الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 11، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يستعرض المقطع صفات الخوارج من الأحاديث المتواترة كقراءة القرآن دون تدبر ومروقهم من الدين وقتلهم المسلمين. ويبين أن عبادتهم الظاهرة لا تمنعهم من سفك الدماء وأن خروجهم مستمر منذ عهد الصحابة بصور متغيرة.
يصف المقطع الخوارج بأنهم أحداث أسنان وسفهاء أحلام يدعون الخلافة ويرتكبون الكبائر ويقتلون المسلمين ويفجرون أنفسهم زاعمين الاستشهاد. ويؤكد أن النبي حذر منهم وأن قتلهم أجر عظيم وطريقهم يؤدي للنار.
يبيّن المقطع تحذير النبي والصحابة من الخوارج الذين يتبعون المتشابه ويستحلون دماء المسلمين ويخرجون على الولاة. وينقل عن الصحابة أنهم أهل البدعة ويحذر العلماء من الاغترار بعبادتهم الظاهرة مؤكدين أن طرق الجنة لا تشمل قتل المعصومين.
يختتم المتحدث الدرس بالحمد لله والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ويشير إلى أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، قال المؤلف -عز وجل- في كتابه: "لم أتدبر المنثور من القول المأثور" في الباب التاسع: من سمات الخوارج. سمات الخوارج ذكرها النبي -صلى الله عليه وسلم- في أحاديث كثيرة تبلغ حد التواتر، فقد جاءت الأحاديث عن جماعة من أصحاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، منها ما في الصحيحين، ومنها خارج الصحيحين. قال -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في صفاتهم: «قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان». هذا الحديث المتفق عليه، رواه البخاري ومسلم، فيه بيان من نبينا -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وذكر لبعض صفات الخوارج. فمن صفاتهم: قراءة القرآن، يعني ربما حفظوه وقرؤوه، لكنهم لا يفقهونه، ولا يعلمون شيئًا من معناه، فلا يجاوز تراقيهم، مجرد قراءة فقط. قد يكونوا من العباد، يعني قد يكون فيهم من يقوم ويصلي بالقرآن، ويقرأ القرآن، لكنه لا يجاوز حناجرهم، يعني لا يدخل إلى قلوبهم، فهو فقط في الألسنة، فهو فقط في اللسان. هذه الصفة الأولى. والصفة الثانية: مروقهم من الإسلام، أي ابتداعهم وخروجهم عما شرعه الله سبحانه وتعالى في هذا الدين العظيم، من نظام جماعة المسلمين، وترك الخروج عليهم، وعلى ولاة الأمر. فقل أن يبتدع مبتدع بدعة إلا ورأى السيف، ويوشك هذه -أو توشك هذه- البدعة أن تصل بهم إلى الخروج عن دين الإسلام، ربما باستحلالهم أموال وأدماء المسلمين. فمنهم من يستحل الدماء، ويستحل الأعراض، وكذلك يستحل الأموال. وخروجهم سريع، مثل مروق السهم من الرمية، عندما يرمى ذلك السهم من القوس، يكون كذلك أمرهم. الصفة الثالثة: يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان. على مر التاريخ، الخوارج قاتلوا المسلمين، يعني ضد المسلمين. فهم بدءوا خروجهم من الإنكار، فمنهم من أنكر على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو ذلك الذي خرج على نبينا -صلى الله عليه وسلم- بقوله وإنكاره في القسمة، لما قسم -عليه الصلاة والسلام- الغنائم في حنين، قال ذلك الرجل: «هذه قسمة ما أريد بها وجه الله». فأنكر على نبينا -صلى الله عليه وسلم-، في رواية أنه اتهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بعدم العدل، أنه لم يعدل في القسمة. فغضب -عليه الصلاة والسلام-، وقال: «من يعدل إذا لم أعدل؟ إذا لم يكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو إمام العدل، ويرغب ويحث ويأمر بالعدل، فمن يعدل؟ من يعدل بعد رسول الله -عليه الصلاة والسلام-؟». فقال -عليه الصلاة والسلام- في هذا الرجل: «يخرج من ضئضئ هذا، قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، وقراءتكم إلى قراءتهم». يعني فيهم أهل تعبد، أهل صلاة وصيام وقراءة قرآن، لكن هذه العبادة ما منعتهم من الكف عن دماء المسلمين. ومع هذه العبادة خرجوا وسفكوا الدماء، وكفروا ولاة الأمر، بل وكفروا المسلمين بارتكابهم المعاصي. هذه ثلاث صفات مذكورة في هذا الحديث: يمرقون من الدين، ويقتلون أهل الإسلام. فهل رأيت الخوارج يقاتلون الرافضة؟ هل رأيت الخوارج يقاتلون اليهود ويقاتلون النصارى؟ ما قاتلوا أهل الأوثان والمشركين، وإنما قاتلوا المسلمين بمجرد وجود الشبه عندهم. ثم قال المؤلف: وقال -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء». فيا سبحان الله! انظروا إلى هذه العبادات العظيمة: قراءة القرآن، والصلاة، والصيام، وهم يكثرون منها، ومع ذلك يستحلون أمورًا عظيمة من الدماء والأعراض والأموال وغيرها، ويفسدون في الأرض. قال: «يقرؤون القرآن، يحسبونه أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم». حتى الصلاة، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فمن المنكرات العظيمة قتل المسلمين. فهذه صلاتهم، أي صلاة يصلونها، وهي لم تنهاهم عن سفك الدماء والقتال، وعن العبث والفساد في الأرض. لا تجاوز صلاتهم تراقيهم. وأقول أيضًا: إن أولئك كانوا على عبادة، الخوارج الذين في ذاك الزمان، وامتدوا إلى هذا الزمان. كلما قطع قرن نشأ قرن آخر. يعني ربما يأتي في فترة ينقطعون، ما تجد لهم أثر في مكان، فينشؤون في بلدة أخرى، فيستمر خروجهم. الخوارج يستمر خروجهم منذ ذلك الزمان، عهد الصحابة -رضي الله عنهم- إلى زماننا هذا. فربما في بعض الأزمنة ما ترى ذكر للخوارج وخروجهم، استتبابًا للعدل والأمن، كما في عهد عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-، تجد الناس على خير وعلى أمن وعدل. لكن لا يعني ذلك أنهم لن يخرجوا، فهم يستمرون كما قال -عليه الصلاة والسلام-: «كلما قطع قرن نشأ قرن آخر». يعني ربما ينقطعون في هذه البلاد، ينشأون في بلاد أخرى، وهكذا. وانظر الآن إلى هؤلاء، إلى الخوارج الآن الموجودين، ربما ليسوا بعباد مثل أولئك الناس الذين كانوا أول، أهل عبادة وصلاة وصيام. الآن هناك مخزّنون من الخوارج، ولكن في قطاع صلاة، في قطاع صلاة، في أيضًا مخزّنون، في ناس تعابة -كما قال-، يعني حالتهم حالة ليسوا بشيء في العبادة، حتى الصلاة ما يحافظون عليها، وأيضًا عندهم معاصي، مع أنهم يكفرون المسلمين بالمعاصي. لكن وجد الآن من يحمل الفكر، وهم عندهم البلاية، عندهم البلاية: كشرب الدخان، والمخدرات، وماذا أيضًا؟ الأغاني وغير ذلك. يعني هذا موجود الآن، هذا موجود، ليس مثل أولئك أهل عبادة. الآن فيهم ما فيهم، فترى أن هؤلاء مع بعض الفكر الذي عندهم، أكثرهم يخرجوا للدنيا، يخرجوا لأجل المادة، أجل الفلوس. لا، لا كما يقال: أنه يخرج من أجل أن ينصر دين الله، ويقيم الدولة الإسلامية، الخلافة الراشدة، كما يزعمون. أغن نفسك أنت على التوحيد، هذا نفسه الخارجي في هذا الزمان، ولو تسموا بأسماء أخرى. طبعًا عندهم أسماء أخرى الآن موجودة، لكنهم في الأصل خوارج. هم استقاموا على شرع الله جل وعلا؟ فعندهم المعاصي والمنكرات موجودة بين أوساطهم وأصحابهم، يرونهم على هذه الحالة. الجيد منهم يرى ذلك التعبان الذي ما يحافظ على الصلاة، والمخزن، والمدخن، وهو إلى آخره، وحالق اللحية، كذلك حتى فيهم. وبعد ذلك لا ينكرون هذا. هذه معاصي، ومنها ما يصل إلى حد الكبيرة، لوجود الوعيد فيها، وجود الوعيد فيها. ولكن مع ذلك لا يرون هذا، ولكن ينظرون إلى أمر آخر: كيف تريد تقيم دولة إسلامية وهؤلاء على هذه الحالة؟ فالنبي -عليه الصلاة والسلام- وصف الخوارج بأنهم أهل عبادة: صلاة، صيام، قراءة قرآن، لكن بدون فقه لقراءة القرآن، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. «لإن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد». وأخبر -عليه الصلاة والسلام- أن الجيش الذي يقاتلهم، لو يعلم له ما عند الله من الأجر، لاتكل على العمل، لاتكل على هذا الأجر، يعني أجر عظيم. فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم، كما بينا -عليه الصلاة والسلام-. وهذا الحديث الذي ذكره المؤلف، حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وهو متفق عليه، رواه مسلم. والحديث المتفق عليه سيأتي أيضًا من حديثه. قال -صلى الله عليه وسلم-: «سيخرج قوم في آخر الزمان، أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية». هذا حديث علي، متفق عليه. ما هي الصفات أخرى للخوارج؟ أحداث الأسنان، يعني صغار في السن، الذي رأيناه، وأيضًا سمعه كثير من الناس، ونشر في وسائل الإعلام المتنوعة، أن القتلى من الخوارج هم صغار، ما بين الخامسة عشر، السادسة عشر، السابعة عشر، الثامنة عشر، إلى العشرين، أكثرهم صغار. حدثاء الأسنان، يعني لو كانوا عقالًا بيخرجون، إذن. وقال: «سفهاء الأحلام»، يعني سفيه، بلا عقل. لو كان عنده عقل، بيضيع نفسه؟ ابن يفجر نفسه؟ يا أخي، العقل ما يفجر نفسه أبدًا. يسمونهم -كما يقال-: ضحك على العقول. الكبار الذين يأمرونهم بالتفجير، يقولون لهم: هذه عملية استشهادية، هذه عملية إيش؟ استشهادية. فينغمس على قوله، من غماسي، فيصلح له حزام ناسف، ثم بعد ذلك يدخل في الناس ويفجر نفسه. ربما فجر في مسجد. «الخلافة، الخلافة الإسلامية»، يا أخي، أنت تريد تقيم دولة إسلامية، ولا تريد تقتل الناس؟ تدخل المسجد وتفجر ناس يصلون، يقولون: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. أي إسلام تريد أن تقيمه؟ هذا ما قاله -عليه الصلاة والسلام-: «يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان». فلا يضحكوا على الناس بأنهم يريدون إقامة دولة إسلامية، ونشر العدل، وإزاحة الظلم. وما تفعلونه في الناس، ماذا يسمى هذا؟ تقتلون الأبرياء، والنساء، والأطفال، والصائمين، حتى في رمضان، حتى في رمضان! ماذا فعلوا؟ قتلوا الجنود الصائمين في رمضان. وما حادثة المكلة عنا ببعيد، في شهر رمضان، والناس صائمون. وهذا يدخل، صاحب العقل الكبير، بحزام ناسف، ويفجر نفسه. وقال: «يَبْغُونَ الجنة»، كأن طريق الجنة ليس لها إلا هذا الطريق. طرق الجنة كثيرة، ما يستطيع أحد أن يحصرها، كثيرة، الكتاب والسنة. ولكن هذا من تسويل الشيطان الرجيم، ومن ضحك أولئك عليهم. فالنبي -عليه الصلاة والسلام- بيّن أنهم أحداث الأسنان، يعني صغار في السن، سفهاء الأحلام. الحلم يعني العقل. سفهاء الأحلام، ليس عندهم حلم، ليس عندهم عقل، حتى أنهم يميزوا بين هذه الأمور. قالوا لهم: عملية استشهادية، الحور العين بانتظارك. صدق هذا المسكين، وراح يفجر نفسه. ولم يكن يومًا من الأيام قتل النفس المحرمة من الاستشهاد في سبيل الله. «ولا تقتلوا أنفسكم، إن الله كان بكم رحيمًا». هكذا يقول ربنا عز وجل في كتابه الكريم. ما يقتل الإنسان نفسه، ويعرض نفسه للخطر. فإذا كان لإشارة بالسلاح لا تجوز للمسلم، وترويع المسلم لا يجوز. من معه سلاح فليمسك بنصله، يقول -عليه الصلاة والسلام-: «إذا مرر في المسجد ومعه السيف أو معه سهم، فليمسك بنصله، لا يصيب أحدًا من المسلمين في بيوت الله عز وجل». فهذا حرام، ما يجوز أنك تشهر السلاح في وجه أخيك. وليس من من روع الآمنين، تروع الناس وتخيفهم. وكيف بمن قتل العشرات من عباد الله عز وجل؟ أهذا طريق؟ أهذا طريق للجنة؟ هذا طريق لجهنم، وساءت مصيرًا. طريق هذه للنار، والعياذ بالله، لأنها فيها قتل نفس محرمة. فقتل نفسه المأمور بالمحافظة عليها، وقتل غيره كذلك من المسلمين، سيبوء بإثمه وإثمهم يوم القيامة، فيأتون ويطالبون بحقهم من رب العباد. «يقولون من قول خير البرية». أيضًا كلامهم، كما يقال، ربما يدخل في النفوس. فانتبه من الشبه التي يلقونها. يعني ربما يكون كلامهم مؤثرًا، كلامهم كما يقال: عسل. يأتونك بالشبه، وتصدق ذلك. يأتونك بشيء أنت تراه بعينك، وتسمعه بأذنك، وربما ذكر له بعض الأدلة. فلذلك -عليه الصلاة والسلام- بيّن لنا من هم الخوارج، من هم هؤلاء؟ صفات كثيرة لهم، صفات كثيرة. فهذه من صفاتهم لتحذرها. فكن ذا لب، ذا عقل، واحذر من الشبه التي يلقيها أولئك القوم، ولا تسمع لها أصلًا. فبعض الناس ربما جالس بعضهم ساعات، فإذا هو بعد ذلك منهم. وربما لو أتوا له بشريط أو محاضرة في الجهاد في سبيل الله، وفضائل الجهاد. نعم، الجهاد مشروع، لكن جهاد من؟ نجاهد من؟ «يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين، واغلظ عليهم، وما واهم جهنم وبئس المصير». تريدون تجاهدون في سبيل الله؟ اذهبوا فلسطين، فيها اليهود، هذه، اذهبوا قاتلوا، حرروا الأقصى من أيدي اليهود الغاصبين. ثم علم أنهم ذهبوا إلى هنا، هنا في بلاد الإسلام، يفعلون هذه الأفاعيل، يقتلون المسلمين هنا. حتى وصل بهم الأمر، عياذًا بالله، إلى قتل العلماء. قتلوا العلماء، وحاولوا قتل المشايخ والعلماء الكبار. فبعضهم سلمه الله ونجاه الله منهم، وبعضهم من قتل. ومن الذي قتل شيخنا أبا عبد الله، عبد الرحمن بن عمر بن مرعي -رحمه الله رحمة واسعة، سأل الله أن يتقبله شهيدًا- إلا أولئك؟ وهو خارج إلى الصلاة، خارج إلى درس. هرعوا، حرمة هذا المسلم، وهو خارج يعلم الناس، من بيته إلى المسجد، ما رعوا حرمة أحد. فإذا قتلوا علي بن أبي طالب، خليفة من الخلفاء، وأيضًا من العشرة المبشرين بالجنة، قتلوه، فما ظنك بغيره؟ بغير علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه-. قال: قال أبو غالب، وأبو غالب يروي كثيرًا عن أبي أمامة. قال: كنت عند أبي أمامة -رضي الله عنه-، فقال له رجل: أرأيت قول الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، من هؤلاء؟ من أهل الزيغ في هذه الآية المذكورة؟ قال: هم الخوارج. أبو أمامة يقول: هم الخوارج. ثم قال: «إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، كلها في النار، وإن هذه الأمة تزيد عليها فرقة، وهي في الجنة». فذلك قول الله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ إلى قوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. يعني تلا الآيات التي فيها ذكر إبيضاد وجوه أهل السنة والجماعة المتمسكين، وإسوداد أهل الفرقة والبدعة. فقلت: منهم؟ فقال: الخوارج. يعني الذين تسود وجوههم. وقد أثر عن ابن عباس أنهم أهل البدعة، والخوارج من أهل البدعة. فقال: الخوارج. فقلت: أسمعت ذلك من رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟ فقال: سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وهذا الأثر صحيح. حتى قال أبو أمامة لأبي غالب: «إني إذن لجري، لو قلت ذلك برأيي، إني إذن لجري». يعني: أنا أتجرأ وأفسر شيء برأي، أقول: هم الخوارج، ولم أسمع ذلك من النبي -عليه الصلاة والسلام-. الصحابة أناس أثبات، صادقون فيما ينقلون عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أمن هذه الأمة. فقال أبو أمامة: إن أصحاب الشبه في الآية المذكورة هم خوارج. خوارج، هؤلاء أصحاب شبه، يأتونك بالشبه من حيث لا تعلم. وأنت يا طالب العلم، أو يا أيها العام، احذر ممن يأتيك بالشبه، كن على بصيرة في أمرك، ولا تتبع أمثال هؤلاء الذين يدعونك إلى الخروج على ولاة أمرك، وشق عصا المسلمين، لأجل أن تنال الجنة، بحسب زعمهم، بحسب زعمهم. فطرق الجنة قد بيّنها ربنا سبحانه وتعالى، كما بيّنها نبينا -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في السنة، وهي معلومة، وليس منها الانتحار، وليس منها قتل النفس المحرمة. النبي -عليه الصلاة والسلام- بيّن أن قتل النفس لا يجوز إلا بإحدى ثلاث: ثيب الزاني، والنفس بالنفس، يعني إذا قتل نفسًا ظلمًا وعدوانًا عمدًا، هذا يقتل بها، والنفس بالنفس، والتارك لدينها، المفارق للجماعة، الذي يفارق جماعة المسلمين، ويترك الدين، ويرتد عن دين الإسلام، فهذا يقتله الإمام، يقتله ولي أمر المسلمين، يكون دمه حلالًا، يكون دمه حلالًا. فإذا هناك من يكون حلال الدم، وهناك من يكون معصوم الدم. حتى بيّنت السنة أن من الكفار من يكون معصوم الدم، إذا دخل بلادك بعهد أو بأمان، أو كان كذلك كافرًا ذميًا، فإنه يكون معصوم الدم، لا تستحل دمه، ولا ماله، ولا غير شيء من ذلك. ينبغي أن يعلم الناس ما هو الواجب، ما هو ما هي السنة. فإذا علموها انتبهوا للشبه التي تلقى من هؤلاء. قال محمد بن الحسين الآجري -رحمه الله-: لا ينبغي لمن راجع هذا الخارجي، قد خرج على إمام، عادلًا كان الإمام أم جائرًا، فخرج وجمع جماعة، وسل سيفه، واستحل قتال المسلمين، فلا ينبغي له أن يغتر بقراءته للقرآن، ولا بطول قيامه في الصلاة، ولا بدوام صيامه، ولا بحسن ألفاظه في العلم، إذا كان مذهبه مذهب الخوارج. يأتي إن شاء الله تعالى كلام العلماء، كلام العلماء كثير في بيان أمر الخوارج، ليحذر الناس هذه البدعة المنكرة، وهذا المذهب الخطير، مذهب الخوارج، الذي ربما يتفشى في بعض البلاد، وبعض الأمكنة، والأزمنة. فينبغي علينا أن نحذر من ذلك. وإن شاء الله تعالى في الدرس القادم سيأتي ذكر لمزيد من صفاتهم، ومزيد من كلام العلماء في التحذير منهم. فنسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد. إلى هنا، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة: نانسي قنقر