التبيان في آداب حملة القرآن 60

الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 60، ألقاها

حكم السجود لسورة ص في الصلاة وخارجها

يستحب السجود لسورة ص خارج الصلاة لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، بينما يختلف العلماء حول حكم السجود في الصلاة. هناك خلاف حول بطلان الصلاة إذا سجد فيها عالما بحكمها.

حكم متابعة الإمام والمستمع في سجدة التلاوة

يستحب للقارئ والمستمع والسامع السجود عند قراءة سورة ص، ويتابعه المأموم إذا كان الإمام يرى استحباب السجود. يسن السجود سواء كان في الصلاة أو خارجها.

اختلاف العلماء في حكم سجود المستمع للقارئ

اختلف العلماء في حكم سجود المستمع للقارئ، حيث ذهب الشافعية وأبو حنيفة إلى أن المستمع يسجد، بينما ذهب بعض أصحاب الشافعية إلى أنه لا يسجد إلا إذا سجد القارئ. كما اختلفوا في سجود المستمع لقراءة الكافر أو الصبي أو المرأة.

حكم السجود في المواطن المختلف فيها

المواطن المذكورة هي مواطن اجتهاد، حيث يختلف العلماء في حكم السجود فيها، والأمر فيها واسع. الخلاف في هذه المواطن يعود إلى اجتهاد العلماء، ولا يوجد حكم قطعي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه «التبيان في آداب حملة القرآن»: فصل في حكم السجود في الصلاة لغير العزائم. لغير العزائم، أي مثل ﴿صاد﴾ كما تقدم معنا، أي الآية أو السجد الذي في سورة ﴿صاد﴾. قال رحمه الله تعالى: إذا قرأ سجدة ﴿صاد﴾، فمن قال: إنها من عزائم السجود، قال: يسجد، سواء قرأها في الصلاة أو خارج منها، كسائر السجدات. وأما الشافعي وغيره ممن قال: ليست من عزائم السجود، فقالوا: إذا قرأها خارج الصلاة، استحب له السجود؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها، كما قدمناه. قال: وإن قرأها في الصلاة لم يسجد. فإن سجد وهو جاهل أو ناسٍ لم تبطل صلاته، ولكن يسجد لسهو. وإن كان عالما، فالصحيح أنه تبطل صلاته؛ لأنه زاد في الصلاة ما ليس منها، فبطلت كما لو سجد للشكر، فإنه تبطل صلاته بلا خلاف. والثاني: لا تبطل؛ لأنه لا يتعلق بالصلاة. ولو سجد إمامه في ﴿صاد﴾ لكونه يعتقدها من العزائم، والمأموم لا يعتقدها، فلا يتابعه، بل يفارقه أو ينتظره قائمًا. فإذا انتظره، هل يسجد بعد ذلك؟ في وجهين: الأظهر: لا يسجد. هذا الفاصل ذكره النووي رحمه الله تعالى في السجود في المواضع التي قيل فيها بأنها ليست من عزائم القرآن، وهي السجدة التي في سورة ﴿صاد﴾، كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما. فهل يسجد فيها في خارج الصلاة؟ هذه مسألة. يعني هذا الفاصل تحته مسألة الأولى: هل يسجد من قرأ سورة ﴿صاد﴾ فمر على آية سجدة التي فيها؟ هل يسجد إذا كان في خارج الصلاة؟ الجواب: نعم، يستحب له السجود؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها، كما في حديث ابن عباس. ومسألة أخرى: وهل يسجد فيها إذا كان في الصلاة؟ يقول النووي رحمه الله تعالى في تفصيل: أي أنه إذا كان يعتقد أنها من العزائم، أي من مواطن السجود التي عزم على قارئها أن يسجد فيها، فإنه يسجد كغيرها من مواضع السجود في القرآن. ومن قال: بأنها ليست من عزائم السجود، قال: لا يسجد فيها في الصلاة. ثم تأتي مسألة: إذا سجد فيها في الصلاة. يقول النووي رحمه الله تعالى: هو لا يخلو كذلك من حالين: إما أن يكون عالما بذلك الحكم، ومع ذلك سجد فيها. قال: فمثل هذا تبطل صلاته. وأما إذا لم يكن عالما بذلك الحكم، فإن صلاته لا تبطل؛ لأنه أدخل في الصلاة ما ليس منها، ومن زاد في الصلاة ما ليس منها عامدًا عالما بطلت صلاته. قال: فكذلك إذا سجد في ﴿صاد﴾ وهو يعلم أنها ليست من عزائم السجود، تبطل صلاته. وهذا مذهب الشافعية، كما ذكر ذلك النووي رحمه الله. والصحيح أنها من مواطن السجود، وأن من سجد فيها فإنها من مواضع السجود الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وابن عباس رضي الله عنه لم يقل: في الصلاة أو في غير الصلاة، ولكن قال: في سجدة ﴿صاد﴾، قال: «إنها ليست من عزائم السجود، ولقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسجد فيها»، أي يسجد إذا قرأها ومرت به. وقول: «يسجد» هذا عام، أي يسجد فيها سواء كان في الصلاة أو كان في خارج الصلاة. وهذا هو الصحيح: أنه يستحب لمن قرأ سورة ﴿صاد﴾ فمرت عليه آية السجدة فيها أن يسجد فيها. وإذا فعلها كما سمعتم، استحب له ذلك. ثم تأتي مسألة أخرى: وهي هل يتابع المأموم الإمام في سجدة ﴿صاد﴾؟ من رأى أنها مستحبة، لا خلاف بأنه يجب عليه أن يتابعه؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به»، ثم قال: «وإذا سجد فاسجدوا». بقي من كان لا يرى بأنها من عزائم سجود، صلى خلف رجل يرى أنها من عزائم سجود، هل يتابعه أم لا؟ والنووي رحمه الله تعالى يقول: لا يتابعه، بناء على أنها ليست من العزائم. والأظهر - والله أعلى وأعلم - أن المسألة ما دام أنها محل خلاف، وسعى بين العلماء رحمهم الله تعالى، فإنه يتابع الإمام؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به»، مع ما جاء في حديث ابن عباس: بأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يسجد فيها. فدل هذا على أن الإمام إذا قرأ وكان ممن يرى استحباب السجود في سورة ﴿صاد﴾، فإن المأموم يتابعه لهذه العمومات: «إنما جعل الإمام ليؤتم به»، وذكر: «وإذا سجد فاسجدوا». قال رحمه الله تعالى: فصل فيمن يسن له السجود، أي من هو الذي يسن له السجود. قال رحمه الله تعالى: اعلم أنه يسن للقارئ المتطهر بالماء أو التراب، بحيث يجوز سواء كان في الصلاة أو خارجًا منها. يعني: اعلم أنه يسن للقارئ المتطهر بالماء أو التراب، بحيث يجوز سواء كان في الصلاة أو خارجًا منها؛ يعني يجوز له السجود، ويجوز له مس المصحف، على ما ذكره النووي رحمه الله تعالى قبله. وكذلك القراءة. قال: ويسن للمستمعين. ويسن أيضًا للسامع غير المستمع. ها هنا ثلاثة ذكرهم النووي رحمه الله تعالى ممن يسن لهم السجود: الأول القارئ، واشترط في القارئ أن يكون متطهرًا، سواء كان في الصلاة أو في غير الصلاة. ثم قال رحمه الله تعالى: ويسن كذلك للمستمع. ما المستمع؟ هو المستمع للقراءة، المستمع للقراءة إما أن يكون في حلقة واحدة، وإما أن يكون خلف إمام يستمع قراءته، هذا يسمى مستمعًا، هذا كذلك يسن له أن يسجد. قال: ويسن أيضًا للسامع. من السامع؟ السامع: كان يكون رجل مار، وناس يصلون، ورجل مار ما يصل معهم، مار مثلًا في الطريق، صلى في مكان آخر ومر على مسجد قرئت فيه مثلًا سورة فيها سجدة، فسجد القوم، هل له أن يسجد معهم؟ أو رجل مر بحلقة، أو كان مثلًا في حلقة وهو على جنب ليس في الحلقة، فكانوا يقرؤون القرآن، هو يستمع لهم؟ هل يسمى ماذا؟ سامعًا؟ فإذا سجد، هل يسن له أن يسجد معهم؟ يقول النووي رحمه الله تعالى: ويسن أيضًا للسامع غير المستمع. ولكن قال الشافعي رضي الله عنه: لا أؤكده في حقه، أي السامع، لا يؤكده، بخلاف المستمع، فإنه يؤكد الاستحباب والسنية في ذلك. قال: كما لا أؤكد في حقي كما أؤكد في حقي المستمع. قال: هذا هو الصحيح، وهو كما قال. وقال إمام الحرمين من أصحابنا: لا يسجد السامع. والمشهور الأول. قال: وسواء كان القارئ في الصلاة أو خارجًا منها، يسن للمستمع والسامع السجود، وسواء كان سجد القارئ أم لا، هذا هو الصحيح المشهور عند أصحاب الشافعي رضي الله عنه، وبه قال أبو حنيفة رضي الله عنه. وقال صاحب «البيان» من أصحاب الشافعي - أي العمراني، وهو من أئمة شافعية، من أئمة أهل اليمن -: لا يسجد المستمع لقراءة من قرأ في الصلاة. وقال الصيدلاني من أصحاب الشافعي: لا يسن السجود إلا أن يسجد القارئ. والصواب الأول. يعني هذه مسألة كذلك من المسائل: لو أن القارئ قرأ القرآن وما سجد، هناك قارئ وهناك مستمعون، القارئ الذي مرت به الآية آية السجدة ما سجد، فهل يسجد القوم أم لا يسجدون؟ ففي المسألة خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى. فمن قائل بأنه يسجد المستمع، سواء سجد القارئ أم لا. ومن قائل بأنهم لا يسجدون حتى يسجد القارئ؛ لأن المستمع تابع للقارئ، المستمع تابع للقارئ، فإذا قرأ وكان الآخر مستمعًا، فإذا سجد سجد معهم، وإذا ما سجد لم يسجد الآخر. وهذا هو الأقرب - والله أعلى وأعلم -؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا قرأ النبي صلى الله عليه وسلم القرآن ما سجدوا قبل أن يسجد، بل لا، حديث كلها فيها قال: «فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجدنا». وكذلك في أثر عمر في صحيح البخاري، حينما أراد يعني سجد في الجمعة الأولى، ثم في الجمعة الأخرى، وتهيأ الناس للسجود، قال لهم عمر رضي الله عنه وأرضاه: وما سجد، قال لهم: إن هذا أي أن السجود ليس بعزيمة. وشاهدوا منه أن عمر لم يسجد، وكذا الحاضرون لم يسجدوا، فدل ذلك على أن المستمع تابع للقارئ، أن المستمع تابع للقارئ، إذا سجد سجد، وإذا ما سجد ما سجد. والله أعلى وأعلم. قال رحمه الله تعالى: ولا فرق بين أن يكون القارئ مسلمًا بالغًا متطهّرًا رجلًا، وبين أن يكون كافرًا أو صبيًا أو محدثًا أو امرأة. هذا هو الصحيح عندنا. أي أن القارئ مر مع أنه يشترط فيه هذه الشروط على قول الشافعية. الكلام الآن في المستمع: المستمع إذا سمع القراءة من كافر، من طفل، من امرأة، هل يسن له أن يسجد أم لا؟ ذهب الشافعية إلى أنه يسن له أن يسجد. وأبو حنيفة قال به. وقال بعض أصحابنا من الشافعية: لا يسجد لقراءة الكافر والصبي والمحدث والسكران. وقال جماعة من السلف: لا يسجد لقراءة المرأة، حكاه ابن المنذر عن قتادة ومالك وإسحاق. والصواب: ما قدمنا، والأظهر الأول. يعني الأظهر أنه لا يسجد؛ لما تقدم ذكره من أن المستمع تابع للقارئ، ومعلوم مثل الكافر أنه لا يسجد، وإذا قرأ القرآن كافر، قراءته لا تعتبر. كذلك الطفل إذا كان غير مميز، أو كان كذلك امرأة. فالحاصل: أن هذه المواطن مواطن اجتهاد، من رأى فيها السجود سجد، ومن رأى فيها غير ذلك فالأمر واسع. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على