يا ليت قومي يعلمون

المحاضرة بعنوان يا ليت قومي يعلمون، وكانت بمسجد الروضة بغيل باوزير ٢٨ جمادى الأولى ١٤٣٧هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في أهمية الاعتبار بالعبرة من قصص القرآن

يُناقش أهمية قصص القرآن في إحياء القلوب وتذكير الناس بالله، مع التركيز على العبرة المستفادة منها. يُشدد على أن العبرة أهم من التفاصيل.

التعاون في الدعوة إلى الله وحدود مسؤولية الداعي

يؤكد على أهمية التعاون بين الدعاة وضرورة السعي خلف الناس لدعوتهم، ويوضح أن الدعوة تنحصر في تبليغ دين الله دون إجبار الناس على الإيمان.

التحديات التي يواجهها الدعاة إلى الله

يشرح كيف يتشاءم الكفار بأهل الصلاح ويتهمونهم بالشدة، ويحذر من أن الدعاة سيواجهون البلاء والإعراض، مشيراً إلى أن الصلاح سبب البركات.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. إخواني في الله، عباد الله، بادئ ذي بدء نتوجه بالشكر الجزيل لأهل هذا المسجد، المسجد الروضة، لإتاحتهم الفرصة بإلقاء مثل هذه الكلمات وهذه المحاضرات التي فيها إحياء لا أقول للأبدان والأجساد بل إحياء للقلوب، فما تحيى القلوب وتحيى النفوس إلا بذكر الله جل في علاه، ألا بذكر الله تطمئن القلوب. وكم نحن إخواني في الله بأمس الحاجة إلى من يذكرنا بالله جل في علاه، وخاصة ونحن في هذه الأزمان، أزمان الغفلة، أزمان تكالب الشبهات والشهوات على العبد المسلم، حتى قست القلوب ونفرت النفوس عن دين الله جل في علاه. فجزى الله خيرا كل من سعى وساهم وتعاون على إقامة مثل هذه الكلمات ونضائرها، لما فيها من إحياء للأفراد والمجتمعات، وهكذا أتوجه بالشكر لأخينا الفاضل أبي عبد الرحمن سعد بن فربيد، لكلمته وترحيبه بنا، فجزاه الله خير الجزاء. إخواني في الله، كما هو قد أعلن وقرر عنوان المحاضرة «يا ليت قومي يعلمون»، وهذه في الحقيقة آية مقتبسة من آيات الله جل في علاه، ذكرها ربنا سبحانه وتعالى في قصة عظيمة، وكل قصص القرآن عظيم، ولو أن الناس رعاكم الله أقبلوا على قصص القرآن والسنة لوجدوا فيها الكفاية والغنى، ولاستراحت لها نفوسهم وانشرحت لها قلوبهم. كيف لا، فهي من وحي السماء، وليس العبر إخواني في الله من قصص القرآن والسنة الترفيه والتسلية، لا، ولكن المراد من هذه القصص أن يستخلص المسلم منها العبر والعضات والمسائل والفوائد. قال جل ربنا: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، العبر والاتعاظ قصتنا إخواني في الله والتي حكاها ربنا في كتابه العزيز. قال جل شأنه: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾، هذا الخطاب لنبينا عليه الصلاة والسلام، يأمره ربه يخاطبه ربه أن يضرب مثلا لمن؟ للكفار قريش، لمن بلغ منهم الكفر إلى العتو والنفور، أن يضرب لأمثال هؤلاء مثلا في من؟ في قرية، قرية فلاصة، أمرها أنها عتت عن دين ربها، مع إقامة الحجة عليها، بعث لها ربنا عز وجل الرسل الكثر، ومع ذلك ما زادهم إلا نفورا. فكان من عاقبة أمرهم أن الله عجل لهم عقوبة الدنيا، فضلا عن عقوبة الآخرة، هذا مثل ينبغي أن يستدعي ويسترعي كفار قريش، حتى لا يصيبهم مثل ما أصاب القوم، والسعيد من التعض بغيره. ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾، يقول العلماء: أنك تجد كثيرا في قصص القرآن والسنة عدم التحديد وعدم التعيين للأشخاص، عدم التحديد وعدم التعيين للأشخاص وللبلدان وللأماكن. مثلا في هذه الآية العظيمة: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا قَرْيَةً﴾، قرية ما هي القرية؟ لم تحدد لنا، في أي بقعة هي؟ الله أعلم، من الذي قدم عليها رسل؟ ومن هم هؤلاء الرسل؟ لم يسمهم لنا ربنا عز وجل. وسيأتي كذلك معنا: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾، من هذا الرجل؟ الله أعلم، وسيأتي معنا أقوال العلماء في تحديد هذه المبهمات، لكن تجد أن القرآن كثيرا ما يأتي بالقصص ويكون فيها الإبهام للأشخاص وعدم التعيين للأماكن والقرى والبلدان. وما هذا؟ وما المراد من هذا؟ قال العلماء: المقصد من ذلك أن الله عز وجل يريد من الخلق أن يعتني بالغاية، يعتني بالقصود، ومن المغزى من هذه القصة، دع عنك الأشخاص، دع عنك البلاد والأسماء، اعتبر بالعبرة، ما الذي تستفيده؟ هذا الذي ينبغي أن تتوافر الهمم عندما تقبل على قصص القرآن والسنة، أن تتعرف على العبرة، أن تتعرف على العظة التي أرادها ربنا عز وجل من خلقه. لأنك تشتغل بالأسماء وتعين المبهمات، نعم، حاول جماعة من المفسرين تتبع التفاصيل في معرفة الأشخاص، كهذه القصة التي بين أيدينا، في معرفة ما هي القرية؟ ومن هؤلاء هم الرسل؟ ومن هو هذا الرجل؟ هذا نعم، هناك محاولات لبعض العلماء، لكن بالمقابل هناك من أهل العلم من عاب ذلك، من عاب ذلك، ويرى أن المسلم يقتصر على ما اقتصر عليه القرآن، ربنا عز وجل كان بالإمكان أن يحدد لنا الأشخاص والبلدان، لكنهم ما فعلوا. فأنت يا عبد الله لا تفعل، ومن هؤلاء من صرح بهذا الإمام السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره، عندما ذكر هذه القرية، ذكر أن هناك من حاول، وعاب على هذه المحاولات، بل ذكر أن ذلك مما لا فائدة فيه، بل خشي أن يكون هذا من التكلف، ومن الكلام على الله بغير علم. ومع ذلك نبه رحمه الله تعالى على أن من حاول أن يأتي بتعيين الأشخاص والأسماء سيقع في إشكالات لا محالة، يقع في إشكالات لا محالة، مثاله في هذه القصة: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾، القرية قيل أنها بلدة تسمى أنطاكيا، وهذا قول ذكره ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره، ونسبه عن كثير من المفسرين. وأنطاكيا بلدة في أرض الشام، في أرض الشام، وهذا صحيح، الإمام القاسمي رحمه الله تعالى في محاسن التأويل رد هذا القول، رد هذا القول بعدة أوجه شرعية وعقلية، وأن هذا لا يستقيم. لهذا يا عبد الله تجد المحاولات التي تكون فيها تتبع التفاصيل، تجد أنها ما تفلح، لهذا يا عبد الله أن تترك هذه الأمور على ما هي عليه، قرية الله أعلم بها، جاءها المرسلون من هؤلاء؟ الله أعلم بهم. لكن قرية بعث إليهم رسل، قال ربنا عز وجل: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾، ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾، كان ممن كان قبلنا من أحوالهم أن الله عز وجل ربما أرسل عدة رسل إلى بلدة واحدة في آن واحد، يقع هذا، يقع هذا. كهذه القرية تتابعت عليهم رسل، رسول تل ورسول، على قرية واحدة، وربنا عز وجل يرسل الرسل إلى الخلق والناس رحمة بهم، يرسل ربنا عز وجل للخلق من يخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. وإن الله عز وجل ما ترك الناس على أفهامهم القاصرة، ولا على عقولهم الناقصة، بل بعث إليهم الرسل الذين يوضحون لهم المحجة، ويفهمونهم الحجة، وهذا من رحمة الله عز وجل. لكن تأمل في نص القرآن: ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾، من الذي جاء عند من؟ هل أهل القرية هم الذين جاءوا عند الرسل؟ أم الرسل هم الذين جاءوا عند أهل القرية؟ لا شك الثاني، الثاني، الرسل هم الذين قدموا على أهل القرية، نزلوا عليهم. وهذا إن كان من فائدة يا عبد الله نستفيدها فيها، أن من آتاه الله عز وجل علما ودعوة، وجند نفسه أن يكون داعية يدعو الناس إلى الخير، عليه أنه لا يبقى في مكانه ويبقى في محله، وينتظر الناس أن يأتون إليه بحجة أن الله آتاه علما وفهما، لا يا عبد الله. بل عليك أن تسعى خلف الناس، ابحث يا عبد الله عن منازل الخلق، وتتبع الناس، عبد الله في محلهم، وفي أسواقهم، وفي أماكن نزولهم، كما فعلت هذه الرسل، نزلوا عند هؤلاء الأقوام، وهكذا الأنبياء، وهكذا الرسل، وهكذا نبينا صلوات ربي وسلامه عليه. كان يتتبع مجامع الناس، ومنازل الخلق، كان يتتبع الكفار في مواسم الحج، يتتبعهم حتى في مواسم الأسواق، ويقوم داعية يدعو الناس إلى دين الله جل وعلا، لأن الداعي يبقى في بيته أو يبقى في محله ومكان إقامته، ويطلب أن الناس يأتون إليه، لا يا عبد الله، أنت الذي تغزوهم. ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾، انظر إلى رحمة الله، انظر إلى سعة رحمة الله التي وسعت كل شيء، حتى أن رحمة وسعت الكفار، أهل العناد والشقاق. استكبروا على النبي الرسول الأول، فأرسلهم الثاني، أدبروا عن الثاني، أرسلهم الثالث، رحمة من الله جل في علاه، كتب ربكم على نفسه الرحمة، رحم الخلق بإرسال الرسل تل والرسل. ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾، عززنا، قال علماء: شددنا وقوينا، شددنا وقوينا، قوينا الرسول برسول آخر، إذا كان الرسول الأول ما نفع، الثاني ما استطاع، الثالث، وهذا فيه عبر إخواني في الله. على أن أبواب الخير، وأبواب البر والمعروف، إذا كان لا يمكن أن تؤدى إلا بجماعة، لا بد أن تتوافر الجماعة، لا بد أن تتكالب الأيدي، أن تتكاتف الجهود لإقامة مشاريع الخير والبر والعطاء والبذل والسخاء. كما قال ربنا جل في علاه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، التعاون مطلوب يا عبد الله في أبواب الخير، في أبواب البر، لو ربما مسؤولية تطلق وترمى وتعطى على عاتق رجل واحد، ما يستطيع، ما يستطيع، ما يستمر، فيحتاج إلى من يعينه، من يساعده، عن يمينه، وعن شماله، ومن ورائه، ومن خلفه. حتى عل وعسى أن يستمر هذا الخير بين الأفراد والمجتمعات، وخاصة في باب التربية، في باب التعليم، في باب الدعوة، في باب التبليغ، هذا الباب الذي نحن بصدده، ربنا عز وجل تابع بين الرسل لتبليغ دين الله جل وعلا. وهكذا فلنكن نحن يا عباد الله، ويا من كان من الدعاة إلى الله، يبلغ دين الله في بيته، في مدرسته، في مسجده، في منطقته، في قريةه، في قومه، ما ينبغي أن يكون الشخص وحيدا في مضمار التبليغ، يحتاج إلى من يعينه، من يأخذ بيده. قال ربنا عز وجل على لسان موسى عليه السلام: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، احتاج موسى عليه السلام إلى من يعينه في هذا الدرب، درب الدعوة والتبليغ، تبليغ دين الله سبحانه وتعالى. للأسف إخواني في الله، لربما في بعض القرى والمناطق يجد أن الذي يقوم بالدعوة لربما واحد أو اثنان، مع أن الذين هم من أهل الخير هم كثر، لكنهم تقاعسوا، تخاذلوا، الكل تأتكل على هذا القائم، وما دروا أن هذا الإلقاء لربما يسقط، لربما ينهار، لربما يذهب ويزول. فتسقط الخير، ويذهب البر والصلاح في المجتمعات، إخواني في الله، لابد من التآذر والتعاون، الكل يمد يد العون، ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾، نبينا عليه الصلاة والسلام أرسل إلى اليمن، أرسل أبا معاذ، وأرسل كذلك معاذ بن جبل، وأرسل أبا موسى الأشعري. وقال لهما في وصيته كما في الصحيحين: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا»، التطاوع يأتي بمعنى التعاون، التعاون يا عبد الله، الكل يدلي بما يستطيع في مضمار الدعوة، ذاك بخطبة جمعة، وذاك بدرس عام، وآخر بدرس خاص، وذاك بحلقة للأطفال، وذاك بدرس النساء، وذاك بكلمات، وذاك بمحاضرات، وذاك بتوزيع منشورات. دعوة يا عبد الله تتفرع، هذا ما يمكن لأحد بفرد أن يقوم بهذه المآم لوحده، هذا مزقلة للكواهل، مزقطة للأعمار والأجسام والأجساد، فالله الله يا عبد الله في هذا الباب، عبرة يضربه لنا ربنا عز وجل في شأن هؤلاء رسل. ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾، شددنا، قوينا، وهكذا يا عبد الله كن ساعدا لأخيك، ساعدا لإخوانك، لعل الله أن ينفع بك البلاد والعباد، والأفراد والمجتمعات. ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾، قالوا: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾، انظر إلى العناد والإعراض، يعني الرسول الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، ولا زال الإعراض هو هو، بل بإدلاء بعض الشبه التي تكون مسوغة لهم في ترك دين الله. قالوا: ﴿مَا أَنْتُمْ يَا مَنْ جِئْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾، وهذه الحجة التي أدلى بها هؤلاء هي حجة ما من بلد فيها كفار أرسل إليهم رسل الله إلا واحتجوا بهذه الحجة. وهي مفادها أنكم يا من جئتم وتدعون النبوة والرسالة، ما نراكم إلا بشر مثلكم، من أمثالنا، ونحن كذلك بشر، فلو كان الوحي ينزل عليكم فكذلك ينزل علينا، ليس هناك فرق بيننا وبينكم، والحل أن لا تكون النبوة والرسالة إلا للملائكة، من صنف آخر، يزله ربنا على هذه الكون، فنتبعهم. أما أنتم لا، وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا: ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾، هذا ما يمكن، رسالة ونبوة تجعل بين جنبات بشر، آدمي يأكل كما نأكل، يشرب كما نشرب، لا يكون هذا، لا يكون هذا. قال: ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾، قالوا: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾، هذا إصرار واستمرار، والداعي لا يسقط، لا ينهزم من أول مرحلة، أو في أول وهلة، لكن يستمر، يستمر في المحاولة. يقول علماء في قول الأنبياء والرسل: ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾، ربنا يعلم، قال علماء: هذا أجرى مجرى القسم، كأنهم يخصمون بالله على أنهم مبعوثون من قبل الله، ربنا يعلم. وهنا فائدة إخواني في الله أذكرها في هذا المقام، في قول: لأنها كلمة قد درجت لدى الألسن من بعض المسلمين، قول القائل: «ربي يعلم كذا»، تجد بعض الناس إذا قال قولا أو أراد أن يفعل فعلا: «ربي يعلم أني فعلت كذا وكذا»، «ربي يعلم أني ما فعلت كذا وكذا»، كلمة خطيرة، «ربي يعلم»، خاصة إذا قلتها في أمر وأنت كاذب فيه، احذر هذا. ليس بالأمر السهل، أنت ما فعلت، فقد «ربي يعلم أني فعلت»، وأردت أن تنسل من هذا الموقف المحرج، فتأتي بعبارة «ربي يعلم»، قال ابن عثيمين رحمه الله تعالى: وهذه كلمة خطيرة، إذا قالها العبد على خلاف ما فعل. قال: وقد رأيت، يقول ابن عثيمين رحمه الله: وقد رأيت في كتب الحنفية أن من قال لشيء: «ربي يعلم كذا»، وما فعل، أنه صار كافرا مرتدا، أنه صار كافرا مرتدا، لأن بقولك هذا: «ربي يعلم»، وما عملت، وما فعلت، كأنك تنسب الجهل لله، تنسب الجهل لله سبحانه وتعالى. فاحذر يا عبد الله من إيقاع هذه الكلمة في غير محلها، إن كنت كما كنت صادقا، قلها: «ربي يعلم أني فعلت كذا»، «ربي يعلم أني ما فعلت كذا»، لكن أنت كاذب، احذر، فالأمر ليس بالسهل، ليس بالهيين. قالوا: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، وما علينا إلا البلاغ المبين، هنا فائدة عظيمة إخواني في الله، وهي حقيقة النبوة، حقيقة الرسالة، حقيقة الدعوة. يا الله عز وجل أنها عبارة عن بلاغ، عبارة عن تبليغ لدين الله سبحانه وتعالى، وكثير الآيات القرآنية التي يذكر فيها ربنا عز وجل هذه الحقيقة، أن حقيقة الدعوة هي التبليغ دين الله سبحانه وتعالى. وأن دعوة الأنبياء والرسل لهم هذا المقام، مقام التبليغ، قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، وقال سبحانه: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. وقال جل علا: ﴿إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾، وقال ربنا جل علا: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، وقال جل علا: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. تأمل يا عبد الله في هذه الآيات القرآنية التي فيها الحصر، بل هي من أعظم صور الحصر: ﴿إِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، أخبر ربنا عز وجل على أن الأنبياء وظيفتهم تنحصر في هذه المهمة، البلاغ المبين. وهذه فيها فائدة الأولى، أن الدعوة يا عبد الله، ومن انتصب لأن يكون داعيا، يسير على درب الأنبياء والرسول، عليك يا عبد الله أن تعرف أن الدعوة تنحصر في التبليغ دين الله، وأما ما وراء ذلك، هذا ليس لك. ما وراء ذلك، والذي أعنيه من الثمر، والذي أعنيه من جذب القلوب، وهداية النفوس، هذا ليس لك، الهداية بيد الله سبحانه وتعالى، وإنما أنت يا عبد الله بلغ دين الله، حتى يحيى من حي عن بينه، ويهلك من هلك عن بينه. أما أنك يا عبد الله تجد أنه لا بد عليك أنك تلزم الناس بالإيمان، تلزم الناس بالإسلام، هذا ليس لك، بل ربنا عز وجل يقول لنبيه، والذي كان من أحرص الناس على إسلام من أحببت، من أحببت. الهداية ليست بيد أحد، ولو كان من أقرب الأقربين إليك، ولو كان من زوجك وأولادك، هذا نبينا كان حريص على إسلام عمه، حريص كل الحرص، ومع ذلك مات على الشرك. إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء، الهداية بيد الله يا عبد الله، ومن هنا إخواني في الله نأسف لكثير من الناس، أو الطوائف التي خفيت عليها هذه المعالم. فيجد من نفسه أن الأمور إذا آلت إليه، لابد أن يأتي بنتيجة، لابد أن يخرج بثمرة، يقول: إيش؟ أنا فعلت، ما فعلت شيء، لابد أن أفعل، لابد أني أدخل من أدخل في باب الهداية والاستقامة. لكن ما الذي يفعل؟ الذي يفعله، تجد أن منه من يغير ويبدل في شريعة الله، عندما رأى من الناس النفور، رأى من الناس الإعراض والصدود، لم ربما غير، يأتي إلى أصول الدين، غير وبدل، يأتي إلى ضع المحرمات والحرمات، والحرمات والمبيقات والمنكرات، فيأتي يخفف من شأنها، ويستسهل في أمرها. حتى يجري، يجاري بها المجتمع، عل وعسى أن يأتوا معه، لربما أتى إلى بعض الواجبات، وخفف من أمرها، وهول من شأنها، وجعلها في عداد المستحبات، بحجة أنه لا ينفر عن الدين، لا يا عبد الله، هذا تلاعب، شرع الله، الدين هو الدين يا عبد الله. لا يغير، ولا يبدل، الشرك شرك، والتوحيد توحيد، والواجب واجب، والسنة سنة، تبقى الأمور على ما كانت عليه، قال ربنا جل وعلا في حق نبيه: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، لأنذركم بهذا الوحي الذي أنزله ربنا على نبيه في تلكم الأزمان. ليس ذاك منحصر على زمنه صلوات ربي وسلامه عليه، لا، بل يبقى، تبقى الشريعة إلى متى؟ إلى من يأتي بعده، لأنذركم به، ومن بلغ، ما هو من سعة إلى آخر الزمان، تبقى الشريعة هي هي، لا نغير، لا نبدل. هذا فعله طوائف من الناس، عندما لم تفهم أن الداعي حسبه أن يبلغ دين الله، فلعلك باخع نفسك على آثارهم، إن لم يؤمنوا بهذا الحديث، أسف، هذا ليس لك، هذا ليس لك، لو تفتت الناس، ولو تساقط الناس عن الصراط المستقيم. ما عليك يا عبد الله إلا البلاغ، بلغ دين الله، بلغ شرع الله، وانظر إخواني في الله إلى الوصف الثاني: ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، الواضح، البين، ومن صور البيان أن يكون هذا البلاغ جليا، ظاهرا، يراه القاصي والداني. هذا البلاغ لا يكون فيه خفاء، لا يكون فيه ستر، ولا غموض، هذا البلاغ لا يكون فيه خفية، ولا يكون فيه تقية، ولا يكون فيه سرية، لا يكون هذا البلاغ خلف الكواليس، أو خلف السراديب، أو تحت الأرض. بل يا عبد الله دين الله جل وعلا يكون واضحا، جليا، يراه القريب والبعيد، يراه كل أحد، لا يقفى على أحد من خلق الله، قال عليه الصلاة والسلام مبينا حال هذه الدعوة: «لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً»، بيضاء، واضحة، ناصعة، ليس فيها كتمان، ليس فيها غموض، ولا لبس. وقال عليه الصلاة والسلام في حق هذه الدعوة: «لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا»، واضحة، حتى في الليل هي واضحة، وهكذا كنت، كن، فليكن الدعاة إلى الله عز وجل، لأنهم يبدون للناس ما يقفون عنه خلف الكواليس والدهاليس، وإنما ينبئونهم بشرع الله. فإن الله عز وجل إنما أنزل هذا الشرع للخلق كافة، لا لأحد دون أحد، لا لطائفة دون طائفة، ورحمة الله على عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، حيث قال: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْخَاصَّةَ يَتَنَاجَوْنَ مِنْ دُونَ الْعَامَّةِ فَاعْلَمُوا أَنَّهُمْ عَلَى تَأْسِيسِ ضَلَالَةٍ». قالوا: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، قالوا: أي الكفار، أهل الشقاوة، قالوا: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾، إنا تطيرنا بكم، تطيرنا بمعنى تشاءمنا منكم، وهذه إخواني في الله عقيدة جاهلية، عقيدة جاهلية. أنهم يتشاءمون بأهل الصلاح، يتشاءمون بالأخيار، كما قال ربنا: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾، أي من عند موسى عليه السلام، في حق الأقباط، فتجد أن أهل الكفر إذا أرادوا أن ينفروا الناس عن الأخيار والصلحات، تشاءموا منهم. يعني كان، وقد قال المفسرون: أن في أزمان هؤلاء كان هناك جدب، وهناك قحط، فقال هؤلاء الكفر: أن مبتولين به، إن هذا الجدب والقحط إلا بوجودكم، إلا