الخطبة بعنوان ورضوان من الله أكبر، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١٥ جمادى الأخر ألقاها
يتناول أهمية رضوان الله تعالى على عباده المؤمنين في الآخرة، حيث يعتبر نعمة عظيمة ومنة كريمة. يُبين أن رضوان الله أكبر من نعيم الجنة.
نيل رضا الله يكون باتباع السلف الصالح، وإرضاء الوالدين، والاعتراف بنعم الله وشكره عليها. يشمل أيضًا الحمد عند الطعام والشراب والصبر والرضا بقضاء الله.
دعاء يطلب فيه العبد من الله إصلاح دينه ودنياه وآخرته، وزيادة الخير، والراحة من الشر عند الموت. يشمل الدعاء أيضًا الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. في هذه الآية يخبر الله جل وعلا بهذا الوعد العظيم الذي وعده لعباده المؤمنين، وكذلك أيضًا للمؤمنات: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، جناتٍ تجري من تحتها الأنهار، تلكم الجنات العظيمة التي خلقها الله عز وجل لأهل الإيمان ولأهل التقوى، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، تجري من تحتها الأنهار، أنهارٌ من لبن، وأنهارٌ من عسل، وأنهارٌ من خمرٍ لذةٍ للشاربين، وأنهارٌ من ماءٍ غير آسٍ، أنهار تجري من تحتهم، فيها ما تشتهيه أنفسهم، وما تلذُّ به أرواحهم، وتتنعمُ به أجسادهم. ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، مع ما في الجنة من أنواع النعيم، ومن أنواع اللذات، إلا أن نعيمهم، وأن لذتهم، وأن طيب قلوبهم بما يتحصل لهم من رضوان الله جل وعلا أكبر مما في الجنة من النعيم، ورضوانٌ من الله أكبر من كل نعيمٍ ولذة في تلكم الجنات العظيمة. فيا عباد الله، إن رضوان الله جل وعلا على العبد نعمةٌ عظيمة، ومنةٌ كريمة، ينبغي أن يسعى لها المؤمن، وأن يحرِص عليها، وأن يكون من أهلها، وذلك لما في تحقيق هذا المقام العظيم من كمال النعمة، وكمال اللذة، وهكذا أيضاً من حصول رضوان الله جل وعلا من مغفرة الذنوب، وتكفير الخطايا والسيئات، ورفع الدرجات، ونيل المقام العاليات. جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله عز وجل لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطي أحداً من خلقك؟ فيقول: أفلا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعدها أبداً». فأي نعيم أعظم من هذا؟ وأي منة أعظم من هذه؟ أن يحل عليك رضوان الله، فلا يسخط الله جل وعلا عليك بعدها أبداً، لأن العبد إذا سخط الله عليه فهو في خطر عظيم، وكذلك أيضاً في ماذا؟ في طريق إلى الهلاك والخسران. فإذا ضمن رضوان الله جل وعلا حصل له كمال النعيم، ولذلك عباد الله ينبغي للمسلم أن يسعى في هذه الدنيا إلى نيل رضوان الله جل وعلا، وأن يعمل بالأسباب، وأن يعمل بالأعمال والطاعات التي بها ينال رضا الله جل وعلا. ألا وإن منها الإيمان بالله جل وعلا والعمل الصالح، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾. انظروا عباد الله إلى هذا المقام العظيم الذي ناله هؤلاء المؤمنين حين آمنوا بالله، وعملوا الصالحات، آمنوا بالله ربا، وآمنوا بألوهيته، وآمنوا بربوبيته، وبأسمائه وصفاته، حققوا أركان الإيمان، ثم ظهرت ثمار هذا الإيمان في أعمالهم، وفي أفعالهم، فأقبلوا على الطاعات، وعلى فعل الصالحات، فكانوا في الدنيا هم خير الخليقة، وهم خير البرية، ثم كانت منازلهم في الآخرة كذلك هي خير المنازل، وهي خير المساكن، ونالوا بذلك رضوان الله سبحانه وتعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾. نعم، من خشي الله فإن خشيته لله تورثه الإقبال على الطاعات، والمسارعة في فعل الخيرات، والابتعاد عن فعل المعاصي والمحرمات. ومنها كذلك حسن الاتباع للسلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، فالله جل وعلا يقول: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. انظروا عباد الله كيف أثنى الله جل وعلا على المتبعين للسلف الصالح من المهاجرين والأنصار، وغيرهم من صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذين اتبعوهم بإحسان، اتباعًا ليس كأي اتباع، بل هو في غاية الإحسان، اتباعًا في العقيدة، واتباعًا في المنهج، واتباعًا في العبادات، واتباعًا في المعاملات، فأحسنوا في متابعتهم، اقتداءً بالصحابة رضوان الله عليهم، وسيرًا على ما كان عليه نبيهم عليه الصلاة والسلام، اتباعًا للكتاب والسنة على فهمهم، وعلى منهجهم وطريقتهم، فنالوا