كتاب الصيام 1

الدرس في كتاب الصيام 1، ألقاها

تعريف الصيام وأحكامه ومراحل فرضه

يُعرّف الصيام لغة وشرعًا، ويُعتبر ركنًا من أركان الإسلام، ويجب على كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصوم. يُوضح أيضًا مراحل فرض الصيام في الإسلام.

شروط وجوب صيام رمضان والإسلام

يشترط لوجوب الصيام الإسلام، فالكافر لا يقبل منه الصيام إلا إذا أسلم، كما أنه مخاطب بوجوب الصيام. يجب صيام رمضان على كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصوم.

شروط وجوب الصيام: البلوغ وعلاماته

يشترط لوجوب الصيام البلوغ، وعلامات البلوغ ثلاثة للذكور و أربعة للإناث، متى ما ظهرت إحداها صار الشخص بالغًا ومكلفًا.

أثر ظهور علامات البلوغ ومسؤولياته

عند ظهور علامة من علامات البلوغ يصبح الشخص مكلفًا ويلزمه أداء الواجبات والفرائض، وهذا يعد علامة على بلوغه وبدء مسؤولياته الدينية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنقرأ إن شاء الله من هذا اليوم في كتاب الصيام من عمدة الفقه للإمام عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي رحمه الله. وهذا الكتاب، كتاب عمدة الفقه، من الكتب النافعة والمفيدة، فهو كتابٌ مختصر، وجمع مؤلفه كثيرًا من مسائل الفقه. وهكذا أيضًا فيه سهولة العبارة وحسن الترتيب، وهو على مذهب الإمام أحمد، واقتصر فيه المؤلف رحمه الله على روايةٍ واحدة. والإمام ابن قدامة، مؤلف هذا الكتاب، من أئمة الفقه وأئمة الأصول، وهكذا أيضًا من أهل الحديث. وقد قال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "لم يكن أحد في الشام بعد الأوزاعي أفقه من ابن قدامة". ولو رحمه الله في مذهب الإمام أحمد أربع كتب: كتاب عمدة الفقه، واقتصر فيه على روايةٍ واحدة، وكتاب المقنع، واقتصر فيه على روايتين، وكتاب الكافي، ذكر فيه عدة روايات، وكتاب المغني، ذكر فيه أقوال الفقهاء في المذاهب الأربعة وأدلتهم، وذكر الراجح عنده، وهو من أجمعها. قال رحمه الله: "كتاب الصيام، يجب صيام رمضان على كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصوم". كتاب على وزن فعال، بمعنى مفعول، فكتاب الصوم أي هذا مكتوب في ذكر أحكام الصيام. والصيام في اللغة بمعنى الإمساك، ومنه قول الله جل وعلا عن مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾، صومًا يعني سكوتًا وإمساكًا عن الكلام. ومن ذلك قول القائل: "خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غير صائمةٍ تحت العجاج وأخرى تعلك اللجمة"، خيلٌ صيام يعني ساكتة عن الصهيل وعن الحركة. فالصيام في اللغة بمعنى الإمساك، صام عن الكلام أي أمسك عن الكلام. واصطلاحًا أو شرعًا هو الإمساك عن المفطرات أو عن سائر المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس تعبُّدًا لله. الإمساك عن سائر المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس تعبُّدًا لله، لا بد من قيد التعبُّد والنية؛ لأن الإنسان قد يمسك عن الأكل والشرب لكن ليس بقصد التعبُّد، فهذا لا يُسمَّى صيامًا شرعًا. لا يُسمَّى صيامًا شرعًا، لا بد في الصيام الشرعي من نية التعبُّد والتقرُّب إلى الله سبحانه وتعالى. ومما أُجِبَ الله سبحانه وتعالى من الصيام على العباد الصيام رمضان، الذي هو فرضٌ من فروض الإسلام ورُكنٌ من أركانه. قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وفي الصحيحين عن علي بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بُنِيَ الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا». فصيام رمضان رُكنٌ من أركان الإسلام، من جحد وجوبه فهو كافر كفرًا أكبر، ومن تركه تكاسُلًا مع إقراره بوجوبه فهو مُرتكِبٌ لكبيرة من كبائر الذنوب. وصيام رمضان فُرِضَ في السنة الثانية من الهجرة، وصام النبي صلى الله عليه وسلم تسع رمضانات. وكان فرضُ الصيام له ثلاثُ أحوال، له ثلاثةُ أحوال. الحالةُ الأولى هي حالةُ التخيير، كان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يومٍ مسكينًا، كما في قوله جل وعلا: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ثم الحالةُ الثانية وهي الإلزام بالصيام، الإلزام بالصيام مع حرمة الأكل والشرب بعد النوم. وفي قوله جل وعلا: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، هذه الآية ناسِخة للتخيير الذي قبلها، لكن كان من أكل أو شرب أو نام، من نام حُرِم عليه الأكل والشرب إلى الليلة الثانية. وهكذا أيضًا الجماع يُحرم عليه الأكل والشرب بعد النوم أو بعد صلاة العشاء إلى الليلة الثانية. نُسِخَ هذا الحكم بقوله جل وعلا: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. وهذه الحالة الثالثة هي الباقية والتي بقيت وتستمر إلى قيام الساعة، وهي ناسخة للحالة الثانية. فصار الأكل والشرب والجماع من الأمور المباحة في ليالي رمضان. قال: "يجب صيام رمضان على كل مسلم بالغٍ عاقلٍ قادرٍ على الصوم". ذكر رحمه الله هنا على من يجب صيام رمضان، فقال: يجب صيام رمضان على كل مسلم. وقوله: يجب صيام رمضان، قال ذلك لأنه من الأمور الجائزة، يجوز أن تقول رمضان ولا يلزم أن تقول شهر رمضان. وما ورد في الحديث: "لا تقولوا رمضان"، فهو حديثٌ ضعيف. والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه»، فهو يدل على جواز ذكر رمضان من غير إضافة إلى الشهر. قال: "على كل مسلم"، يجب صيام رمضان على كل مسلم، فالإسلام شرطٌ لصحة صيام رمضان. لا بد أن يكون المرء الذي يريد أن يصوم رمضان مسلمًا، فالكافر لا يصح منه الصيام. ودليل ذلك أن الكافر لا يقبل منه الصيام ولا يصح منه، قول الله جل وعلا: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، وقول الله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾. وقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾، فالله عز وجل أخبر أن بسبب كفرهم ما قُبلت نفقاتهم ولا صدقاتهم. فإذا كان هذا في الأعمال المتعدية، ففي عدم قبولها في الأعمال القاصرة من باب أولى. وهل معنى هذا أن الكافر لا يخاطب بوجوب الصيام أو غيرها من الواجبات؟ الجواب: لا، هو مُخاطَب بها وملزم بها، لكن لا تُقبل منه إلا بالإسلام. لا تُقبل منه إلا بالإسلام، فإذا أسلم قُبلت منه هذه الأعمال، ولم يُلزم بأن يأتي بما فات وبما ترك قبل الإسلام. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، يُغفر لهم ما قد سلف. والنبي صلى الله عليه وسلم قال لعمرو بن العاص: «أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟» يهدم ما كان قبله. وهل يعذب ويعاقب على ترك الصيام؟ الجواب: نعم، يعذب ويعاقب على ترك الصيام وغيرها من الواجبات. والدليل على ذلك قول الله جل وعلا في سؤال أهل الأبرار لأهل الجحيم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾. فأخبر الله جل وعلا أن من أسباب دخولهم النار عدم إقامتهم للصلاة وعدم إيتائهم للزكاة، وكذلك أيضًا خوضهم في الدين بالاستهزاء والسخرية، وتكذيبهم بيوم القيامة. فدل ذلك على أنهم يعذبون على تركهم للفرائض والواجبات. فإن قال قائل: "إنما دخلوا النار بسبب تكذيبهم بيوم الدين، وهذا كافٍ في دخولهم النار". فالجواب: أنه إن لم يعذبوا على تركهم لهذه الواجبات من الصلاة والزكاة، لكان ذكرها في هذا الموضع عبثًا، لكان ذكرها في هذا الموضع عبثًا. وهذا لا شك أنه مما يُنزَّه عنه كلام الله سبحانه وتعالى. إذن علمنا أن الصيام يجب على كل مسلم. قال: "بالغ"، على كل مسلم بالغ، البلوغ كذلك ماذا من الشروط التي يصح أو يجب بها الصيام أن يكون المسلم بالغًا. والبلوغ له ثلاث علامات، له ثلاث علامات. والدليل أولًا على اشتراط البلوغ قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث علي وعائشة رضي الله عنهما عند أبي داود: «رُفِع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ». فقوله: "عن الصبي حتى يحتلم"، معنى أنه غير مكلف ولا تجب عليه الفرائض والواجبات حتى يحتلم. فقلنا: علامات البلوغ ثلاثة، العلامة الأولى هي الاحتلام، أن يحتلم فيرى في منامه ما فيه معنى الاحتلام من رؤية الشيء الذي يكون سببًا لحصول الجنابة، فهذا من علامات البلوغ. والدليل هذا الحديث، حديث علي وعائشة رضي الله عنهما. وكذلك أيضًا نزول المني، الاحتلام فيحتلم وينزل منه المني فيكون بذلك بالغًا. العلامة الثانية: بلوغ خمسة عشر سنة، إذا بلغ خمسة عشرة سنة فهو بالغ ويكون مكلفًا. والدليل حديث ابن عمر في الصحيحين قال: «عُرِضْتُ على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يُجِزْني، وعُرِضْتُ عليه يوم الخندق وأنا ابن خمسة عشر سنة فأجازني». الحديث وهو في الصحيحين. وجاء في رواية أو عند ابن ماجة، ذكر ابن ماجة رحمه الله قال: "وقال نافع: فحدثت بهذا عمر بن عبد العزيز فقال رحمه الله: هذا فصل ما بين الصغير والكبير". يعني بلوغ خمسة عشر سنة، إذا بلغ خمسة عشرة سنة فهو كبير، وإذا كان دون ذلك فهو صغير. والعلامة الثالثة هي إنبات الشعر الخشن في العانة، هذه علامة من علامات البلوغ. واستدل العلماء على ذلك بقصة بني قريظة، حين حكم سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه بأن تُقتل مُقاتلتهم وتُسبى ذراريهم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تُكشف على عوراتهم، فمن أنبت قُتل، ومن لم يُنبت لم يُقتل. هذه ثلاث علامات يعرف بها البلوغ بالنسبة للذكر، وتزيد الأنثى علامة رابعة وهي الحيض، إذا حاضت فإنها تكون بذلك بالغة. وحينئذ تكون مكلفة ويلزمها سائر الفرائض والواجبات من الصلاة والصيام وغيرها، وإن كانت دون خمسة عشرة سنة. وما يُشترط في هذه العلامات أن تجتمع كلها، لا يُشترط في هذه العلامات أن تجتمع كلها. متى ما ظهرت علامة واحدة منها صار بذلك بالغًا. يعني لو بلغ الغلام خمسة عشرة سنة فهو لم يحتلم ولم ينبت له الشعر، صار بذلك بالغًا. أو احتلم قبل خمسة عشرة سنة، ابن اثنتي عشرة سنة أو ثلاثة عشرة سنة، فيصير بذلك بالغًا. وكذلك البنت إذا حاضت وهي ابنة اثنتي عشرة سنة فإنها تصير بذلك بالغة، ولا يُشترط الانتظار حتى تبلغ خمسة عشرة سنة. فمتى ظهرت علامة من هذه العلامات صار صاحبها بذلك بالغًا، وبذلك يصير مكلفًا ويلزمه سائر الواجبات والفرائض. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على