بسببكم، أنتم شؤم علينا، أنتم شؤم علينا. وللأسف تجد أن هذه الدسيسة صارت حتى إلى مجتمعاتنا، تجد بعض الناس من العامة، الذي ما يفقه دين الله سبحانه وتعالى، متى ما رأى دعوة الخير والصلاح انتشرت، وفشت بين الناس، وعلت راية التوحيد والسنة، وقبل الناس على دين الله. فيأتي من يأتي، يقول: «أنتم بعد ما جئتم»، يوم، «والله ما رأينا خير»، انظر، «الأسعار غلت»، «والبلاد قد تناحرت وتقسمت بعد ما جئتم أنتم»، هذه عقيدة أهل الجاهلية، التطير، تشاؤم بأهل الصلاح. ما كان الصلاح يا عبد الله محل تشاؤم، بالعكس، الصلاح يا عبد الله متى ما حل بين الأفراد والمجتمعات، تأتي به البركات، ينزل ربنا عز وجل بسببه الخيرات والبركات، ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض. متى تأتي البركات؟ متى تأتي الخيرات والرحمات؟ بالاستقامة على دين الله، وأن لو استقاموا على الطريق لأسقيناهم ماءً غدقا، الاستقامة يا عبد الله على الخير والصلاح، والصلاة هو الذي ينتشر به الخير، ويعم به الأمن والأمان. قالوا: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، هددوهم، ووعدوهم بهذين الأمرين العظيمين، بالرجم، وقد قال المفسرون كالفراء رحمه الله تعالى وغيره. على أن الرجم، كلمة الرجم، غالب ما تأتي في القرآن بمعنى القتل، الرجم أكثر ما يأتي في القرآن بمعنى القتل، لنرجمنكم، بمعنى لنقتلنكم، أو يمسن لكم منا عذاب أليم، تنكيل، تعذيب، هذا إذا ما سكتتم. وهذا فيه فائدة يا عبد الله، أن يعلم كل من أراد أن يبلغ دين الله، كل من أراد أن ينشر الخير في أي ميدان من ميدان الناس، ومن ميادين الخلق، لا تظن يا عبد الله أن الطريقة مفروشة بالورود والرياحين. أو أن الصدور تكون مفتوحة لاستقبال ما تأتي به، بل بالعكس يا عبد الله، إنك ستجد الإعراض، تجد الإدبار، ليس هذا فحسب، بل ربما تجد من يتطاول عليك، على ذاتك، على عرضك، على نفسك، على مالك. لو ربما ليس فقط تطاول باللسان، بل ربما مد الأيدي، مد الأيدي عليك، لا لشيء إلا لأنك تبلغ دين الله، لا لشيء إلا لأنك يا عبد الله تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، هذا أمر يا عبد الله محتم. أن الله عز وجل كتب البلاء في حق كل من انتصب أن يكون داعي إلى الله، يا بني أقم الصلاة، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر، واصبر على ما أصابك، ستصاب ستصاب يا عبد الله بالبلاء. إما بالمقال، أو اللسان، أو بالفعال، إما بتكذيب، إما بتشريد، إما بتعذيب، إما بالسجن، إما بحبس، إما بطعن، إما بغمز، كل هذا يا عبد الله احتسب له، فإنه سيأتيك متى ما جددت، متى ما كنت على هذا الحال. ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾، هذا في حق الذي يقول آمنا فقط، يبتنى، فما ظنك بالذي يدعو الناس للإيمان؟ فأمره أشد، وأنكى، وأعظم، وأصعب. قالوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فماذا قالوا؟ قالوا: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾، قالوا: أي نحن أهل شؤم، لا أهل الصلاح، ما كانوا يوما قط أهل شؤم، ولا أحد يتشاءم بهم. بل أنتم بما كان من شرككم، وما كان من كفركم، هذا هو الذي أتى بكم بهذه الأحوال، ما جاء الجدب، ما جاء القحط، ما تغيرت الأحوال إلا بالمخالفات والمنكرات، من الكفريات والشركيات، هذا الذي أوداكم إلى تغير الأحوال. بل طائركم معكم، شؤمكم بما كان من كفركم، ومن شرككم