الخطبة بعنوان صفة الحج والعمرة، وكانت بمسجد عبدالرحيم بالشحر ٢٠ ذو القعدة ١٤٣٧هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع أهمية الإخلاص في الحج ووجوب التفقّه في مناسكه قبل السفر، مع التحلل من الحقوق واختيار الرفقة الصالحة وآداب السفر. ثم يستعرض أنواع الأنساك الثلاثة (القران، الإفراد، التمتع) مرجّحاً التمتع، ويوضح محظورات الإحرام للرجال والنساء وكيفية التهيؤ له بالاغتسال ولبس الإزار والرداء، مع بيان مواقيت الإحرام لأهل الميقات ولمن يمرون بالمدينة.
يستحب الاغتسال قبل دخول مكة والصلاة في الميقات، وتنقطع التلبية عند الشروع في الطواف الذي يكون سبعة أشواط مع استلام الحجر أو الإشارة إليه. بعد الطواف يصلي الحاج خلف المقام ويشرب من ماء زمزم، ثم يسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط مع الأذكار، ويختتم العمرة بالحلق أو التقصير للتحلل، مع التنبيه على استغلال الوقت بالطاعة حتى يوم التروية.
في اليوم التاسع من ذي الحجة يتوجه الحاج إلى عرفة بعد طلوع الشمس، والوقوف بها ركن يجب استمراره حتى غروب الشمس لمن وقف نهاراً. يصلي الحاج الظهر والعصر جمع تقديم وقصراً، ثم يشتغل بالدعاء والتضرع مستقبل القبلة دون تشقُّق بصعود جبل الرحمة، ويخرج من عرفة بعد الغروب بهدوء وسكينة.
الحمد لله، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، كما سمعتم، وبمناسبة قدوم هذه الشعيرة العظيمة وهذا الركن من أركان هذا الدين، ألا وهو حج بيت الله الحرام، أحببنا في هذا المجلس أن نتذاكر شيئًا من أحكامه، وأن نتذكر شيئًا من فقهه. وكما تعلمون أن المسلم بحاجة ماسة إلى أن يتفقه في دين الله، فإن كان طالب علم فهو بحاجة إلى أن يدعن هذا الباب، باب المناسك، وإن كان من عامة الناس فالحج قد وجب عليه في العمر مرة، فهو بحاجة أيضًا إلى أن يعرف شيئًا من أحكام هذه الشعيرة العظيمة. فمن أجل هذا وذاك أحببنا في هذا المجلس أن نتذاكر شيئًا من أحكام هذه الفريضة العظيمة. ولا شك ولا ريب أن مثل هذا المجلس لا يفي بحصر ولا الإلمام بجميع أحكام هذه الفريضة، ولكن حسبنا في هذا المقام التذكير والاختصار، وحسبنا في هذا المقام أن نذكر ما نرى أن الحاجة ماسة إليه، وأن الحاجة يحتاج إلى معرفته. أولا: وقبل أن نبدأ، لا بد أن نعلم عباد الله أن الحج عبادة عظيمة، وركن من أركان هذا الدين، فوجب على الحاج أن يخلص لله عز وجل في هذه العبادة. فقبل أن يذهب ويرحل من بلده ينبغي عليه أن يخلص لله عز وجل، وأن لا يتلفظ بألفاظ توحي إلى شيء من الرياء أو السمعة، فلا يقول: الحمد لله هذه الحجة السابعة، أو الحمد لله كل سنة وأنا أحج، أو الحمد لله قد حججت كذا وكذا مرة، أو إلى غير ذلك مما يسمعه الناس، فلربما يقع في شيء من الرياء والسمعة. فالله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾. فأخلص العبادة لله عز وجل، واجعل ذهابك إلى هذه العبادة لوجه الله سبحانه وتعالى، لا تريد من ذلك جزاء من أحد ولا شكورا. ثم ينبغي كذلك للحاج قبل أن يذهب إلى الحج أن يتفقه في أحكام هذه الشعيرة، لا تفقها سريعا ولا مرورا سريعا على أحكام الحج، بل ينبغي عليه أن يقرأ وأن يسمع وأن يسأل عن أحكام هذه الفريضة العظيمة، فإنه من العلم العيني، لأنه ربما إذا لم يكن عنده فقه في هذه الفريضة أخل بركن من أركانها، فكان سببا في بطلان حجه. فلذلك يتفقه المسلم قبل أن يذهب إلى الحج في أحكام الحج، حتى يعبد الله عز وجل على علم وبصيرة. وكذلك مما ينبغي على الحاج أن يعمله قبل أن يسافر أن يتحلل من إخوانه، وممن يرى أنه قصر في حقهم، أو عنده حقوق لهم، فيرجع هذه الحقوق ويستسمح منهم، وكذلك يودعهم، فهذا أيضا مما يكون أطيب لنفسه، وأشرح لصدره. وكذلك مما ينبغي أن يفعله الحاج قبل سفره أن يختار