما يأكله، فتقفلت عليه الأبواب، وهذا رجل جاهل تجد أنه عنده الأموال وعنده الدور وعنده كذا وكذا. فكان يقول: «كم من عالم أعيت مذاهبه، وكم من جاهل تلقاه مرزوقًا»، أنا عنده رزق كثير وهو جاهل ليس بعالم. فقال: «هذا الذي جعل الأذهان حائرة، وصير العالم النحرير زنديقًا»، هذا الذي حير العالم وجعله زنديقًا، وهذا بسبب جهله وخوضه في قدر الله جل وعلا. ولو سلم أمره إلى الله وسلم قلبه لله سبحانه وتعالى، وقال: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، وقال أيضًا: «قدر الله وما شاء فعل»، لما حصل له ذلك. فالواجب على المسلم أنه يسلم أمره إلى الله كلما أصابه، فهو من الله سبحانه وتعالى، لا يقول مثلًا: أنا أفعل كذا وأفعل كذا لماذا لا يرزقني الله؟ لماذا لا أكون من أغنى الناس؟ أو لماذا لا أكون عندي كذا وكذا؟ هذا كله من الاعتراض الباطل الذي لا ينبغي للمسلم أن يفكر فيه، حتى التفكير فيه كما قال المؤلف: «نظرا وفكرا ووسوسة»، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن عباده، وأمرهم ألا يناموا في هذا الأمر، طواه الله عز وجل، ما ينبغي أن العبد يفكر فيه، بل يسلم أمره إلى الله ويجعل أمره كله لله، سواء كان أصبح غنيًا أو أصبح فقيرًا، أو أصبح عنده كذا وكذا أو لم يصبح عنده كذا وكذا. ولا يفكر يقول: أنا عابد، أنا طالب علم، لماذا لا يرزقني الله مثل بعض طلبة العلم؟ لماذا لا أكون عندي كذا مثل بعض طلبة العلم؟ هذا اعتراض على الله عز وجل. والواجب على العبد أن يرضى بقضاء الله وقدره، يرضى الله عز وجل جعله هكذا، يرضى بقضاء الله، ويمكن ربنا سبحانه وتعالى يغير من حاله، وإن لم يغير فأنت على خير، فلا يضرك مثلًا أن تكون فقيرًا. هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم كانوا في فقر مدقع، مات بعض الصحابة رضي الله عنهم وليس معه حتى الثوب الذي يكفن به، كما قال عبد الرحمن بن عوف، وكذلك خباب بن الأرت. لما ذكروا قصة مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه، أجمعين، تذكروا أنه لما مات، مع أنه كان من أرفع الناس في مكة، كان أبوه غنيًا وهو غني، كانت أمه تدلله، فكان من أغنى الناس، ترك أمواله وما معه في مكة وهاجر إلى الله وعاش فقيرًا، حتى لما مات ما معه إلا هذه النمرة، إن غطوا بها رأسه بدت رجلاه، وإن غطوا بها رجليه بدا رأسه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «غطوا رأسه واجعلوا الإزار على رجليه»، وهو عزه الله عز وجل بالشهادة، صار ممن يذكر اسمه في كل مكان بالخير، ما ضره أنه كان فقيرًا أبدًا، ما ضره أنه ترك أمواله أبدًا. فلهذا فلله الأمر من قبل ومن بعد، فلهذا قال: «فإن الله تعالى طوى علم القدر عن عباده ونهاهم عن مرامه»، كما قال الله عز وجل في كتابه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾، فمن سأل لماذا فعل، رد حقم الكتاب، ومن رد حقم الكتاب كان من الكافرين. فهذا عبارة مؤلفنا رحمه الله تعالى، فإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا القدر، والحمد لله رب العالمين.

شاركنا على