الدرس في كتاب الصيد والذبائح 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا الفصل شرح الشريعة لأحكام الطعام والتحريم، حيث الأصل في الأشياء هو الحل. يبين تحريم بعض الحيوانات لخبثها أو ضررها.
يشرح هذا الفصل تحريم بعض الحيوانات والطيور مثل ذوات الأنياب والمخالب، وأحكام الاضطرار وأكل الميتة عند الضرورة.
يتناول هذا الفصل أحكام تناول الميتة عند الجوع الشديد، ويشرح أصناف الحيوانات البحرية الحلال مثل السمك والجراد.
يشرح هذا الفصل تعريف الطحال وأحكام أكله، حيث هو حلال ومباح، ويتم تعريفه على أنه قطعة من الدم تلتصق بالكرش.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال القاضي أبو شجاع الأصفاني رحمه الله في كتاب متن الغاية والتقريب المسمى بمنهج أبي شجاع: فصل. وكل حيوان استطابته العرب فهو حلال، إلا ما ورد الشرع بتحريمه. وكل حيوان استخبثته العرب فهو حرام، إلا ما ورد الشرع بإباحته. ويحرم من السباع ما له ناب قوي يعدو به، ويحرم من الطيور ما له مخلب قوي يجرح به. ويحل للمضطر في المخمصة أن يأكل من الميتة المحرمة ما يسد به رمقه. ولنا ميتتان حلالان: السمك والجراد، ودمان حلالان: الكبد والطحال. يقول رحمه الله: كل حيوان استطابته العرب فهو حلال، إلا ما ورد الشرع بتحريمه. وكل حيوان استخبثته العرب فهو حرام، إلا ما ورد الشرع بإباحته. فالله عز وجل يقول: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. ولا شك أن المراد بالأخذ بما عليه عامة الناس أو كل العالم مما يستطيبونه أو يستخبثونه شيء غير ممكن لاختلاف الطباع وعدم اتفاقها. فكان المراد بقوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ هم العرب، فالنبي صلى الله عليه وسلم بعث في العرب، فاعتبر في بيان الطيبات والخبائث ما استطابوه وما استخبثوه. فما استطابوه فهو طيب، إلا ما ورد الشرع بتحريمه، وما استخبثوه فهو خبيث، إلا ما ورد الشرع بإباحته. وبعض العلماء يقول: المراد بقول الله جل وعلا: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ أن ما أباحه الشرع فهو طيب، وما حرمه فهو خبيث. نعم، وما حرمه فهو خبيث. وهذا يعني أن الأصل في الأشياء الطيب فهو حلال، والخبيث فهو محرم. وما سكت عنه فهو عفو. وما سكت عنه فهو عفو، إلا ما كان فيه ضرر، فإنه يلحق بالمحرمات لعموم الأدلة في رفع الضرر «لا ضرر ولا ضرار». نعم. فالشريعة لا تحل شيئا إلا وهو طيب فيه نفع للناس في أبدانهم وفي أجسادهم، ولا تحرم إلا ما كان خبيثا على قلوبهم وعلى أبدانهم. فمثلا حرمت الشرع أنواعا من المحرمات مثل السباع، نهت الشرع عن أكلها. لماذا؟ قال أهل العلم: لأن السبع من طبعه العدوان، فلو أكله الإنسان لأصبح عنده عداوة، أصبح عنده عداوة؛ لأن الأجساد تتأثر بالأطعمة التي تأكلها، يكون لها أثر في أخلاق هذا الآكل. فلو أكل السباع لأصبح في الإنسان شيء من أخلاق السبع من الاعتداء والبغي والعدوان. وهكذا أيضا لحم الخنزير، الخنزير حيوان منزوع الغيرة، فلو أكله الإنسان لصار عنده شيء من الديوثة وعدم الغيرة. لهذا جاءت الشريعة بتحريمه. ولهذا ترون مثلا في بلاد الكفر لما يأكلون هذا الحيوان تجد أن ما عندهم غيرة، ما يغارون على امرأتهم، تنزع الغيرة من قلوبهم بسبب أكله من هذا الحيوان. وهكذا، فلذلك الشريعة حرمت أنواعا من الأطعمة لما فيها من خبث على الأخلاق وعلى الأبدان. نعم، والأصل في الأطعمة هو الحل، الأصل هو الحل. ولهذا الله عز وجل يقول: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾. يعني الأصل هو الحل. ولهذا جاءت المحرمات معدودة، جاءت المحرمات معدودة. وأصول المحرمات ستة، منها أو ما ذكر هنا: «ويحرم من السباع ما له ناب قوي يعدو به، ويحرم من الطيور ما له مخلب قوي يجرح به». هذا رابع، الثالث كل ذي ناب من السباع، والرابع كل ذي مخلب من الطير. لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع وعن كل ذي مخلب من الطير»، رواه مسلم من حديث ابن عباس. وجاء في صحيحي البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع. فما له ناب من السباع -والسباع جمع سبع، والسبوع الحيوان المفترس- كل حيوان مفترس له ناب يفترس به فهو محرم، كالكلب والأسد والفهد والنمر والذئب والثعلب. طيب، وقس على هذا، إذا قال: الضبع، نقول: الضبع أحله الشرع. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الضبع صيد، وفيه جزاء». إذا صاده المحرم فيه جزاء. وبعض العلماء لا يعدونه من السباع، يقول: هو ضعيف في الاعتداء، ليس كبقية السباع. ومن قال بأنه سبع من السباع لكنه مستثنى، الدليل إذا كل حيوان مفترس له ناب فهو محرم. طبعا الثعلب، الشافعية على حله، الشافعي عنده حلال. والصحيح أنه محرم لعموم هذا الحديث: «كل ذي ناب من السباع». نعم، قال: «ما له ناب قوي يعدو به»، يعدو به يعني يفترس به. وهكذا أيضا من الطيور ما له مخلب قوي يجرح به، كالنسر والصقر والبازي والشاهين ونحوها من هذه الطيور، فإنها تحرم؛ لأنه يسلبه عن كل ذي مخلب من الطير. وليس المراد بكل ذي مخلب ما له مخالب وإن كان لا يفترس بها، لا، هذا لا يحرم. إذا كان له مخلب لكن ما يفترس به، هو حلال. نعم، تجد بعض الحيوانات لها أظفار لكنها لا تفترس بها، بعض الطيور هي حلال. لا يحرم إلا ما كان مفترسا. طيب، هذا الثالث والرابع. الخامس والسادس: ما أمر الشرع بقتله أو نهى عن قتله. ما أمر الشرع بقتله كالحية والعقرب والفأرة والغراب والكلب العقور، هذه أمر الشرع بقتلها فهي محرمة. وما نهى الشرع عن قتله فهو محرم، كالنمل والنحل والهدهد والصرد -الصرد نوع من الطيور- هذه جاء ذكرها في حديث واحد في السنن. وأيضا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع كما في السنن، سؤال عن اتخاذ الدواء من الضفدع، فنهى عن قتله. فإذن هو حرام، ما يجوز أكله. إذن هذه أصول المحرمات: ما كان كل ذي ناب من السبع، وكل ذي مخلب من الطير، وما أمر الشرع بقتله، وما نهى عن قتله، وكل خبيث، وكل ما فيه ضرر. وغير ذلك فهو حلال على الأصل، الأصل الحل. قال: «ويحل للمضطر في المخمصة أن يأكل من الميتة المحرمة ما يسد به رمقه». يحل للمضطر في المخمصة -يعني في شدة الجوع وفي شدة الجوع وحصول المجاعة ويخشى على نفسه من الموت- وهنا وصل إلى حد الاضطرار، أباح له الشرع أكل المحرمات. قال: «أن يأكل من الميتة المحرمة ما يسد به رمقه»، يعني ما يسد به جوعه. قال الله عز وجل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ إلى أن قال: ﴿فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقال: ﴿فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. نعم. وقال: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾. فالله عز وجل أباح عند الضرورة أكل المحرمات كالميتة والخنزير وغيرها لدفع الضرورة. فإذا وصل الإنسان به الجوع مبلغا شديدا حتى يكاد أن يهلك، فحينئذ يحل له أكل الميتة حفاظا على النفس، حفاظا على النفس. فهذه الميتات حرمت لأجل الحفاظ على النفس مما قد تتضرر به من أكل الميتة؛ لأنها خبيثة نجسة. لكن عند الضرورة، عند الضرورة، فإنها تحل من أجل الحفاظ على النفس. وفي هذه الحال بالنسبة له يكون طيبا، يكون طيبا، ولا يتضرر بأكلها عند الجوع والمخمصة. لا يتضرر الآكل من الميتة والنجاسة. كما ذكر بعض أهل العلم أن من شدة جوع الإنسان إذا أكل من هذه الميتة النجسة فإنها تتحلل في الجسم، ولا يصيبه شيء من الضرر بأكلها. بخلاف لو أكلها من غير جوع، فإنها تكون خبيثة، ويتضرر بأكلها، ويتضرر بأكلها. فانظروا إلى عظيم حكمة الله سبحانه وتعالى، كيف أنه حرمها في حال شبع الإنسان؛ لأن أكلها عليه ضرر، وأباح له عند الجوع والمخمصة؛ لأنه ليس عليه ضرر بأكلها، بل يندفع الضرر ويذهب عنه الجوع، وتسلم نفسه من الهلاك. نعم، لكن لا يعني يقصد الميتة إلا عند الضرورة. إذا كان قد تيقن أو غلب على ظنه أنه يهلك إن لم يأكل من هذه الميتة، فيأكل. هل له أن يشبع؟ إذا كان يغلب على ظنه أنه لا يجد شيئا أمامه بعد هذه الميتة، فله أن يشبع، وله أن يأخذ معه شيء منها، حتى إذا اضطر مرة أخرى فيأكل منها. وأما إذا كان يغلب على ظنه أنه يعني تذهب هذا الجوع الذي أصابه والمخمصة التي أصابته إذا أكل من هذه الميتة ما يتيسر، فإنه يصل إلى الطعام الطيب. وهنا لا يشبع، وإنما يأكل ما يندفع به الضرر، الضرر يقدر بقدره. ولهذا إذا اجتمعت عنده ميتتان: ميتة شاة وميتة خنزير، أيهما يأكل؟ ميتة الشاة. نعم، لأنها أخف أخفت حرمة، فيأكل ميتة الشاة ويقدم على ميتة الخنزير. قال: «ولنا ميتتان حلالان: السمك والجراد، ودمان حلالان: الكبد والطحال». نعم، جاء حديث من عمر عند أبي داود وغيره، أنه قال: «حلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان فالطحال والكبد». والحيث روي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ضعيف لم يصح مرفوعا، وصح موقوفا من قول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. فقول ابن عمر: «أحلت لنا» لا أحكم الرفع، لا أحكم الرفع. قول الصحابي: «أحل لنا» أو «حرم علينا» في حكم المرفوع. والسمك معروف، هو صيد البحر، وهذا يدل على أن صيد البحر حلال حيا وميتا، حيا وميتا. الله عز وجل يقول: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾. صيد البحر قال ابن عباس: ما صيد منه حيا، وطعامه ما ألقاه البحر ميتا. نعم. فإذا وجد الإنسان سمكة طافية في الماء أو ألقاها البحر إلى الساحل، وهي طيبة ليس فيها شيء من العفن، فهي حلال له أن يأكلها. والسمك بجميع أنواعه هو حلال، جميع أنواع السمك والحيتان التي تعيش في البحر، الأصل فيها الحل، الأصل فيها الحل. هو قال: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته». إلا بعض الأنواع اختلف فيها أهل العلم، كالتمساح: هل التمساح يحل أو يلحق بذوات الأنياب من السباع؟ بعض العلماء يرى أنه حلال لعموم الآية والحديث. ومنهم من يقول: هو يلحق بذوات الأنياب من السباع؛ لأنه يفترس ويعيش خارج الماء، فيلحق بها. وهذا أظهر، الله أعلم. والمسألة كما سمعنا خلافية. التمساح يعيش في الأنهار، هل يعيش في البحر؟ يعيش في البحار المالحة. إذن من قال بأنه حلال على عموم الأدلة، فهو حلال عنده، نعم، سواء كان في البحر أو في النهر. ومر أنه يلحق بذوات السباع، فلحقه به. كذلك أيضا كلب البحر، أيضا كلب البحر: هل يعيش خارج الماء؟ يخرج، لكن يخرج قليلا، يعني ما يمكث كثيرا مثل التمساح، يعني أكثر شيء في الماء. إذن على الأصل على الحل، على الأصل أنه حلال. السلحفاة تعيش في البر وفي البحر، تعيش في البر وفي البحر، فهي حلال إذا ذكيت، تحتاج إلى تذكية؛ لأنها لها خياشيم تعيش بها في البر. فإذا أمسكت وهي حية فتذكى. لكن إذا ماتت في البر فهي الأظهر أنها محرمة، إلحاقا بحكم حيوان البر. وإذا ماتت داخل الماء فهي حلال، فهي حلال، إلحاقا بحكم الحيوان البحر. طيب، وأما بقية أنواع حيوانات البحر: حصان البحر إلى آخر هذا، كلها حلال، الأصل في حيوانات البحر هو الحل. قالوا: الجراد أيضا الجراد حلال، وميتته حلال، إذا مات الجراد حل أكله، ولا يحرم أكله. نعم، لكن هل يطبخه وهو حي؟ أتيت بسمكة حية تضعها في النار وهي حية، أو تتركها حتى تموت؟ الأولى أن تترك حتى تموت، تترك حتى تموت. وصئل الإمام أحمد رحمه الله عن ذلك، فقال: لا، يعني كره أن تطبخ وهي مازالت حية. هذا من باب الشفقة بالحيوان، وإن كان يعني أكله حلال، وميتته حلال، لكن لا شك أنه سيتألم عند أن يطبخ وهو حي، فيترك حتى يموت ثم يطبخ. قال: «ودمان حلالان: الكبد والطحال». يعني الدم بالأصل أنه محرم، الأصل أنه محرم. ﴿حُرِمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾. أن أهل الجاهلية كانوا يشربون الدماء، يشربون الدماء. فجاءت الشريعة بتحريم الدم، ثم استثنى من الدم المحرم دمان أو دمين، استثنى الشرع دمين: الكبد والطحال. الكبد معروفة، والطحال: قطعة من الدم تكون في ملتصقة بالكرش، قطعة من الدم تلتصق بالكرش تسمى الطحال. هذه أيضا القطعة من الدم حلال، يحل أكلها. نعم. طيب، نترك فصل «ضحية» إن شاء الله في الدرس القادم بإذن الله.