الرفقة الصالحة الطيبة لحجه، فإنها أكبر معين على إتمام حجك، وعلى كذلك أداء هذا الحج من غير منقصات ومن غير نقص ولا أخطاء، فإن الرفقة الصالحة تعينك، وتعينك، كذلك ترشدك إن أخطأت أو غفلت أو إلى غير ذلك، وهكذا تتعاون معهم على الخير وعلى البر والتقوى. وهذا أمر معلوم ومشاهد، فانظر لو أن ممن رافقتهم من طلاب العلم ومن ذوي الأخلاق الفاضلة، فإنك تعيش بينهم في راحة، وفي كذلك تناصح، وفي توافق وتعاون على الخير وعلى البر والتقوى، فلا تسمع منهم إلا خيرا، ولا ترى منهم إلا خيرا. ثم بعد ذلك ينبغي عليه أن يتأدب بآداب السفر، من الإتيان بالأذكار، أذكار ركوب الراحلة: «الحمد لله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين»، وغيرها من الأذكار الواردة من أذكار السفر. ثم بعد ذلك لتعلم أخي الحاج أن أهل العلم قد اختلفوا في أفضل ما هي أفضل الأنساك الثلاثة من أنساك الحج والعمرة. فإن الأنساك كما تعلمون ثلاثة: القران، والإفراد، والتمتع. والفرق بينها: أن القران تقرن بين الحج والعمرة، فتقول: لبيك اللهم حجا وعمرة، وعنده أن تكون ساقيا للهدي، يعني أن يكون معك هدي. وأما الإفراد فإنك تفرد بالحج، ولا يكون معك الهدي، ولا تأتي معه بعمرة. وأما التمتع فهو أن تأتي بالعمرة أولا ثم تحل منها، فتعمل ما يفعله الحلال، ثم إذا جاء وقت الحج تهل بالحج في اليوم الثامن. فاختلف العلماء: أي هذه الأنساك الثلاثة أفضل؟ والمعمول به في حملات الحجاج في بلدنا هذا هو التمتع، وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه أفضل الأنساك، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر الصحابة ممن قرن أو أفرد ولم يسق الهدي أن يتمتع، كما في حديث جابر وغيره في صحيح مسلم، ولأن النبي عليه الصلاة والسلام ساق الهدي فمنعه ذلك من التمتع، فقال عليه الصلاة والسلام: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة». فلذلك، ولله الحمد والمنة، أنتم في هذه الحملات تتبعون ما يفعله رواد هذه الحملات، وكما هو معلوم أن في بلدنا هذا يكون التمتع في الحج. التمتع في الحج كما تقدم: أن تأتي بالعمرة أولا، فلو ذهبت في آخر شهر ذي القعدة أو في أول ذي الحجة فإنك تأتي بالعمرة أولا. فإذا وصلت إلى الميقات التي حددها النبي عليه الصلاة والسلام، فلأهل اليمن يلملم، ولأهل المدينة ذو الحليفة. فإذا مثلا ذهبت مباشرة من اليمن إلى مكة لأداء العمرة، فلا شك أنك ستمر بميقات أهل اليمن وهو يلملم. فإذا وصلت إلى يلملم فإنك تتهيأ للإحرام، وهذا هو بداية الدخول في العمرة. وباختصار: أولا العمرة لها ثلاثة أركان لا غير: الإحرام، ومعناه الدخول في النسك، وذلك بنية الدخول في العمرة، ثم الطواف، ثم السعي. هذه الثلاثة هي أركان العمرة، من لم يأت لواحد منها فعمرته غير صحيحة. أما الحلق أو التقصير فهو واجب من واجبات العمرة. فالعمرة عملها يسير وقليل، وقد تؤدى في دقائق معدودة. فأولا: كما تقدم، إذا جئت إلى الميقات، ميقات أهل اليمن، فإنك تتهيأ للإحرام، وهو أول ركن من أركان العمرة. فتتهيأ وذلك بالاغتسال، أو بالأخذ مما لا يجوز أخذه بعد الإحرام. وهذا يجرنا إلى مسألة أخرى تتعلق بالإحرام، وهي ما تسمى بمحظورات الإحرام. سمي الإحرام إحراما لأن المحرم بعده تحرم عليه أشياء كانت عليه حلال، مثل الصلاة تسمى تكبيرة الإحرام، لماذا؟ لأنك إذا كبرت حرم عليك أشياء في الصلاة كانت حلال عليك من الأكل والشرب وكلام الناس وإلى غير ذلك. فهكذا الإحرام: إذا أحرمت فهناك محظورات تحرم عليك إذا دخلت في الإحرام. فأنت تتهيأ حتى لا تقع في شيء من هذه المحظورات. فمن هذه المحظورات، وهي عامة في محظورات المحرم للعمرة أو المحرم كذلك للحج: أخذ شيء من الشعر، شعر الرأس أو شعر الإبطين أو شعر العانة أو شعر الشارب. أما اللحية فالأخذ منها حرام قبل الإحرام وبعده كما هو معلوم، ولكن المراد الشعر الذي يجوز الأخذ منه قبل الإحرام فيحرم عليه. فإن كنت مثلا طويل الشارب أو طويل الشعر أو طويل كذلك الإبطين أو إلى غير ذلك، فتتنظف وتتجهز. وكذلك من محظورات الإحرام: أخذ شيء من الأظافر. وكذلك من محظورات الإحرام: التطيب، بمعنى تطيب الإحرام وملابس الإحرام. وأما ما يجوز من التطيب فسيأتي معنا عند بداية الإحرام. وكذلك من محظورات الإحرام: لبس المخيط، والمراد بلبس المخيط أن يلبس على الهيئة التي خيط عليها، يعني القميص تلبسه على هيئته، هذا من محظورات الإحرام. كذلك السروال تلبسه على هيئته التي خيط عليها، فهذا أيضا من محظورات الإحرام. ليس معنى المخيط أن لا تلبس أي شيء فيه خياطة، لا، وإنما المراد الشيء الذي يلبس على هيئة اللباس المخيط المحدد، الذي فيه أكمام، وفيه كذلك يعني تحديد للصدر أو البطن أو الاليتين أو إلى غير ذلك. أما القميص إذا جعلته على هيئة الإزار ولم تلبسه على ما خيط عليه فهذا لا بأس به. والإحرام إذا خيطته قطعتين ثم لبسته على هيئة الإحرام فلا شيء في ذلك. وكذلك من محظورات الإحرام: للرجل العمامة والقلنسوة، ما يغطى به الرأس ويلصق بالرأس، هذا أيضا من محظورات الإحرام. من محظورات الإحرام أيضا: لبس الخفاف التي تكون فوق الكعب. وكذلك من محظورات الإحرام: أن لا تقتل صيد البر، أو تعاون وتدل على ذلك. ومن محظورات الإحرام كذلك: إتيان النساء وجماعهم، أو ملامستهم بشهوة، أو إلى غير ذلك، فكل ذلك من محظورات الإحرام. فأولا: تحرم، وكما تقدم الإحرام هو الدخول في النسك، أي أن تنوي أنك دخلت في العمرة، دخلت في العمرة. فإذا جئت المسجد، بالنسبة لي لم... لم... إذا صادف وقت صلاة أو وقت نافلة مطلقة وأردت أن تصلي فلا بأس، لكن إن لم توجد صلاة فليس هناك صلاة محددة للإحرام، فيكفي أن تغتسل وأن تلبس إحرامك. والإحرام يكون بإزار ورداء: الإزار الذي يتزر به فيكون ما بين السرة والركبة، والرداء ما يرتدى به يكون على الكتفين ويغطى به أعلى البدن. وأما المرأة فلها أن تلبس ما شاءت من ثيابها، وليس هناك لها ثياب مخصصة في الإحرام، وإنما تنهى عن لبس القفازين التي تكون في اليدين فقط، وكذلك أن تلبس ما يشد على الوجه كالبرقع أو النقاب، ما يكون مشدودا. أما ما يكون مسدولا فهذا لا شيء فيه، لما جاء في حديث عائشة: «كانوا إذا رأوا الرجال أسدلوا...» حتى لا يرى الرجال وجوههم. وهذا فيه خطا يظنه بعض العامة وبعض النساء، أن المرأة إذا أحرمت تفتح وجهها ولا تغطيه حتى أمام الرجال الأجانب، وهذا ليس بصواب. ومن لم تعتاد على لبس الخمار فتسدل ما فوق رأسها على وجهها، كأن تأخذ لها خمارا. بعض النساء يتعذر، تقول: إني ألبس النقاب ما ألبس الخمار، فهذا لا يجوز لها أن تكشف وجهها، لا يجوز لها أن تكشف وجهها. فلذلك ما يحرم على المرأة كل ما يحرم على الرجال، باستثناء ما تقدم: تلبس ما شاءت وإن كان مخيطا، المرأة تلبس ما شاءت وإن كان مخيطا، وإنما تنهى في اللباس عن لبس القفازين وما يشد على الوجه من النقاب أو البرقع أو إلى غير ذلك. فإذن: يلتزم المحرم بهذا الإحرام، ويستحب أن يكون أبيض، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحب البياض عليه الصلاة والسلام. فإذا لبس الإحرام: هذا إذا كان برا، أما إذا كان في الجو فقد يقول: الطائرة ما تنزل، ما في هناك مطار في يلملم، فيقال له: تتجهز قبل صعودك إلى الطائرة، فتلبس الإحرام. فلباس الإحرام لا يدل على أنك دخلت في النسك أبدا، وإنما يدل على التجهز. فأنت تلبس الإحرام لأنه ما باستطاعتك ربما أن تلبسه إذا وصلت الميقات، أو أن تلبسه وأنت في الطائرة، قد تجد مشقة، فلا بأس أن تلبسه وأنت في البيت، وتكون لابسا له، وتركب الطائرة، فإذا وصلت