بذلك رضوان الله سبحانه وتعالى. ابتعدوا عن الطرق والمناهج المنحرفة، وكذلك الزائغة المخالفة لدين الله، والمخالفة لشرع الله سبحانه وتعالى، فلم يكونوا على مناهج حزبية، ولا على طرق كذلك فيها العصبية والحمية، بل كانوا على نهج مستقيم، وعلى صراط مستقيم، على كتاب الله، وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، بفهم سلف الأمة رضوان الله تعالى عليهم. كذلك أيضًا عباد الله، من أسباب نيل رضوان الله جل وعلا رضا إرضاء الوالدين، والحرص على ذلك بما هو موافق لدين الله وشرعه، فإن رضا الوالدين سبب لرضا الله سبحانه وتعالى. روى الإمام أحمد في مسنده، والبخاري رحمه الله في الأدب المفرد من حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رضا الله في رضا الوالد، وسخط الله في سخط الوالد». رضا الله في رضا الوالد، أي الرضي عليك والدك، والوالد هنا يدخل فيه الأب والأم، الرضي عليك والداك، فذلك سبب لأن تنال رضا الله، لأن الله عز وجل أمر بطاعتهما، وبالإحسان إليهما، وبرهما، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة. قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. والله عز وجل يقول: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾. الله عز وجل أمر بالإحسان إليهما، وعلق جل وعلا بطاعته ورضاه بطاعة الوالدين، فلذلك ينبغي عليك أيها المسلم أن تحرص على إرضاء والديك حتى تنال بذلك رضا الله، وأن تحذر من سخطهما، فإن سخطهما سبب لسخط الله عليك. رضا الوالد، رضا الرب، في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد، فانظروا عباد الله عظم حق الوالدين، حتى كان رضا الله متعلقًا برضاهما. فلذلك ينبغي أن تحذر أن تحذر من عقوقهما، أو من إغضابهما، أو كذلك من سخطهما عليك، وذلك كما سمعنا فيما كان في طاعة الله، أما في معصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. والله جل وعلا يقول: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾. ومنها كذلك عباد الله الاعتراف بنعم الله، وإدامة شكر الله سبحانه وتعالى عليها، ومن ذلك النعم التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها عليك نعمة المال، وما فتح الله جل وعلا عليك من متاع الدنيا، ينبغي أن تعرف قدر هذه النعمة، وأن تؤدي شكرها، وأن تعترف بأنها فضل من الله، تعترف بذلك بقلبك، وتشكر الله عز وجل عليها بجوارحك، وأن تسخرها في طاعة الله جل وعلا، وأن تنفق منها فيما يقربك إلى الله، فإن ذلك سبب لنيل رضا الله جل وعلا. جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في قصة أولئك الثلاثة الذين امتحنهم الله وابتلاهم، وهم الأقرع والأبرص والأعمى. أما الأقرع والأبرص فقد أرسل الله جل وعلا لهم الملك، فجاء إلى الأقرع، ثم سأله بأنه يريد شعرًا حسنًا، فسأل الله عز وجل له ذلك، فأعطي شعرًا حسنًا، ثم طلب من المال البقر، فأعطي بقرةً حاملة. ثم أتى إلى الأبرص، فسأله أن يذهب عنه البرص، وأن يعطي الجلد الحسن، فدعى الله عز وجل له، فأعطي جلدًا حسنًا، وذهب عنه البرص، ثم سأل من المال، فأعطي ناقةً حاملة. ثم أتى الأعمى، فسأله أن يرد الله إليه بصره فيبصر الناس، فدع الله عز وجل، فرد الله عليه بصره، ثم سأل من المال، فأعطي شاةً حاملة. ثم أنتج كل واحد مما آتاه الله عز وجل من المال، فصار لهذا واد من الإبل، ولذاك واد من البقر، ولذاك واد من الغنم. ثم أتى إليهم الملك في صورتهم، أتى إلى الأقرع، فسأله أن يعطيه مما أعطاه الله عز وجل، فتكبر وجحد نعمة الله، وأخبره أنه إنما ورث ذلك كابرًا عن كابر. ثم فدى عليه الملك إن كان كاذبًا أن يصيره الله إلى ما كان، ثم أتى إلى الأبرص، فقال له مثل ما قال الأول، فدعا عليه أن يرده الله عز وجل إلى ما كان، فذهبت منهم هذه النعمة التي كانوا عليها. لما أتى الأعمى، وسأله أن يعطيه شاةً، أخبره الأعمى بأنه كان فقيرًا، فأعطاه الله وأعمى، فرد الله إليه بصره، فقال: خذ ما شئت، ودع ما شئت، فقال له الملك: أمسك عليك مالك، وإنما أبتليتم، فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك. رضي الله عنك وسخط على صاحبيك، لماذا؟ لأن الأعمى اعترف بنعمة الله، ورد الفضل لله، وشكر الله على ما أنعم عليه، ولم يبخل بما آتاه الله سبحانه وتعالى، فكان ذلك سببًا في بقاء هذه النعمة، وسببًا في رضا الله سبحانه وتعالى عنه. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، إن من أسباب نيل رضوان الله جل وعلا أن تحمد الله عز وجل عند طعامك وشرابك، بعد فراغك وانتهائك، تحمد الله على ما أنعم عليك من هذه النعمة، فإنك بذلك تنال رضوان الله جل وعلا. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، وأن يشرب الشربة فيحمده عليها»، رواه مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه. انظروا عباد الله إلى نيل هذا المقام العظيم، وهذا الثواب الجزيل، بما يفعله العبد من قيامه بحمد ربه عند طعامه وشرابه، فما أسهل هذا من عمل، وما أيسره من فعل، لكن التوفيق من الله سبحانه وتعالى. ومنها كذلك أيضًا الصبر والرضا بما كتب الله جل وعلا من الابتلاء والقضاء، جاء عند الإمام الترمذي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن ساخط فله السخط». انظروا عباد الله، النبي عليه الصلاة والسلام يخبر أن عظم الجزاء مع عظم البلاء، كلما كانت البلية عظيمة، كلما كان الجزاء أعظم. إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فابتلاء الله جل وعلا للعبد ليس علامة على غضب الله عليه، أو عدم محبته له، بل إن الله سبحانه وتعالى يبتل العبد حتى يرفع درجاته، ويكفر ذنوبه وسيئاته. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أراد الله بعبده خيرًا يصب منه»، أن يبتليه بأنواع البلاء حتى يرفع له الدرجات، ويكفر عنه الخطايا والسيئات. لكن الواجب على المسلم إذا ابتليه بأي نوع من أنواع البلاء أن يصبر على ذلك، فلا يجزع، ولا يتسخط، ولا كذلك يتشكى، وفوق ذلك وهو ما هو أعظم منه أن يرضى بقضاء الله، أن يرضى بقضاء الله جل وعلا، فإنه ينال بذلك هذا المقام العظيم، أن يرضى الله سبحانه وتعالى عنه. وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، من رضي بهذا البلاء، ومن رضي بهذا القضاء فله الرضا من الله جل وعلا. ألا فلتهن عليك مصيبتك أيها المسلم، من مرض، أو فقد مال، أو فقد قريب، أو فقد صديق، أو فقد حبيب، أو كذلك فقد عالم، أو غير ذلك من المصائب، أمام الرضا بقضاء الله سبحانه وتعالى، فإنك بذلك تنال رضا الله، وكفى بذلك نعمة عظيمة، وكفى بذلك شرفًا كريمًا، أن يرضى الله سبحانه وتعالى عليك أيها المسلم. إن أسباب نيل رضوان الله جل وعلا كثيرة، يطول المقام بذكرها، فعليك أن تحرص على تحقيق هذا المقام، أن تكون حريصًا على إرضاء الله، ولو سخط عليك من سخط من الناس، فليكن همك، وليكن مقصدك هو إرضاء الله جل وعلا، فإنك إن فعلت ذلك وأرضيت ربك، رضي الله عنك، وأرضى عنك الناس. روى الإمام الترمذي في سننه من حديث عائشة رضي الله عنها، وصحح العلامة الألباني رحمه الله في الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من التمس رضا الله بسخط الناس، رضي الله عنه، وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس». انظر عباد الله، من التمس رضا الله بسخط الناس، يريد رضوان الله، يريد أن يتقرب إلى الله، ولو سخط عليه من سخط من الناس، فإن الله جل وعلا يرضى عنه، ويرضي عنه الناس، لأنه قدم رضوانه على رضاهم. ومن التمس رضا الناس بسخط الله، يريد من الناس أن يحبوه، ويريد من الناس أن يرضوا عنه، فيتنازل مما يتنازل منه من حقوق، وواجبات، ربما يرتكب المحرمات، أو يترك الواجبات لأجل أن يرضى عنه الناس، فيسخط الله عليه، ويسخط عليه الناس. وانظروا عباد الله، انظر إلى هذا الأمر العظيم في أحوال الأفراد، وفي أحوال كذلك الجماعات، تجد تحقيق ما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فتجد الإنسان الذي يرضي ربه، ويحرص على ذلك، تجد له مقاما بين الناس، واحتراما، وتقديرا، لأن الله جل وعلا قد رضي عنه. وهكذا أيضًا في سبيل أو في مستوى الجماعات، فانظر إلى تلكم الجماعات الكثيرة التي تحرص على إرضاء الناس، ولو بسخط الله، فيسخط الله عليها، ويسخط عليها الناس، فلا يرضى عليها من الناس أحد. لكن انظر إلى دعوة أهل السنة والجماعة التي تحرص على إرضاء الله، وتجعل هذا الأمر ماذا؟ أمرًا عظيمًا من مقاصدها، كيف أن الله جل وعلا يجعل لها القبول، ويجعل لها محبة في قلوب الناس، لأنهم حرصوا على إرضاء الله جل وعلا. أسأل الله سبحانه وتعالى بمنه وكرمه أن يوفقنا وإياكم لطاعته، ويجعلنا سبحانه من المرضيين عنده. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله.