الدرس في كتاب الصيام 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع أحاديث النبوية الدالة على استحباب تعجيل الفطر عند تحقق غروب الشمس، وبيان أن ذلك من أسباب بقاء الخير في الأمة. كما يوضح علامة دخول وقت الإفطار بسقوط قرص الشمس وإقبال الليل من المشرق، والحث على الفطر على تمر أو ماء لكونه طهوراً ومفيداً للجسم.
يستعرض المقطع سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الفطر على رطب أو تمر أو ماء، ويبين فضل تفطير الصائم بأنه يحصل على مثل أجره دون نقص من أجر الصائم. كما يؤكد استحباب السحور وتأخيره لبركته في القوة على الصيام، وإدراك وقت النزول الإلهي، والمحافظة على صلاة الفجر.
يستحب تأخير السحور إلى قبيل الفجر ليكون أثره حاضراً في النهار، وقدر النبي صلى الله عليه وسلم الوقت بين الأذان والسحور بقراءة خمسين آية دلالة على اغتنام الصحابة للأوقات بالقرآن. ويشير المقطع إلى فعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يتسحر ثم يصلي بعد قدر قراءة خمسين آية.
يبيّن المقطع أن مواصلة الصيام ليومين متتاليين دون إفطار (الوصال) أمر منهي عنه، ويُعد من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: «إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني». ويوضح أن النبي واصل بهم عقوبةً لا إقراراً، ويجوز الوصال إلى السحر فقط.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المصنف رحمه الله: الحديث الثالث والتسعون بعد السبع مئة، عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». متفق عليه. هذا الحديث فيه استحباب تعجيل الفطر، والمراد بتعجيل الفطر: إذا تحقق دخول وقت الإفطار، إما بالرؤية بأن يرى الصائم دخول الليل وغروب الشمس، أو به شهادة العدل كأذان المؤذن، أو إخبار العدل بأن وقت الإفطار قد دخل. فهنا يستحب التعجيل بالفطر، وأن يفطر ولا يؤخر الإفطار، وأن ذلك سبب لحصول الخير إذا طبق الناس هذه السنة: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». ففيه أن العمل بالسنة، ومن ذلك تعجيل الفطر في الصيام، من أسباب بقاء الخير في الناس. ومفهوم المخالفة: أنه إن لم يفعلوا ذلك وتأخروا في الإفطار، فإن ذلك من أسباب ذهاب الخير وحلول الشر؛ فإن العمل بالسنة خير، ومخالفة السنة تعتبر من الشر. قال: الحديث الرابع والتسعون بعد السبعمئة، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عز وجل: أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا». رواه الترمذي، وصححه ابن خزيمة. هذا الحديث فيه ضعف؛ فيه قرة بن عبد الرحمن، وهو ضعيف لسوء حفظه. وإن كان معناه صحيحاً، يعني أن التعجيل بالفطر مما يحبه الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا الأمر مما أمر به النبي عليه الصلاة والسلام، وما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم كان قربة وطاعة، وما كان كذلك فهو مما يحبه الله سبحانه وتعالى. قال: الحديث الخامس والتسعون بعد سبعمئة، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أقبل الليل من هنا، وأدبر النهار من هنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم». متفق عليه. هذا الحديث فيه بيان الوقت الذي يكون وقت إفطار الصائم، وهو: إذا أقبل الليل من جهة المشرق، إذا أقبل الليل «من هنا» يعني من جهة المشرق، وأدبر النهار «من