الميقات أهللت بالإحرام، أهللت بالإحرام. وأما إن كنت برا فتقف في يلملم، وكما تقدم: إن كان وقت صلاة صليت، ولبست قبل ذلك، واغتسلت، ثم بعد ذلك أحرمت بعمرة لأنك متمتع، أحرمت بعمرة، فتقول: لبيك اللهم عمرة. وإن قلت: لبيك اللهم عمرة متمتعا بها إلى الحج، بعض أهل العلم قال لا بأس بذلك. ويفضل أن تبدأ بالإحرام عند صعودك إلى الباص، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما صعد على راحلته أهل بالحج عليه الصلاة والسلام، فقاس بعض أهل العلم وقال: إذا ركبت إلى الباص وأوشك على الانطلاق من يلملم تحرم، تحرم بالعمرة: لبيك اللهم عمرة. ثم تلبي بالتلبية التي لبى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث جابر في مسلم، وحديث ابن عمر وغيرهما من الصحابة: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك». وتكرر ذلك، وترفع صوتك بذلك، كما جاء أن جبريل عليه السلام جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: «مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية»، والحديث صححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. فالسنة أن ترفع صوتك بالتلبية عند الإحرام. وبهذا تكون قد دخلت في نسك العمرة، قد دخلت في نسك العمرة. طيب، قد يقول قائل: وهذا قد يقع في بعض الحملات، أن الحملة تتوجه مباشرة إلى المدينة، فتبدأ بزيارة مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، فكيف يكون الإحرام؟ كيف يكون الإحرام يعني قبل أن يذهب إلى مكة؟ أولا تذهب الحملة إلى المدينة، فكيف يفعل هؤلاء الحجاج؟ قال أهل العلم: يذهبون إلى المدينة بدون إحرام، لا يحرمون، يذهبون مباشرة إلى المدينة، المدينة للزيارة، ثم بعدما يفرغوا من زيارتهم سيمرون بميقات أهل المدينة وهو ذو الحليفة، فيحرموا من ذي الحليفة، ويأتوا بعمرة، ويفعلوا مثل ما فعلوا في يلملم، مثل ما فعلوا في يلملم. وبالنسبة لهذي الحليفة: يحرص الحاج أن يصلي فيه، فإنه مكان مبارك، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، فيصلي فيه ركعتين أو ما تيسر له من الصلاة، ويفعل مثل ما فعلوا في يلملم، مثل ما ذكرنا في ما يفعل المحرم في يلملم. ثم بعد ذلك يستمر في التلبية إلى أن يصل إلى بيت الله الحرام. فإذا أراد أن يشرع في الطواف ينتهي عن التلبية، خلاص يترك التلبية هنا، تنقطع التلبية. وقبل ذلك: إن استطاع أن يغتسل قبل أن يدخل إلى مكة فهذا هو الأفضل، لفعل النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه اغتسل قبل الدخول إلى مكة. وإن أراد أن يذهب مباشرة إلى السكن فيغتسل ويتجهز، فله ذلك. لأن المحرم، بارك الله فيك، يجوز له أن يغتسل، ويجوز له أن يغسل إحرامه، ويجوز له كذلك أن يشد الإحرام بخيط أو بما يشده، وإن كان هذا الذي يشد به الإزار مخيطا، فإنه من أجل مسك هذا الإزار، ربما يضع بعض نقوده أو بعض أوراقه في هذه المحفظة أو في ذاك الذي شده، فلا بأس بهذا، هذا ليس من محظورات الإحرام. ليس من محظورات الإحرام أن تلبس الساعة أو النظارة، أو أن يكون فوق رأسك المظلة، أو إلى غير ذلك، فهذه كلها ليست من محظورات الإحرام. فمثلا: إذا أردت أن تبدأ بالراحة في السكن لا بأس، لكن تبقى محرما، فلا تلبس المخيط، ولا كذلك تتطيب. ونسيت شيئا عند لبس الإحرام في الميقات: يجوز لك أن تطيب جسدك، يجوز لك أن تطيب جسدك دون ثياب إحرامك، تطيب مثلا يديك أو صدرك أو شعرك أو لحيتك أو رقبتك، يجوز ذلك، لما جاء في حديث عائشة أنها قالت: «كنت أطيب النبي عليه الصلاة والسلام لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف، قبل أن يطوف». فلا بأس أن يمس المحرم الطيب لكن عند اغتساله، أو بعد اغتساله، وقبل أن يلبس الإحرام، وقبل أن يلبس الإحرام. أما الإحرام فلا يمسه