التعليق على العقيدة الطحاوية 28

الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 28، ألقاها

مقدمة في رؤية الله تعالى وتفسيرها

يشرح المؤلف رؤية الله في الجنة بغير حاطة ولا كيفية، مستدلاً بآيات القرآن الكريم. ويبين اعتقاد أهل السنة في هذه المسألة.

صفة الكلام والرؤية عند أهل السنة والجماعة

يشرح اعتقاد أهل السنة في صفة الكلام لله عز وجل وأنه صفة ذاتية وفعلية. كما يتناول مسألة رؤية الله يوم القيامة.

آراء الفرق الإسلامية حول رؤية الله تعالى

يتناول آراء مختلف الفرق الإسلامية حول رؤية الله تعالى، حيث يرى الجهمية والأشاعرة عدم إمكانية رؤيته، بينما يعتقد أهل السنة رؤيته في الآخرة.

خاتمة الدرس والصلاة على النبي

تم اختتام الدرس بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، معربا عن علم الله تعالى بالأمور.

التفريغ النصي الكامل

قال المؤلف رحمه الله تعالى: إمام الطحاوي، والرؤية حق لأهل الجنة بغير حاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا: ﴿وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة﴾، وتفسير على ما أراده الله تعالى وعلمه. وهنا قوله: "بغير حاطة ولا كيفية". قوله: "بغير حاطة" أي أن رؤية الله جل وعلا يرى ربنا سبحانه وتعالى بغير حاطة؛ لأن ربنا جل وعلا أكبر من كل شيء سبحانه وتعالى، ولا تحيط به الأشياء، بل هو جل وعلا أكبر من كل شيء جل وعلا، فالجهة مخلوقة من مخلوقات الله، فلهذا لا ينبغي أن يقال مثل ما قالت الأشاعرة وغيرهم: أنهم نفوا الرؤية، قالوا: لأن الرؤية تكون في حيز، أي مكان محدد، وهذا مستحيل على الله، هكذا قالوا؛ لأنهم شبهوا الله عز وجل بخلقه. فربنا جل وعلا قال: ﴿لا تدرك الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾، لا تدرك الأبصار أي: لا تحيط به الأبصار، لا تحيط به سبحانه وتعالى الأبصار، فلهذا قال هنا المؤلف: "بغير حاطة"، وهذا استدلال بهذه الآية: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾، لا تحيط به حتى وإن رأته هذه الأبصار، فهي لا تحيط به جل وعلا. قال: "ولا كيفية". وهنا المراد بنفي الكيفية عند أهل السنة: أي الكيفية المتوهمة في الرؤية، أنه يرى بكيفية معينة، فهذا منفي عن الله جل وعلا؛ لأننا لا نعلم ذاته حتى نعلم كيف يرى سبحانه وتعالى، وكيف صفاته سبحانه وتعالى، لكن نؤمن بأن لها كيفية لا يعلمها إلا الله، لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى. وقول هنا: "كما نطق به كتاب ربنا"، وهنا قوله: "نطق به كتاب ربنا"، استعملها كثير من العلماء، كما ذكر الشيخ الإسلام وغيره: على أن هذه الألفاظ استعملها العلماء وهم يقصدون أي أنه في كتاب الله جل وعلا. وهذا أيضا يدلنا على أن الإمام الطحاوي رحمه الله يرى أن الله عز وجل تكلم بالقرآن حقيقة، لا كما يدعيه الماتريدية وكذلك الأشاعرة: أنه إنما كلام نفسي، وأن الله عز وجل خلق كلامه في الهواء أو غيره من هذه الأشياء التي يأتون بها. ولهذا كما ذكرنا قبل في كلام الله عز وجل، وسيأتي إن شاء الله تعالى: أنهم يقولون أن القرآن هو عبارة عن كتاب عن كلام الله، وقالت الماتريدية: هو حكاية عن كلام الله؛ لأنهم يعتقدون أن الله عز وجل لا يتكلم، يعتقدون أن الله عز وجل لا يتكلم. لكن هنا المؤلف عبر بهذا التعبير مما يدل على أن المؤلف رحمه الله يقول بأن الله عز وجل يتكلم متى شاء، وهذه لا يثبتها إلا أهل السنة. وأما كما ذكرنا في مسألة الصفات وتقسيماتها: أن كلام الله جل وعلا هو صفة ذاتية فعلية، ذاتية فعلية، فالشافعية والمتكلمون يؤمنون بصفة الكلام على أنها صفة ذاتية، لكن لا يعتقدون أن الله عز وجل يتصف بصفة الكلام الذي هي الصفة الفعلية، أي متى شاء أتكلم. وهناك السالمية يعتقدون العكس، يعتقدون أن الله عز وجل يتكلم متى شاء، لكن هذا الكلام حدث بعد أن لم يكن، فعنا ليس هناك، لا يصفون الله عز وجل بالكلام، لكن هذا الكلام حدث بعد إذ لم يكن، وهذا كلام باطل. ولهذا أهل السنة وسط بين هؤلاء وأخذوا بالأدلة جميعا، فأثبتوا صفة الكلام لله عز وجل على أنها صفة ذاتية لا تنفك عن ذات الله سبحانه وتعالى، وكذلك أيضا هي صفة فعلية، متى شاء ربنا جل وعلا تكلم، تكلم أهل الجنة، وكلم كذلك أهل النار توبيخا، فقال: ﴿اخسوا فيها ولا تكلمون﴾، وأيضا كذلك يكلم رسله، كلم موسى عليه الصلاة والسلام، وكلم نبي الله نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وقال أيضا صلى الله عليه وآله وسلم لجابر: "يا جابر، إن الله لم يكلم أحدا كفاحا إلا أو قال: إن الله عز وجل كلم أباك كفاحا"، فقال: "يا عبدي سل ما بدى لك"، فقال عبد الله بن عمر بن حرام: "يا رب أريد أن أرجع إلى الدنيا وأقتل في سبيله"، فقال: "إنها كلمة هو قائلها، وأنهم لا يرجعون". فهذا أيضا الحديث يدل على أن الله عز وجل كلم عبد الله بن عمر بن حرام، فهذا كله يدل على أن الله عز وجل له صفة الكلام، ومتى شاء تكلم سبحانه وتعالى. وكما يعبر بها بعض أهل السنة: أن كلام الله عز وجل قديم النوع، حادث الآحاد. وهنا قال: "كما نطق به كتاب ربنا: ﴿وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة﴾". ومسألة الرؤية قد ذكرنا مسألة من يراه يوم القيامة، يرى الله عز وجل يوم القيامة عند مثبتي الرؤية، عند من أثبت الرؤية، اختلفوا من الذي يراه؟ فأكثر العلماء يقولون: إنما يراه المؤمنون فقط. ومنهم من قال: أنه يراه المؤمنون، ويرونه أيضا بعض المنافقين، وكذلك غلاة من أهل الكتاب، كما جاء في حديث الشفاعة. وهذا الذي يقوله الإمام ابن خزيمة رحمه الله. وكذلك أيضا اختلف هؤلاء الفرق في رؤية الله جل وعلا، في رؤية الله سبحانه وتعالى، فمنهم من قال: أن الله عز وجل يرى، يراه أهل الإيمان، أو يراه من يراه يوم القيامة، أنه يرى يوم القيامة من غير تشبيه ولا تعطيل ولا أيضا تمثيل. فربنا جل وعلا قد أخبر عن نفسه أنه يراه أهل الإيمان: ﴿وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة﴾، وكذلك أيضا جاء في السنة المتكاثرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: بأن الناس يرون ربهم يوم القيامة، كما قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث إسماعيل بن نبي خالد عن قيس بن حازم عن جرير بن عبد الله البجلي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنكم ترون ربكم كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته". وقال الإمام أحمد رحمه الله: "من كذب بحديث إسماعيل بن بخالد عن قيس بن حازم عن جرير، فهو جهمي". الجهمية؛ لأنهم يرون أو ينفون رؤية الله جل وعلا، ويعطلونها. وكذلك أيضا الأشاعرة لا يرون رؤية الله جل وعلا. وهؤلاء كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: هم قطاع طرق المحبين. وأيضا الذين يرون الله سبحانه وتعالى، ولهذا جاء في الرد على الجهمية المنسوب لإمام أحمد، والظاهر أنه لابنه عبد الله، وإن كان أيضا بعضهم يسمي السنة والرد على الجهمية كتابه، لكن هناك رد أو كتاب فيه رد على الجهمية هو ينسب للإمام أحمد من طريق ابنه عبد الله، قد يكون له، قد يكون لأبيه أخذ عبارات أبيه. وفيه بعدما ذكر بعض ما ذكر الآيات والأحاديث الرؤية، فقال: "فنسأل الله عز وجل أن لا يري وجهه للجهمية الذين يكذبون بذلك". وأيضا قد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أعلموا أو تعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا". فلهذا أهل السنة يقولون: أن الله عز وجل لا يرى إلا في الآخرة، وأما في الدنيا لا يرى. ولهذا الله عز وجل قال لنبيه موسى لما قال موسى: "أرني"، أو لما طلب موسى من ربه جل وعلا أن يرى، قال: ﴿لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكة وخر موسى صعقا﴾، فقال الله عز وجل: ﴿إنك لن تراني﴾، لكن لم يقل: "إني لا أرى"، وإنما قال: ﴿لن تراني﴾، وجعل ذلك لأمر محتمل، قال: ﴿ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكة. ولهذا أهل السنة يقولون: أن الله عز وجل لا يرى في الدنيا، لكن يرى في الآخرة. وعما ما قاله المعتزلة: أن "لن" هنا تفيد التأبيد، فهو كلام باطل، في اللغة، وكذلك في الشرع، رده أهل العلم، وكذلك أيضا صوفية لهم أيضا مذهب، مذهب الجهمية. وأهل السنة وسط بينهم، أولئك الصوفية يرون ويعتقدون أن الله عز وجل يرى في الدنيا والآخرة. فإن تجد كثير من غلاة الصوفية يقولون: أنهم يرون الله في اليقظة، ليس في المنام، بل في اليقظة. أما في المنام فأهل السنة يعتقدون ذلك، يعتقدون أن الله عز وجل يرى في المنام، كما جاءت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأيت ربي". وأما هؤلاء الصوفية الغلاة يرون أن الله عز وجل يرى في الدنيا والآخرة، وهذا كلام باطل. وكلام في هذا إن شاء الله سيطول. لكن مذهب أهل السنة: أن الله عز وجل يرى من غير تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تكيف، أي لا تكيف لهذه الرؤية، بل أننا نقول: أن الله عز وجل يرى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنكم ترون ربكم كما ترون القمر"، ليس دونه سحاب، لا تضامون في رؤيته، شبه الرؤية بالرؤية للمرء بالمرء، شبه الرؤية بالرؤية بدون تزاحم، بل يرونه واضحا أمامهم، كما أخبر بذلك نبي الله صلى الله عليه وسلم. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.

شاركنا على