هنا» يعني من جهة المغرب. ويراد بإدبار النهار: سقوط قرص الشمس في الأفق، بأن تغيب الشمس كاملة. قال: «وغربت الشمس»، وهذا تأكيد لإدبار النهار. قال: «فقد أفطر الصائم»، يعني دخل وقت الإفطار في حقه. وحينئذ له أن يفطر. ومن قال: «قد أفطر الصائم» يعني صار في حكم المفطرين، لكن نصه أنه لا يفطر إلا إذا أفطر وأكل شيئاً مفطراً، أو ينوي الإفطار إذا لم يكن عنده طعام وهو يريد الفطر، فينوي الإفطار. فهذا الحديث فيه زيادة إيضاح لبيان الوقت الذي يفطر به الصائم، وهو أنه إذا غربت الشمس وغاب قرص الشمس في الأفق، وأقبل الليل من جهة المشرق؛ لأن هاتين علامتان متلازمتان: إقبال الليل وإدبار النهار. إذا أدبر النهار أقبل الليل مباشرة، ترى إقبال الليل من جهة المشرق، وحينئذ يكون قد دخل وقت الإفطار فيفطر الصائم. لكن إذا كان هناك جبال، وغابت الشمس خلف الجبل، فهنا لم يدخل وقت الإفطار بعد حتى يتحقق الصائم أن الشمس قد غابت، يعني سقطت في الأفق؛ لأنه أحياناً تغيب الشمس خلف الجبل وهي ما زالت ظاهرة لم تسقط بعد في الأفق، فلا يتعجل من كان كذلك حتى يتأكد من غروبها، ويرى إقبال الليل من جهة المشرق، وهنا يفطر. قال: الحديث السادس والتسعون بعد سبعمئة. طبعاً لا عبرة ببقاء الضوء الحمراء التي تكون عند غروب الشمس؛ الشمس إذا غربت تبقى حمراء عند غروبها، هذا لا عبرة به. العبرة بسقوط الشمس: إذا سقطت الشمس في الأفق وغابت، فقد دخل وقت الإفطار، وإن كانت هناك إسفار أو حمرة من بقايا الشمس، هذا لا يضر، هذا لا يضر. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان مع أصحابه في السفر، وغربت الشمس، قال لمن معه: «انزل فاجدح لنا» أي: اخلط الماء بالسويق حتى يفطر. قال: يا رسول الله، إن عليك نهاراً. قال: «انزل فاجدح لنا». قال: يا رسول الله، لو أمسيت. قال: «انزل فاجدح لنا». فنزل فاجدح لهم، فشرب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «إذا أقبل الليل من هنا، وأدبر النهار من هنا، فقد أفطر الصائم». يعني بين لهم أنه لا عبرة ببقاء هذا الإسفار والحمرة عند غروب الشمس؛ فإن العبرة بسقوط قرص الشمس وإقبال الليل. قال: الحديث السابع والتسعون بعد السبعمئة، عن سلمان بن عامر الضبي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجد فليفطر على ماء، فإنه طهور». رواه الخمسة، وصححه ابن خزيمة. هذا الحديث فيه الحث على الفطر بالتمر، أن يفطر الصائم على تمر. وذلك أن الصائم حال صيامه يفقد شيئاً من مادة السكر، ويصيبه شيء من الجفاف في كليتيه وكبده، فيحسن إذا أفطر أن يفطر على تمر حتى يعيد النشاط للكبد والكلتين بدخول شيء من الأشياء الحلوة إلى بطنه. فإن لم يجد فليفطر على ماء، فإنه طهور. إذا ما عنده تمر يفطر على ماء. وكما سمعت: المعدة حال الصيام تيبس بسبب عدم دخول الماء إليها، ففطر الصائم شربه للماء مما تنتفع به المعدة حال الفطر. لكن هذا الحديث لا يصح فيه الرباب، وهي الراوية عن سليمان عن سلمان الضبي، وهي مجهولة. لكن ثبت من فعله عليه الصلاة والسلام: ثبت من فعله أنه إذا أفطر أنه يفطر على الرطب، فإن لم يجد فالتمر، فإن لم يجد فحسا حسوات من ماء. قال: الحديث الثامن والتسعون بعد السبعمئة، عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من فطر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً». رواه الترمذي، وصححه. هذا الحديث صحيح. فيه فضل تفطير