شيء من الطيب، لا يمسه شيء من الطيب. فالمهم: الأمر واسع في متى يأتي المعتمر بعمرته، هذه مباشرة يذهب، ليس من شرط الاعتمار أن تذهب مباشرة إلى العمرة، فقد تجلس في البيت وترتاح، أو يكون مكان زحمة، مثلا تختار مكانا أو وقت زحمة، تختار وقتا آخر فيه قلة من الناس، أو إلى غير ذلك، فهذا كله يجوز ولا شيء في ذلك، المهم أن تبقى محرما، أن تبقى محرما. وتنقطع التلبية كما ذكرنا إذا أردت أن تشرع في العمرة. ثم تنتقل إلى الركن الثاني من أركان العمرة وهو الطواف، وهو الطواف. والطواف: أولا لما ترى البيت تذهب إلى الحجر الأسود، إن استطعت الوصول إليه بدون أذية ولا مزاحمة، والحجر الأسود هو الركن الذي بجانبه باب الكعبة، الذي بجانبه باب الكعبة. فإن استطعت الوصول إليه بدون أذية، وهذا متعسر، يكاد أن يكون متعسرا في هذا الزمان، فلا بأس، وإلا فلا تؤذي. بل ذكر أهل العلم أن تقبيل الحجر أو مس الحجر مستحب، ليس بواجب، وأذية الناس محرم، فلا يتوصل إلى المستحب بالمحرم. لا يتوصل إلى المستحب بالمحرم. فعندما تدنو إلى الحجر، كم تؤذي من الناس، كم تضغط من الناس، كم ربما ترفس من الناس، وكم تسقط ربما من الناس، هذا كله أذى. فإذا لم تستطع، ومعك مثلا عصا أو شيء تستطيع تمس به هذا الحجر، فلا بأس بذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان معه محجن فمس به الحجر ثم قبله. فإن استطعت ذلك فافعل. وهذا أيضا يكاد أن يكون متعسرا، أن يكون معك عصا. وإلا فيكفي أن تشير إشارة، تأتي إلى الركن وتشير إشارة موازيا له، وفي أول الطواف، في أول شوط من الطواف، تشير وتقول: بسم الله والله أكبر، لأنك بدأت في الطواف، فتبدأه بسم الله. وأما التكبير فهو في كل شوط من أشواط الطواف، من أشواط الطواف، فتقول: بسم الله والله أكبر. ثم تجعل البيت على يسارك، هذا البيت تجعله على يسارك، ثم تطوف. وماذا تقول في هذا الطواف؟ لم يرد ذكر معين إلا بين الركنين: الركن اليماني والحجر الأسود، فإنك تقول: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار». وأما في غير هذا الموضع فتذكر الله عز وجل بما شئت، تقرأ القرآن، تدعو الله عز وجل، تهلل، تسبح، تشغل نفسك بما يقربك إلى الله عز وجل، بما يقربك إلى الله سبحانه وتعالى. فتطوف، فإذا وصلت إلى الركن اليماني، وهو الركن الذي يوازي الحجر الأسود من هذه الجهة، فإذا وصلت إليه فإن استطعت أن تستلمه استلمته بيدك فقط، لا تقبل، ولا تكبر، ولا كذلك يعني تقبل يدك بعدما تستلمه، ولا شيء من ذلك، إنما إن استطعت أن تستلمه استلمته. فإن النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء من حديث ابن عمر: «ما كان يستلم من البيت إلا الركن اليماني والحجر الأسود». والحجر الأسود: فإن استطعت أن تستلمه بيدك فعلته، وإن لم تستطع مشيت ولم تفعل شيء. فما يفعله بعض الحجاج أو المعتمرين أو الطائفين من تقبيل أيديهم، أو من التكبير والإشارة عند الركن اليماني، فهذا كله خلاف السنة. فالسنة جاءت في استلامه إن تيسر ذلك، وإن لم يتيسر مشى الطائف ولم يفعل شيئا. فإذا كان بين الركن اليماني والحجر الأسود أتى بهذا الدعاء: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار». فإذا جاء ووازى الحجر الأسود: إن استطاع أن يستلمه، أن يقبله، قبله واستلمه، إذا لم يستطع أشار إشارة، وفي هذه الإشارة يكبر فقط، ولا يسمي، لا يقول بسم الله في كل طواف، كما يفعله كثير، كثير من من يطوف بالبيت، في كل شوط: بسم الله الله أكبر، بسم الله... هذا في الشوط الأول لأنك ابتدأت الطواف. أما في الشوط الثاني وإلى السابع، هذا الذي جاء عنه عليه الصلاة والسلام: التكبير فقط، التكبير فقط، فتقول: الله أكبر، وتمشي بأدب وعدم مزاحمة، وبذكر لله سبحانه وتعالى، من قراءة القرآن، من التسبيح، من التهليل، من الدعاء بما شئت، تفعل ذلك سبعة أشواط. هناك مسائل يذكرها أهل العلم: منها عند الطواف يشترط الطهارة من الحدثين الأكبر والأصغر، فلابد أن تكون متطهرا. فإذا أحدثت أثناء الطواف فتذهب وتتوضأ، فإذا جئت هل تستأنف من البداية؟ هل يعني تأتي بالطواف من البداية، أو تستأنف من حيث وقفت؟ الصحيحة والله أعلم أنك تبدأ من حيث وقفت، مثله مثل إذا أقيمت الصلاة وأنت تطوف، أنت تطوف طفت ثلاثة أشواط ثم قامت الصلاة، فتصلي، ما يتركون أحدا يطوف، الكل يصلي، فإذا صليت فتبدأ من المكان الذي وقفت منه، إذا طفت ثلاثة أشواط تأتي بأربعة تمام السبعة. وهكذا في الوضوء: إذا انتقض وضوءك وذهبت تتوضأ، إذا أتيت بثلاثة أشواط تكمل، فتأتي بأربعة. وكذلك إذا شككت في عدد الأشواط، كم طفت؟ هل ستة أو خمسة أو أربعة؟ فهنا تعمل بغلبة الظن، تحاول أن تتذكر وتعمل بغلبة الظن. إذا ما استطعت، ما عندك غلبة ظن، عندك ظن فقط بدون غلبة، فهنا تبني على اليقين، ومعنى تبني على اليقين: إذا أنت شاك هل ثلاثة أو أربعة تجعلها ثلاثة، لأن هذا اليقين. إذا شككت خمسة أو ستة تجعلها خمسة، لأن هذا اليقين. فتزيل الشك باليقين، فتعمل باليقين، فتجعله الأقل، تجعله الأقل. فإذا انتهيت من الطواف، إذا انتهيت من الطواف، فهنا تتوجه خلف المقام، والمقام بين الحجر الأسود والركن الشامي. وهنا ننبه على أمر: ذلك المكان الذي يسمى بالحجر، فإنه من الكعبة، ما بداخله من الكعبة، فلا تطوف من داخله، إنما طوف من خارجه. فقوم الآن ما يجعلون أحدا يطوف بداخله. فإذا انتهيت من الطواف ذهبت إلى المقام، وتصلي ركعتين على ما يتيسر، لا يشترط أن تصلي هاتين الركعتين خلف المقام مباشر، فإن هناك زحام شديد، وإنما تصلي في أي مكان من المسجد، فتتحرى المكان الذي ليس فيه زحمة، وإن كان بعيدا من المقام، وإن كان بعيدا من المقام، فتصلي ركعتين، تقرأ في الأولى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾، وفي الثانية: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾، بعد فاتحة الكتاب. ثم بعد ذلك تتوجه إلى ماء زمزم، الحمد لله هناك الحنفيات موجودة وكثيرة، فتشرب من هذا الماء، وتسكب على رأسك، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع وفي غيرها، فإنه سكب على رأسه وشرب من هذا الماء بعد أن صلى خلف المقام. فبهذا تكون قد انتهيت من الطواف. ثم بعد ذلك تتوجه إلى الصفا والمروة كي تسعى بينهما، كي تسعى بينهما. فتذهب وتبدأ بالصفا، تصعد إلى الصفا، وهو مرتفع يسير، قد جعلوا عليه العلامات والكتابات. فتقول: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾، ثم تقول: أبدأ بما بدأ الله به، لأن الله عز وجل في هذه الآية بدأ بالصفا، فأنت تبدأ من الصفا. فتقول: أبدأ بما بدأ الله به. ثم توحد الله، فتقول: لا إله إلا الله وحده، نصر عبده، وهزم جنده، لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده. ثم تأتي به مرة ثانية وثالثة، ثلاث مرات، تكرر هذا الفعل، تكرر هذا الدعاء. ثم بعد ذلك تدعو وتستقبل القبلة، تدعو وتستقبل القبلة، وإن استطعت أن تطيل في الدعاء فافعل، ولكن هناك زحام ربما يمنعك من الإطالة، فتدعو بما يتيسر لك، وترفع يديك وتدعو دعاء طويلا إن استطعت. ثم تقول الذكر مرة ثانية وتدعو، ثم ثالثة وتدعو، ثلاث مرات تفعل ذلك. ثم فتبدأ بالصفة وتنتهي بالمروة، هذا شوط من الصفا إلى المروة يعد شوطا. فإذا وصلت إلى المروة فعلت مثل ما فعلت على الصفا: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده. ثم تدعو، تستقبل القبلة وتدعو، وإن استطعت أن تطيل في الدعاء فعلت. ثم بعد ذلك تأتي بالذكر مرة أخرى وتدعو، وهكذا تفعل ذلك ثلاث مرات في كل شوط، في كل شوط. فتبدأ بالصفا وتنتهي بالمروة. قال العلماء: أربع أشواط من الصفا إلى المروة، وثلاث أشواط من المروة إلى الصفا، فالأوتار تكون من الصفا إلى المروة، يعني الأول والثالث والخامس والسابع يبدأ من أين؟ من الصفا. والأشفاع تبدأ من المروة، يعني الثاني والرابع والسادس تبدأ من المروة. فهذه سبع أشواط. فإذا انتهيت تبدأ من الصفا وتنتهي كذلك إلى... وتنتهي إلى المروة، تنتهي إلى المروة في السابع. فهذه سبع أشواط، وليس كما يفهم البعض أن الشوط من الصفا إلى المروة ومن المروة إلى الصفا، لا، هذه ثلاثة... هذه شوطان، ليس شوط واحد. وأيضا: إذا وصلت إلى بطن الوادي، إذا وصلت إلى بطن الوادي، فإنك تسرع، ترمل، تسرع في المشي، وهو مقاربة الخطو مع الإسراع، وقد جعلوا علامات على أميال خضر أو أميال قضى، إذا وصلت إليها تسعى بشدة، بفعل أم إسماعيل عليها السلام. وهكذا: نسينا أمرا في طواف القدوم، وهو من السنة، أنك عند طواف القدوم تضبع في الإحرام، والإضطباع هو أن تجعل الرداء أسفل الإبط الأيمن، أسفل الإبط الأيمن، وتجعل طرفه على الكتف الأيسر، على الكتف الأيسر. هذا من فعل النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الطواف خاصة، وهو طواف القدوم، بما اختص به طواف القدوم. وهكذا من السنة في هذا الطواف، طواف القدوم، كذلك الرمل، وهو الإسراع، الإسراع في المشي، وهذا في الثلاثة الأولى فقط، ترمل في الثلاثة الأولى فقط، الأول والثاني والثالث. وهذا جاء في عمرة القضاء، لأن المشركين قالوا: إن الصحابة قد أوهنتهم حمى يثرب، فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يريهم ما عليه الصحابة من القوة، فأمرهم بالرمل. رغتلا الحمد لله، رسول الله، وعلى آله صحبه، وعلى آله. وبعد: فقلنا إذا انتهى من السعي بدأ هنا بالحلق أو التقصير. فإن كان هناك فترة زمنية إذا حلق، يكفي في طلوعه وقت الحج، فهنا الأفضل الحلق، لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين ثلاثة، وللمقصرين مرة واحدة. وإن كانت الفترة قصيرة فإنه يقصر ولا يحلق، وإنما يحلق في الحج. فإن عليه كذلك حلق بعد السعي، بعد السعي، فيحلق أو يقصر على التفصيل المتقدم. فإذا فعل ذلك فقد انتهت عمرته، فقد انتهت عمرته. وننبه هنا على أن الحلق أو التقصير يكون للشعر كاملا، لا يقصر جزءا ويترك الجزء الآخر، أو يحلق جزءا ويترك الجزء الآخر، وإنما يعمم. فإذا فعل ذلك فقد انتهت عمرته، وله أن يحل، لأن نحن نتكلم في هذا المقام على حج المتمتع، على حج المتمتع. فإذا حلق أو قصر انتهت عمرته، فحل له ما حرم عليه بالإحرام، فيبقى على إحلاله، ويتعبد إلى الحرم، ويصلي ما كتب الله له، ولا يضيع وقته بين الأسواق وبين التنزه وإلى غير ذلك، وإنما يحرص على الطاعة، ويحرص على الطواف، فإنه عبادة، قال عليه الصلاة والسلام، من حديث ابن عمر: «من طاف حول البيت أسبوعا كانك عتق رقبة»، في رواية: «من طاف حول البيت سبعا ثم صلى ركعتين كانك عتق رقبة». فأنت تطوف سبع مرات ثم تصلي ركعتين خلف المقام، هذا عبادة عظيمة، تحرص عليها، ولو في اليوم مرة، لكن بدون سعي، لأنه طواف عبادة وتنفل مطلق، فتطوف بدون سعي، وإنما السعي في العمرة، وفي طواف الإفاضة بعد طواف الإفاضة في الحج. فتستغل وقتك بقراءة القرآن، بالصلاة، بالطواف، بالذكر، إلى أن يأتي اليوم الثامن من ذي الحجة، وهو يوم التروية. فهنا تحرم من المكان الذي أنت فيه، من مكة، من العزيزية، من أي مكان أنت فيه، تفعل مثل ما فعلت في الميقات: تغتسل، تطيب في جسدك، تلبس إحرامك، تلبس إحرامك، ويحرم عليه محظورات الإحرام كما تقدم في العمرة. ثم تذهب إلى منى في اليوم الثامن، تذهب مثلاً ضحى، فتصلي في منى خمس صلوات: الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، تصليها قصرا بدون جمع، لفعل النبي عليه الصلاة والسلام لهذا الموضع