الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 76، ألقاها
يتحدث عن مسألة الحكم على الأفراد بالجنة أو النار، ويشترط وجود دليل من الكتاب والسنة للحكم بالشهادة. كما يستدل بالحديث النبوي لتأكيد شهادة بعض الصحابة.
يشرح شروط نيل الشهادة ويحذر من إطلاق الأحكام على الناس بالجنة أو النار بناءً على أفعالهم الظاهرة. كما يبين أن الحكم بالشهادة هو حكم بالغيب الذي لا يعلمه إلا الله.
يتناول حكم إطلاق لقب الشهيد على الشخص ويوضح الرأي الصحيح الذي ذهب إليه كثير من العلماء، وهو عدم الجزم بأن شخصا ما شهيد، بل يقال نرجو له الشهادة.
الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أزلنا عند قول المؤلف رحمه الله الإمام الطحاوي: «ولا ننزل أحدًا منهم جنة ولا نار، ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى»، أيضًا مما يذكر أيضًا في المسألة المتقدمة: «ولا ننزل أحدًا منهم جنة ولا نار»، وذكرنا قول أهل العلم في ذلك. وأيضًا هناك مسألة أخرى متعلقة بهذه المسألة، وهي مسألة الشهادة. مسألة الشهادة هل يقال: فلان شهيد؟ لأنه كما هو معلوم إذا قلنا: إن فلانًا شهيد، معنى أنه من أهل الجنة، حكمنا له بالجنة. فهذه المسألة قد توسع فيها الناس، فكل من مات قيل له: شهيد، أو مات في خصومة أو في كذا قيل له: شهيد. فإن كانوا أرادوا شهيدًا في عمله أو شهيدًا في كذا، أو يشهد لهم في عمله، وليس المراد الشهيد الذي يأتي يوم القيامة، فهذا أهون. لكن إن أرادوا به الشهادة التي هي يكون شهيدًا يوم القيامة، فهذا فيه قول على الله بغير علم. ولهذا مثل الحكم بالشهادة على من قتل في المعركة، وهل يحكم لأحد بالشهادة؟ أما من حكم له الكتاب والسنة فلا شك أنه شهيد. ومن حكم له النبي صلى الله عليه وسلم، مثل ما جاء في الحديث الصحيح الذي خرجه مسلم وغيره، أنه لما كان النبي صلى الله عليه وسلم على أحد وهتز أحد، قال: «اثبت أحد، فإنما فيك نبي أو صديق أو شهيد»، فكان فيه أبو بكر، كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر وعمر وعثمان، فالصديق هو أبو بكر، والشهيد هو عمر وعثمان. فهذا مثل هذا الحديث أثبت النبي صلى الله عليه وسلم من شهادة لعمر، وأثبت لعثمان. بل قد صرح أنه من أهل الجنة. فأيضًا كذلك من استفاضت شهادته واستفاض عند الناس أنه شهيد، مثلًا لقيامه بالمدافعة عن الدين، وكذا كالصحابة رضي الله عنهم الذين حضروا بعض المشاهد كأحد وبدر وحنين وغيرها، ممن أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم في الجنة. وأما غير هؤلاء ممن لم يشهد له الكتاب والسنة بالشهادة، فهل يقال له: شهيد؟ فصحيح من أقوال أهل العلم، وهو قول أكثر أهل العلم: أنه لا يقال: شهيد إلا لمن شهد له، حتى ولو مات في أرض المعركة بين المسلمين والكفار، فإنه لا يحكم له بالشهادة. فقد جاء عند أحمد في حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «رب قتيل في الصف الله أعلم بنيته، رب قتيل في الصف الله أعلم بنيته». فالذي يعلم النيات هو الله جل وعلا، فالحكم بأن فلانًا شهيد، هذا حكم بالغيب؛ لأن الذي يعلم بالنيات هو الله سبحانه وتعالى. يمكن أن يقال: نرجو له الشهادة، نرجو له الشهادة. كما تقدم قبل أن من وصول أهل السنة أنهم يرجون للمحسن أن يزيد الله عز وجل في إحسانه، ويرجون للمسيء أن يغفر الله عز وجل ويتجاوز عن سيئاته. ومن ذلك الإحسان أنهم أيضًا يرجون شهادة من قاتل ضد العدوان، يرجون شهادة من قاتل ضد العدوان. فلهذا إذا مات رجل وهو يقاتل ضد أعداء الله عز وجل كالكفرة والروافض وغيرهم، فإنه يقال: نرجو له الشهادة؛ لأننا لا ندري لماذا هو قاتل، يمكن قاتل لأجل المال، يمكن قاتل لأجل قبيلته، يمكن قاتل لأجل وطنه، وإن كان قد يكون هذا أيضًا نية مشتركة، يمكن أيضًا أنه قاتل لأجل غرض من الأغراض. فلهذا فليس كل من قاتل يكون شهيدًا، فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رب قتيل في الصف الله أعلم بنيته». ولهذا ضعّف الإمام البخاري في صحيحه، قال: باب لا يقال: فلان شهيد، لا يقال: فلان شهيد، واستدل بحديث سهل بن سعد في الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: كان رجل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في المعركة كان لا يرد أو لا يرد فريسة للمشركين إلا اتبعها، فقال: قد أبلى بلاءً عظيمًا، قتل في المشركين قتلى ذريعًا. فلما جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال بعضهم: ما أجزأ عنا مثل ما أجزأ فلان، ما أجزأ عنا مثل ما أجزأ فلان. فقال عليه الصلاة والسلام: «أما إنه من أهل النار، أما إنه من أهل النار». فقال: فارتاب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الكلام، كيف يكون هذا من أهل النار؟ حتى قال: ارتاب بعض من كان سمع النبي صلى الله عليه وسلم بذلك كيف يكون من أهل النار وهو يقاتل هذا القتال العظيم، حتى ما يترك فريسة ولا فادة إلا تبعها من المشركين، فقتل قتلى ذريعًا في المشركين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما إنه من أهل النار». قال: فقام الرجل وتتبعه حتى أنه جرع لما جرع أخذ سيفه وتحامل على نفسه وقتل نفسه. أخذ سيفه وتحامل على نفسه وقتل نفسه. إنه ليس عنده توكل على الله، ولو كان عنده توكل على الله جل وعلا ما قتل نفسه، ما قتل نفسه، وعنده صبر فلم يصبر وقتل نفسه. فأخبر هذا الرجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما فعل هذا الرجل، فقال عليه الصلاة والسلام: «أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إني هذا الذي أخبرني الله عز وجل به أن هذا الرجل من أهل النار، وأخبرتكم كما أخبرني الله عز وجل». فلا يستطاع أن يقال لأحد أنه من أهل الجنة وأنه من الشهداء لأجل هذا الأمر. فلهذا ذهب كثير من العلم أنه لا يقال: فلان شهيد، لكن يقال: نرجو له الشهادة، نرجو له الشهادة، فهذا لا بأس. أما يقال: فلان شهيد بالجزم، فهذا علمه إلى الله سبحانه وتعالى. فهذا ما يذكر في هذه المسألة والله تعالى أعلم.