الدرس في كتاب الصيام 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع النهي عن صوم يوم أو يومين قبل رمضان إلا لمن له عادة صيام، ويبين تحريم صيام يوم الشك احتياطاً لرمضان. ويؤكد وجوب الدخول في الصيام والفطر برؤية الهلال أو إكمال العدة ثلاثين يوماً عند الغيم.
يبيّن المقطع أن العبرة في دخول رمضان برؤية الهلال بالعين أو بالمنظار لا بالحساب الفلكي، ويُكمل شعبان ثلاثين يوماً إذا غمّ الهلال. ويناقش خلاف العلماء في إلزام من رأى الهلال وحده بالصيام، والراجح الإفطار مع الجماعة، مع بيان أن رؤية بلد تلزم غيره إن اتفقت المطالع.
يوضح المقطع الفرق بين نية صيام الفرض التي يجب تبييتها من الليل، وصيام النفل الذي تصح نيته نهاراً إذا لم يسبق مفطر. كما يجمع بين أحاديث رؤية الهلال بحمل العام على الخاص، فيثبت دخول رمضان بشهادة عدل واحد، بينما يشترط شاهدان لإثبات خروجه ودخول شوال.
يؤكد المقطع على ضرورة التزام المسلم بالاعتدال في الصيام، فلا يفرط في التشديد على نفسه فيضيع حقوقاً أخرى، ولا يتساهل في ترك الصيام. بل يسلك الطريق الوسط كما أرشد النبي ﷺ، مع الإشارة إلى أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال المصنف رحمه الله: كتاب الصيام. قال: حديث رقم 85 بعد 700. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا رجل كان يصوم صوماً فليصومه». متفق عليه. هذا الكتاب كتاب الصيام، ومر معنا أن "كتاب" على وزن فعال بمعنى مفعول، فكتاب بمعنى مكتوب، أي هذا مكتوب في ذكر أحاديث الصيام. والصيام في اللغة: الإمساك، الإمساك عن أي شيء، عن الكلام، عن الحركة، عن الطعام. خيل صيام وخيل غير صائمة تحت اللجام. أُخرى: تعلي كل جمع الصيام، يعني ممسك عن الحركة. فالصيام في اللغة: الإمساك. ومنه قول الله جل وعلا عن مريم حين قالت: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: 26]. صوماً عن ماذا؟ عن الكلام. هذا الصيام اللغوي. وأما شرعاً: فهو الإمساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس تعبداً لله. الإمساك عن الطعام والشراب من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس تعبداً لله. لماذا نقول "تعبداً لله"؟ لأن الإنسان قد يمسك عن الطعام ليس تعبداً، وإنما لقصد عدم الرغبة في الطعام مثلاً، هذا لا يسمى صائماً شرعاً، فلا بد من قيد التعبد. طيب، فرض الصيام في السنة الثانية. لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، كان الواجب هو صيام يوم عاشوراء. لما وجد أن يهود المدينة يصومون، وسأل عن ذلك، فأخبر أنهم يصومون اليوم الذي نجى الله فيه موسى وقومه، فصامه موسى، فقالوا: نحن نصومه شكراً لله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن أولى بموسى منكم»، فصام وأمر بصيامه. ثم في السنة الثانية فرض صيام رمضان، فنسخ وجوب صيام عاشوراء، ووجب صيام رمضان. فصام النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الثانية إلى السنة العاشرة، نعم، إلى السنة العاشرة، فالمجموع صام تسعة رمضانات عليه الصلاة والسلام. ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه». هذا الحديث فيه نهي عن تقدم رمضان بصيام، لمن ليس له عادة في الصيام، لمن ليس له عادة في الصيام، يعني أنه ما يصوم. فإذا بقي من رمضان يوم أو يومان، قال: سأصوم. نقول هنا: لا يجوز لك أن تصوم، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين. لماذا؟ خشية أن يفعل ذلك من باب الاحتياط بالصيام، فيكون في ذلك معنى من معاني التنطع، وكذلك التشدد. والواجب هو صيام رمضان إذا رؤي الهلال كما سيأتي. قال: «إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه». من كان له عادة في الصيام، كان يصوم صوماً، "صوماً" نكرة في سياق الإثبات، في الإطلاق، أي صوم كان يعتاده، كان يصوم الاثنين والخميس، أو كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، هذا لا بأس عليه أن يصوم، دام له عادة في الصيام معتاد لها، فيستمر في الصيام، ولو صادف ذلك قبل رمضان بيوم أو يومين. طيب، إذا أراد إنسان أن يصوم أكثر من ذلك قبل، يعني رمضان بعشرة أيام مثلاً، هل له أن يصوم؟ الجواب: نعم. مفهوم هذا الحديث أن أكثر من ذلك لا بأس أن يصوم، لأن النهي جاء بتقدم رمضان بيوم أو يومين، فإذا كان قبل ذلك ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو عشرة أيام، فلا حرج أن يصوم. وهذا الحديث أصح من حديث أبي هريرة: «إذا انتصف شعبان فلا تصوم». بل بهذا نعلم أن هذا الحديث ضعيف، بل ومنكر، لأنه يخالف هذا الحديث الذي فيه جواز الصيام قبل رمضان بأكثر من يومين. قال: حديث رقم 86 بعد السبعمائة. وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم». ذكره البخاري تعليقاً، ووصله الأربعة، وصححه ابن خزيمة. هذا الحديث الصحيح، يقول عمار بن ياسر رضي الله عنهما: «من صام اليوم الذي يشك فيه»، يعني يوم الشك. يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان، لأنه يوم مشكوك فيه، هل هو من شعبان أو هو من رمضان؟ قد يكون هو آخر يوم من شهر شعبان، وقد يكون هو أول يوم من أيام رمضان، فسمي هذا اليوم بيوم الشك. فالنبي صلى الله عليه وسلم، أو عمار، يقول: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم». يعني أن من فعل ذلك، صام هذا اليوم وليس له عادة في الصيام، فيكون بهذا قد عصى النبي عليه الصلاة والسلام. ومثل هذا لا يقال بالرأي، لا يقال بالرأي، فيقول له حكم الرفع. ولهذا جمهور أهل العلم على أنه ينهى عن صيام يوم الشك، لا يجوز للإنسان أن يصوم يوم الشك، وهو يوم الثلاثين من شعبان. يعني إذا كان ليلة الثلاثين من شعبان ولم ير الهلال، كما سيأتي، فيقول: سأصبح صائماً احتياطاً. نقول: لا، ما يجوز لك أن تصوم هذا اليوم. إن كان لك عادة، مثل صادف هذا اليوم يوم الاثنين، ومن عادته أن يصوم يوم الاثنين، لا بأس أن يصوم. أما إذا لم يكن له عادة، وصادف يوم الشك، فليس له أن يصوم. إذا لم ير الهلال وأكمل عدد شعبان ثلاثين، هنا يصبح مفطراً ولا يصوم، فإن صام فهو يعتبر بهذا عاصياً. قال: نعم، هذا لا يصوم، لكن يصوم احتياطاً؟ لا، لا يجوز يصوم احتياطاً. إذا أراد أن يصوم عادة لا بأس، أما أن يصوم بنية احتياطاً لرمضان، لا، فيكون هذا قد وقع في صيام يوم الشك. قال: حديث رقم 87 بعد السبعمائة. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له». متفق عليه. وللمسلم: «فإن أغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين». وللبخاري: «فأكملوا العدة ثلاثين». ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». نعم، هذا الحديث فيه أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالصيام برؤية الهلال. «إذا رأيتموه فصوموا»، يعني هلال رمضان. «وإذا رأيتموه فأفطروا»، أي هلال شوال. إذن العبرة بالصيام هو برؤية الهلال، أن يراها الناس أو بعض الناس، كما سيأتي. فإذا لم يره أحد، فإننا نصوم، ولا نعتبر الحساب الفلكي. إذا قال أهل الفلك: إن أول يوم رمضان سيصادف اليوم الفلاني، فلا نعتد بهذا إذا لم نر الهلال. العبرة بالصيام برؤية الهلال، برؤية الهلال بالعين، ولو أيضاً باستعانة بشيء من المكبرات. أهم شيء يرى بالعين. إذا رؤي الهلال، ولو بالمنظار المكبر نحو ذلك، فيصام. أما إذا لم ير، فإننا لا نعتمد على الحساب الفلكي، بل نجعل هذا اليوم هو يوم الثلاثين من شعبان. قال: «إذا رأيتموه فصوموا». طيب، إذا رأيتموه فصوموا، إذا رآه واحد، إذا رآه واحد ولم تعتبر رؤيته، قال فلان من الناس: أنا رأيت الهلال، وذهب إلى الجهات المختصة يخبرهم بهذا، فلم يقبلوا رؤيته. هل يلزمه أن يصوم أو يفطر مع الناس؟ الجواب: فيه خلاف بين أهل العلم. منهم من قال: يصوم، لأنه رأى الهلال، فثبت في حقه دخول الشهر. ومنهم من قال: لا يصوم، بل يفطر. وهذا، والصحيح أنه لا يصوم، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس». فيكون الصيام مع جميع المسلمين، فلا يعتبر برؤيته لوحده إذا لم تعتد بها. قال: «إذا رأيتموه فصوموا». طيب، إذا لم يره إلا اثنان أو واحد، هل نعتد برؤيته؟ الجواب: نعم، إذا كان عدلاً، كما سيأتي. وأما في رؤيته لشوال، فلابد من اثنين، كما سيأتي معنا في الأحاديث. قوله: «فإن غم عليكم فاقدروا له». يعني إذا كان هناك ما يعمي الرؤية، غم علينا رؤية الهلال، سحب أو قتر، غبرة منعتنا من الرؤية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فاقدروا له». إيش معنى «فاقدروا له»؟ قال بعض أهل العلم: «فاقدروا له» أي ضيقوا، أي ضيقوا عليه. كيف نضيق عليه؟ قالوا: بأن نخرج تسعة وعشرين، نجعل هذه الليلة هي ليلة الأولى من رمضان، التي يمر فيها الهلال. هكذا قالوا. والصحيح أن المراد بـ «فاقدروا له»: أي أكملوا شعبان ثلاثين، أكملوا شعبان ثلاثين. ويفسر هذا الرواية الأخرى: «فاقدروا له ثلاثين». وفي رواية البخاري: «فأكملوا العدة ثلاثين». نعم، عند البخاري، حديث أبي هريرة: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». إذن معنى «فاقدروا له»: هو أننا نكمل شعبان ثلاثين يوماً، فتكون هذه الليلة، الغم فيها رؤية الهلال، تعتبر من شعبان، ويكون اليوم الذي بعده أول أيام رمضان. طيب، تأتي مسألة هنا أيضاً تتعلق بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتموه فصوموا». هل يعتبر رؤية أهل بلد ملزمة لبقية البلاد بالصيام، أم أن لكل بلد رؤيتها؟ هذه مسألة فيها خلاف بين أهل العلم، والراجح فيها أن الأصل لكل بلد رؤيتها، إلا إذا اتفقت المطالع، مطالع الهلال. فهنا يصوم من اتفقت مطالعهم، ومن اختلفت مطالعهم فلكل بلد رؤيتها. إذا كان مطلع الهلال واحد بين هذه الدول، يعني خط مطلع الهلال واحد، يتفقون في ذلك، فهو يصومون برؤية غيرهم، برؤية غيرهم. وأما إذا كانت المطالع مختلفة، فهو لا، لهم مطلع الهلال، هو لا، لهم مطلع آخر، فهو لا، الذين لهم مطالع مختلفة يعتبرون برؤيتهم أو رؤية من كان معهم، من يتفق معهم في مطلع الهلال. هذا هو القول الراجح في هذه المسألة، ويدل على هذا ما جاء في مسلم، نعم، في قصة ابن عباس، لما جاء إليه رجل من التابعين من الشام، عند معاوية رضي الله عنه، وسأله ابن عباس: متى رأيتم الهلال؟ قال: ليلة الجمعة. وقال ابن عباس: نحن رأيناه ليلة السبت. فقال: فلا نزال نصوم حتى نرى الهلال. قال: ألا تعتد برؤية معاوية ومن معه؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. الحديث في مسلم، فيدل هذا على أنه تختلف، يعني اعتبار الرؤية باختلاف المطالع. قال: حديث رقم 88 بعد السبعمائة. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: تراءى الناس الهلال، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه. رواه أبو داود، وصححه ابن حبان. نعم، هذا الحديث صحيح، ويخبر ابن عمر رضي الله عنهما أن الناس تراءوا الهلال، يعني جعلوا ينظرون الهلال ويتحرون الهلال، وهذا فيه، كما قال أهل العلم، استحباب تحري رؤية الهلال لرمضان. قال: «فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أني رأيته»، قال: «فصام وأمر الناس بصيامه». يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ برؤية ابن عمر، مع أنه واحد، واكتفى بها في ثبوت دخول الشهر، في ثبوت دخول الشهر. استدل أهل العلم بهذا على أنه يقبل في ثبوت دخول رمضان برؤية الواحد العدل، برؤية الواحد العدل. وهذا هو الصحيح في هذه المسألة، أنه يُكتفى برؤية الواحد العدل في ثبوت دخول الشهر. وأما في خروجه، فلابد من شاهدين، كما سيأتي في حديث الحارث بن حاطب. قال: حديث رقم 89 بعد السبعمائة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت الهلال. فقال: «أتشهد أن لا إله إلا الله؟» قال: نعم. قال: «أتشهد أن محمداً رسول الله؟» قال: نعم. قال: «فأذن في الناس يا بلال أن يصوموا غداً». رواه الأربعة، وصححه ابن خزيمة، ورجح النسائي إرساله. هذا الحديث فيه أيضاً قبول رؤية الواحد في ثبوت دخول الشهر. لكن هذا الحديث، الصحيح فيه الإرسال، كما قال الإمام النسائي رحمه الله، وذلك أن الحديث من رواية السماك بن حرب، وفيه ضعف، وقد اضطرب في هذا الحديث، فرواه مرة موصولاً، مرة مرسلاً، ورجح الإمام النسائي وغيره الإرسال. قال: حديث رقم 90 بعد سبعمائة. وعن الحارث بن حاطب رضي الله عنه قال: عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننسك للرؤية، يعني نصوم للرؤية، «فإن لم نره وشهد شاهد عدل نسكنا بشهادتهما». رواه أبو داود والدارقطني، وقال: إسناده المتصل صحيح. هذا الحديث فيه أنه لابد من رؤية شاهدين عدل في ثبوت دخول الشهر حتى يمسكوا للصيام. قال: «فإن لم نره وشهد شاهد عدل»، اثنان، يعني: «نسكنا بشهادتهما»، يعني صمنا بشهادتهما. فهذا الحديث يدل على أنه لابد من شهادة عدلين. وكان الحارث بن حاطب هذا أمير مكة في زمانه، فلما ذكر هذا الحديث قال: وهناك من هو أعلم مني قد سمع هذا من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أشار إلى عبد الله بن عمر، فقال عبد الله بن عمر: صدق. قال عبد الله بن عمر: صدق. كان يرويه أبو داود. إذن هذا الحديث في أنه لابد من شاهدين. وفي حديث ابن عمر أن النبي قبل شهادته، وأثبت دخول الشهر بشهادته. عندنا الآن حديثان، في ظاهرهم التعارض. فنجمع بينهما بأن حديث الحارث بن حاطب عام، وحديث ابن عمر خاص. وإذا تعارض العام والخاص، يحمل أو يخص العام بهذا الخاص. فنقول: الأصل أنه لا بد من شاهدين، لكن ثبت عن ابن عمر قبول شهادة الواحد العدل في دخول الشهر، فحينئذ نخص ذلك بشهادة العدل في ثبوت الشهر، أنه يثبت بشهادة العدل الواحد. وأما حديث: «فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا»، فنقول: هذا أيضاً مخصوص بحديث ابن عمر في دخول الشهر، وأما في خروجه فلابد من شاهدين، يعني في دخول شهر شوال وغيره من الشهور، فلابد من شاهدين يشهدان برؤية الهلال. قال: حديث رقم 91 بعد السبعمائة. عن حفصة أم المؤمنين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له». رواه الثلاثة، ومال الترمذي والنسائي إلى ترجيح وقفه، وصححه مرفوعاً ابن خزيمة وابن حبان. نعم، هذا الحديث صحيح فيه الوقف، أنه موقوف من قول حفصة رضي الله عنها، زوج النبي عليه الصلاة والسلام. وروي نحوه عن ابن عمر، من قوله: «من لم يبيت الصيام قبل الفجر». طبعاً هذا موقوف، وله حكم الرفع، لأن مثل هذا ما يقال بالرأي، الغالب أن مثل هذا سمعته من النبي عليه الصلاة والسلام. «من لم يبيت الصيام قبل الفجر»، يعني صيام الواجب، «فلا صيام له»، يعني لا صيام له صحيح. فالنفي هنا نفي للصحة، فلا صيام له، أي صحيح. فهذا الحديث يدل على وجوب، الحمد لله، على وجوب تبييت النية في صيام الفرض. «من لم يبيت، من لم يبيت الصيام قبل الفجر، فلا صيام له». وتبييت النية، النية محلها القلب. النية محلها القلب. يجب على من أراد أن يصوم صوماً واجباً أن يبيت الصيام في قلبه، أنه سيصوم غداً، أنه سيصوم غداً. فمثلا: أنت الآن أفطرت في هذا اليوم، وفي نيتك ستصوم غداً، هذه نية كافية، هذه النية كافية. واضح. وكونك مثلاً تعزم على السحور وتقوم للسحور، هذه نية. يعني ما يحتاج أن تتلفظ، تقول: نويت أن أصوم غداً إلى آخره، كما يفعل بعض الناس، هذا من البدع والمحدثات، ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. فالنية محلها القلب. فإذا نويت، يعني الصيام، صيام الغد، فقد نويت، وحينئذ يصح صيامك. بل بعض العلماء يقول: لا بأس إذا نوى أن يصوم شهر رمضان كاملاً، هذه نية كافية في صحة الصيام، لأن رمضان ما يمكن أن تصوم غيره من الصيام، النفل أو صيام الواجب كالنذر أو غير ذلك أو القضاء، فهو وقت مضيق لا يسع غيره رمضان. فإذا نوى الإنسان أن يصوم شهر رمضان كله، كفاه ذلك نية لصيام الشهر. طيب، قلنا هذا في صيام الفرض، لأنه سيأتي معنا ما يدل على أنه يجوز أن تعقد النية في صيام النفل من النهار. قال: حديث رقم 92 بعد السبعمائة. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فقال: «هل عندكم شيء؟» يعني طعام. قالت: قلنا: لا. قال: «فإني إذن صائم». يعني الآن، «إني إذن صائم» الآن، عزمت على الصيام، لماذا؟ أنه سأل عن الطعام يريد شيئاً يأكله، لما قالوا: ما عندنا، قال: «إني إذن صائم». ثم أتانا يوماً آخر، فقلنا: أهدي لنا حيس. الحيس: هو التمر مع الأقط والسمن، يخلط، يعجن، ويؤكل، يعني فتة التمر مع السمن والأقط، الأقط: اللبن المجفف. قال: «أهدي لنا حيس». قال: «أرنيه، فلقد أصبحت صائماً»، فأكل. رواه مسلم. انظروا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأل عائشة: «هل عندكم شيء؟» قلنا: لا. قال: «فإني إذن صائم». يعني الآن، الآن نوى النبي صلى الله عليه وسلم الصيام. هذا صيام نفل، فعقد النبي صلى الله عليه وسلم نية الصيام في النهار. فدل هذا على أنه يجوز أن ينوي الصائم صيام النفل في النهار. وبهذا قال جمهور أهل العلم، جمعاً بين الحديثين، حديث عائشة وحديث حفصة، أن النفل يجوز بنية من النهار، وأما الفرض فلابد من تبييت النية من الليل، سواء كان الفرض صوم رمضان، أو صوم قضاء، أو صوم نذر، لابد فيه من تبييت النية. وأما صوم النفل فيصح بنية من النهار، لكن بشرط أنه لا يكون قد أتى بمفطر قبل ذلك. يعني: إنسان أصبح الساعة التاسعة، قال: أنا سأصوم، هو قد شرب قبل ذلك، لا، ما يصلح هنا. إذا أردت أن تصوم وتعقد نية الصيام في النفل من النهار، لابد أن تكون لم تأتِ بمفطر من مفطرات قبل ذلك، لا أكل، لا شرب، لا جماع، إلى آخره. فلك أن تنوي الصيام في ذلك، ويكون لك الأجر من الوقت الذي نويت فيه الصيام، من الوقت الذي نويت فيه الصيام. حتى لو نوى الصيام في نصف النهار، أو بعد الزوال، له من الأجر من الوقت الذي نوى فيه أن يصوم. وفي هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعني صيامه اعتدالاً، يصوم إذا تيسر له الصيام، وإذا أراد أن يفطر أفطر. الآن في اليوم الثاني، دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قالت: أهدينا حيس، قال: «فلقد أصبحت صائماً»، فأفطر وأكل. أحياناً الإنسان يعني يصوم، ويكون صيامه مثلاً من غير سحور، فيخشي على نفسه من التعب أو كذا، فيتيسر له طعام، لا بأس أن يفطر ثم يصوم في يوم آخر. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعني صيامه اقتصاداً في الطاعة، كان مقتصداً عليه الصلاة والسلام، يصوم ويفطر. كما قالت عائشة في الحديث الآخر: كانت يعني لا تكاد أو تريد أن تراه يعني صائماً إلا رأيته، ولا تريد أن تراه مفطراً إلا رأيته. فيفطر أياماً ويصوم أياماً، ويفطر أحياناً ويصوم أحياناً، فتكون العبادة يعني ماذا؟ يكون فيها معتدلاً، لا إفراط ولا تفريط، لا يشق على نفسه بالصيام حتى يضيع غيره من الحقوق، ولا كذلك أيضاً يكون متساهلاً في ترك الصيام، بل يكون وسطاً في ذلك. طيب، الله هنا صلى الله وسلم نبينا محمد، عليه الصحابة والسلام. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.