خاصة، تصلي الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، والعشاء ركعتين، ولا تجمع بين الصلوات، ولا تجمع بين الصلوات، وتلبي، وتكثر من ذكر الله عز وجل. فإذا كان يوم عرفة، إذا كان يوم عرفة، مشيت بعد أن تطلع الشمس إلى عرفة. نمنا ومن باب كذلك عزن التشتت في مسائل الحج، لنعلم أن أركان الحج أربعة. أركان الحج أربعة. قلنا أركان العمرة ثلاثة: الإحرام والطواف والسعي. وأركان الحج أربعة: الثلاثة المتقدمة: الإحرام والطواف والسعي، ويزاد الوقوف بعرفة، ويزاد الوقوف بعرفة. هذا من لم يأت بها حجه غير صحيح. أما غيرها فهو بين الوجوب والاستحباب، فهو بين الوجوب والاستحباب. فالذهاب إلى منى في اليوم الثامن هو من باب الاستحباب، وليس من باب الوجوب، من باب الاستحباب. ولذلك هناك مسألة ربما يضطر إليها بعض الحجاج، وهو أن يذهب إلى عرفة من ليلة يوم عرفة، لا من صباح يوم عرفة، يذهب من الليل، خشية أن لا يجد مخيمة لكثرة الزحام في الصباح، فإن بعض الناس ربما لم يجد المخيم الذي حدد له إذا ذهب صباحا لكثرة الزحام. فإذا خشي من هذا فلا بأس، حتى لا يفوت عليه الحج، أو يتعب تعبا شديدا، ويقف في أي مكان في عرفة، يكون هناك من الشمس والحرب وإلى غير ذلك، فلا بأس. أما إذا لم يخش، وعنده من هو عارف بالطريق وسيوصله إلى مكان مخيمه، فهذا لا بأس به، يعني أن يذهب صباحا، أن يذهب صباحا، لفعل النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه مشى من منى في يوم عرفة بعد أن طلعت الشمس. ثم يذهب حتى يصل إلى عرفة، ويتحرى أن يجلس في عرفة، وأن يقف بعرفة، وقد وضعت علامات، ويحذر أن يكون خارج حرم عرفة، فإنما الحد عرفة. فإذا زالت الشمس ودخل وقت صلاة الظهر، فإن النبي عليه الصلاة والسلام نزل في نمرة، وهو الآن مسجد كبير معروف، ولكنه لا يسع جميع الحجاج، وفيه من الزحام الشديد، فيكفي أن يجلس الحاج في أي مكان من عرفة، ولو كان بعيدا من نمرة، لكثرة الزحام، أو لارتباطه بالحملات الحجاج، فيجلس في مخيمه، لا سيما إذا معه نساء وضعفة، فيجلس في مخيمه. فإذا جاء وقت الظهر، فإن النبي عليه الصلاة والسلام جمع بين الظهر والعصر، وكذلك صلاهما قصرا، صلاهما قصرا، الظهر والعصر في وقت الظهر، في وقت الظهر. من كان منفصلا عن المسجد لا يصلي مع الإمام بمكبرات الصوت، لأن المسجد منفصل، ولكن يصلي في مخيمه مع الجماعة، الجماعة الذين هم معه، يصلي معهم، يصلي بهم أحدهم، ويخطب لهم بما يتيسر من بيان أحكام ما بقي من أحكام الحج، ويذكرهم بهذه الأحكام. ثم بعد ذلك يشتغل الجميع بالدعاء، فإن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير». فإذن يشتغل بالدعاء والتضرع، ولا يضيع وقته. بعض الناس يضيع وقته بالصعود إلى جبل الرحمة، هذا ليس من السنة، نعم النبي صلى الله عليه وسلم وقف في أعلى هذا الجبل، لكن قال: «وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف». فأنت تجلس في أي مكان، ولا تشق على نفسك، وتصعد الأماكن العالية، وتضيع وقتك وخشوعك، وكذلك يعني استغلال الوقت في الدعاء والتضرع. فتجلس تستقبل القبلة، وتكثر من الدعاء، ولا تشغل نفسك بكثرة المأكلات والمشروبات، فأنت أحوج ما تحتاج في هذا الوقت إلى ثانية واحدة تدعو الله عز وجل فيه. فتستمر في الدعاء إلى قبيل... أو إلى أن تقرب الشمس، ولا تخرج قبل الغروب، لا تخرج قبل الغروب، فإن من جلس بالنهار في عرفة يجب عليه أن يستمر في الوقوف إلى أن تغرب الشمس، واجب من واجبات الحج: الوقوف بعرفة لمن وقف فيها نهارا. وأما وقت الضرورة فيجوز أن يقف فيها في أي ساعة من ليل أو نهار، كما جاء في حديث عروة بن المضرس. فإذا غربت الشمس مشى من عرفة، وأفاض من عرفة بهدوء وسكينة، وهكذا ذل وشكر لله عز وجل، لا يؤذي أحد، ولا يسرع في مكان مزدحم يؤذي