الصائم: «من فطر صائماً» يعني بما يتيسر من الطعام، والأفضل أن تكون وجبة كاملة حتى يحصل له كمال الأجر، يعني يفطره بعشاء يشبعه. وإن كان أقل من ذلك، كان يفطره بشيء من الأشياء القليلة من تمر ونحو ذلك عند الفطر، فكذلك يكون له نصيب من الأجر. قال: «كان له مثل أجره» يعني أجر هذا الصائم، مثل أجر هذا الصائم في صومه وطاعاته حال الصيام من صلاة وقراءة قرآن إلى آخر ذلك. «غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً» يعني الصائم أجره ثابت، وهذا الذي فطره يحصل على مثل أجره، يحصل له مثل أجره بسبب تفطيره له. فهذا فيه فضل لتفطير الصائمين، وأن من فطر صائماً نال من الأجر مثل أجر من فطرهم من الصائمين. قال: الحديث التاسع والتسعون بعد السبعمئة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تسحروا، فإن في السحور بركة». متفق عليه. نعم، هذا الحديث فيه أمر من النبي صلى الله عليه وسلم بالسحور، والمراد بالسحور: أكلة السحر التي تؤكل قبل الفجر حتى يستعين بها الصائم على صيامه. «تسحروا» هذا أمر، لكن حمله عامة أهل العلم على الاستحباب، على الاستحباب. والصارف لذلك هو وصال النبي صلى الله عليه وسلم بالصيام؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يواصل اليوم تلو اليوم من غير أن يأكل شيئاً. فالسحور مستحب. وقوله: «فإن في السحور بركة»، البركة: كثرة الخير وثبوته. ومن بركة السحور كما ذكر أهل العلم: أنه يقوي الصائم على تحمل الجوع والعطش حال صيامه، فيجد أثراً لهذا السحور الذي تسحره فيعطيه نشاطاً وقوة. كذلك أيضاً من بركة السحور: أنه عمل بالسنة، والعمل بالسنة بركة، العمل بالسنة بركة وخير. كذلك أيضاً من بركة السحور: أنه يعين الصائم على إدراك وقت السحر الذي هو من أوقات الفاضلة التي يستجاب فيها الدعاء، حيث بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله جل وعلا ينزل في الثلث الأخير من الليل، يعني إلى السماء الدنيا، فيقول: «هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟» نعم، هذا وقت مبارك. بقيامك للسحور تدرك هذا الوقت الفاضل، وهذا من بركة السحور. كذلك أيضاً من بركة السحور: أنه يعينك على المحافظة على صلاة الفجر؛ لأن الوقت الذي يستحب فيه السحور كما سيأتي هو آخر الليل قبل الفجر، فكونك تقوم تتسحر وما يبقى إلا دقائق ويؤذن للفجر، فهذا يعينك على المحافظة على صلاة الفجر، وهذا من بركة السحور. فعلى كل، المسلم الصائم إذا أراد أن يصوم يحرص على أن يتسحر. ثم أكلة السحر يعني ما يشترط أن تكون شيء ثقيل، يعني لا بد يكون أرز أو كذا، لا. ولو كان شيء خفيف، ولو تتسحر بتمر، تمرات تأكلها. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «نعم سحور المؤمن التمر، نعم سحور المؤمن التمر». تتسحر بتمرات تجد لها ما شاء الله أثراً في القوة والنشاط في حال الصيام. ولو كذلك تتسحر بشرب ماء إذا ما تيسر أن تأكل طعاماً. ولو أن تشرب ماء، فالمقصود أنك تتسحر بشيء من الطعام، ولو كان شيء خفيفاً أو كان شيئاً قليلاً، فيكون له أثر في حال صيامك. قال: الحديث التاسع والتسعون بعد سبعمئة، وعنه، عن زيد بن ثابت رضي الله عنهما عنه، يعني أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قام إلى الصلاة». قال أنس: قلت لزيد: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية. متفق عليه. يقول زيد بن ثابت: تسحرنا مع النبي عليه الصلاة والسلام، ثم قام إلى الصلاة، أي: النبي صلى الله عليه وسلم إلى صلاة الفجر. فسأل أنس زيدا: كم كان بين الأذان والسحور؟ بين أن تسحرتم وبين أن أذن؟ قال: قدر خمسين آية، يعني قدر قراءة خمسين آية. قال أهل العلم: هذه الخمسين آية تقدر بالآيات المتوسطة التي ليست بقصيرة جداً ولا بطويلة جداً، وهذا المقدار يقرأ في نحو ربع ساعة أو عشر دقائق، أو عشر دقائق بالكثير. فيكون هذا الوقت كان وقت السحور إلى الأذان نحو هذا المقدار. وهذا فيه أولاً: استحباب تأخير السحور، استحباب تأخير السحور أن يكون السحور في آخر الليل قبل الفجر؛ لأن هذا هو عمل النبي عليه الصلاة والسلام. والأمر الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن تأخير السحور من أسباب بقاء الخير: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور». هذه الرواية خارج الصحيح. خارج الصحيح أن تأخير السحور من أسباب الخير. وأيضاً صح عنه أنه قال: «إن من عيش الأنبياء: أمرنا بتعجيل فطرنا وتأخير سحورنا، أمرنا بتعجيل فطرنا وتأخير سحورنا». طيب، هذا من حيث الدليل. أيضاً من حيث التعليل: أن المقصود من أكلة السحر أن يستعين بها الصائم على صيامه وتحمل الجوع والعطش حال الصيام. فلو أن الإنسان تسحر في نصف الليل، ما يقوم الفجر إلا وقد ذهب أثر هذا الطعام، ويشعر بالجوع، فلا يكون لهذا الأكل أثر. ولهذا كان المستحب أن تكون أكلة السحر في آخر الليل قبل الفجر، حتى يصبح الإنسان ويجد أثر هذا الطعام الذي أكله في حال صيامه وفي نهاره. إذا المستحب تأخير السحور، وأن يكون بين السحور وبين الفجر مقدار يسير من الوقت، نحو ما جاء في هذا الحديث، يعني ربع ساعة، عشرين دقيقة، ونحو ذلك. وقوله أيضاً: «قدر خمسين آية»، يعني كونه قدر الوقت بين الأذان والسحور بخمسين آية. قال أهل العلم: فيه دلالة على أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعتنون في مثل هذه الأوقات، رمضان، بالإقبال على قراءة القرآن واستغلال الأوقات بطاعة الله. وكان من عادة العرب أنهم يقدرون الأوقات بالأعمال، فيقولون مثلاً: هذا العمل يحتاج من الوقت مقدار حلب ناقة، أو ذبح شاة، أو نحو ذلك. ولما كان رمضان هو زمن من أزمنة الخير والبر والمسابقة إلى فعل الخيرات، كان التقدير بماذا؟ بقراءة القرآن. كان التقدير بقراءة القرآن. فقال: مقدار قدر خمسين آية. يصنع أن يقول: قدر حلب شاة مثلاً، لكن هذا ما يناسب هذا الزمن الذي هو زمن فاضل، زمن عبادة وطاعة. فلذا جاء التقدير بقراءة القرآن: بقدر خمسين آية. فهذا يدلنا على اجتهاد الصحابة رضوان الله عليهم في استغلال هذه المواسم الفاضلة بطاعة الله سبحانه وتعالى. قال: حديث ثمانمئة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال. فقال رجل من المسلمين: «فإنك يا رسول الله تواصل». قال: «وأيكم مثلي؟ إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني». فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال، واصل بهم يوماً ثم يوماً، ثم رأوا الهلال، فقالوا: «لو تأخر الهلال لزدتكم»، كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا. متفق عليه. الوصل: أن يصل المسلم الصيام اليوم باليوم الذي بعده من غير أن يأكل شيئاً، يعني يبقى صائماً فلا يفطر اليومين والثلاث وما زاد على ذلك. فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال، أن يصل الصائم صومه باليوم الذي بعده من غير أن يأكل شيئاً. فقال رجل من المسلمين ممن يريد الخير ويريد الأجر والثواب: يا رسول الله، إنك تواصل، أنت تواصل الصيام، تصوم اليومين والثلاث. فقال: يا رسول الله، إنك تواصل، يعني كانوا يقولون: نحن نقتدي بك وأنت أسوتنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وأيكم مثلي؟» يعني: من منكم مثلي؟ «إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني». المراد بالطعام والسقي هنا ليس الطعام والسقي الحقيقي؛ لو كان كذلك لما كان صائماً، كما قال ابن قيم رحمه الله. وإنما المراد بالطعام والسقي المعنوي: يعني ما يجعل الله سبحانه وتعالى في قلبه من لذة المناجاة والطاعة والعبادة ما يغنيه عن الطعام والشراب، ما يغنيه عن الطعام والشراب. فيقول: «أيكم مثلي؟» من منكم يكون كذلك؟ فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال، يعني أصر الصحابة أن يواصلوا، واصل بهم النبي صلى الله عليه وسلم يوماً ثم يوماً، ثم رأوا الهلال، ثم رأوا الهلال، فقال: «لو تأخر الهلال لزدتكم»، قال: «كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا». يعني أراد أن ينكل بهم وأن يعاقبهم لأنهم رفضوا أن يفطروا، أن يتركوا الوصال، فواصل بهم هذه الأيام. ولهذا اختلف أهل العلم في حكم الوصال: من ذهب إلى الكراهة، ومن ذهب إلى التحريم، وهو الصحيح، وهو قول جمهور أهل العلم: أن الوصال يحرم على المسلم أن يواصل الصيام، وأن الوصال من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه نهى عليه الصلاة والسلام عن الوصال، وأخبر أنه ليس أحد مثله. فإن قيل: أليس قد واصل بهم؟ قيل: فعل هذا من باب العقوبة، كما قال الراوي: «كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا»، ولم يفعل هذا معهم إقراراً لهم، وإنما عقوبة لهم وتنكيلاً بهم حين أبوا أن ينتهوا عن الوصال. إذن فالوصال من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم. وإن كان بعض الصحابة رضي الله عنهم ثبت عنهم أنهم واصلوا، كما ذكروا عن ابن الزبير أنه كان يواصل خمسة عشر يوماً، لكن هذا لعله فعله لأنه لم يرى التحريم، لم يرى تحريم الوصال، وظن أنه يكره أو يحرم في حق من لا يتحمل ويقدر، فكان يرى جواز ذلك فواصل رضي الله عنه. قال: الحديث الحادي والثمانون بعد الثمانمئة، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر». قالوا: «فإنك تواصل يا رسول الله». قال: «لست كهيئتكم، إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني». رواه البخاري. هذا الحديث أيضاً يؤكد النهي عن الوصال، وأنه منهي عنه. وأجاز النبي صلى الله عليه وسلم وصالاً معيناً، وهو أن يواصل الصائم إلى السحر، يعني: إذا غربت الشمس وأقبل الليل، له أن يمسك ويستمر إلى وقت السحر، فيفطر يتسحر ويفطر في هذا وقت السحر. قال: «فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر». إذا الوصال إلى السحر هذا جائز، الوصال إلى السحر هذا جائز. وإن كان الأفضل والأكمل هو الفطر عند غروب الشمس، لكن من أراد أن يستمر فله أن يواصل حتى السحر، هذا جائز. نعم، وأما أن يستمر في صيامه ويواصل إلى أن يصوم اليوم الثاني من غير أن يأكل شيئاً، فهذا منهى عنه، وهو من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم. طيب، إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.