شرح السياسة الشرعية  4

شرح السياسة الشرعية 4

الدرس في شرح السياسة الشرعية 4، الدرس الرابع:من( فيجب على ولي الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده ... وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في تولية الأصلح

يتناول المقطع الأول شرح أهمية تولية الأصلح في مختلف الولايات والإمارة، مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يشدد على ضرورة اختيار الأصلح للمناصب المختلفة.

أدلة وجوب اختيار الأصلح

يجب على من ولي أمر المسلمين اختيار الأصلح لمناصب الولايات والإمارة، ولا ينبغي تقديم أحد لطلب الولاية أو قرابة أو مصالح دنيوية. الدليل على ذلك من الأحاديث النبوية والآيات القرآنية.

أداء الأمانة في الولاية وخطورة التفريط فيها

دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن الولاية أمانة يجب أداؤها، ومن لم يؤدها بحقها سيتعرض للخزي والندامة يوم القيامة. ينبغي على المسلم أن يحرص على أداء الأمانة في كل مسؤولية يتولاها.

  • 15 جمادى الأولى 1432هـ - 18/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. تتمة لما سبق، مر معنا ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في تولية الأصلح، فقال: «فيجب على ولي الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده لذلك العمل». ومر معنا قبل ذلك أنه ذكر توطئة وتمهيد وتأكيد لهذا الباب الآية في سورة النساء، وأنها أمرت بعموم أداء الأمانات. ومر معنا أنه جاء وروي في سبب نزولها ما يدل أنها في الولايات، وأن سبب النزول ضعيف، ولكن الولايات من الأمانات، فيدخل في عموم الآية. وذكر حديث تسليم مفاتيح الكعبة لبني شيبة، والمقصود منه كذلك تولية الأصلح، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم أن تسليم المفاتيح إلى بني شيبة هو الأصلح، خصوصًا وأنهم حافظوا على ذلك طوال سنين عديدة مديدة مضت، فكذلك أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم في الإسلام. وعلمنا أن الأحاديث التي رويت في هذا كثيرة، وكلها ضعيفة، أي التصريح بذكر القصة على التفصيل، ولكن معناها صحيح، يؤيده حديث ابن عمر في الصحيحين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ منه المفتاح أو المفاتيح، والأصل أنه ردها إليه، فقره على ذلك قصوصًا، وقد سماه ابن عمر بأنه كان من الحجبة. ثم ذكرها هنا فيما يجب على ولي الأمر أن يولي في كل عمل أو على كل عمل مسلمين الأصلح. ذكر حديثين أو حديث بروايتين، وقد جاء من حديث ابن عباس كما أشار في الأصل، وأشار المعلق إلى تخريجه، وهو ضعيف من جهة السند. وقد ضعفه العلامة الألباني في «الضعيفة» حديث أربعمائة وخمسة وأربعين. وقد علله العقيل بابن قيس، فهو متروك، وأشار العقيل إلى أنه يروى من كلام عمر، وهذا الذي قاله شيخ الإسلام. وروى بعضهم أنه من قول عمر لابن عمر، يعني ليس مرفوعًا، فهذا هو الأصح أنه من قول عمر كما ذكر العقيل رحمه الله تعالى. قال العقيل: «إنما يعرف من كلام عمر»، يعني لا يصح مرفوعًا. والشاهد منه هو بيان أن أداء الأمانات والولايات إلى غير أهلها يعد من الخيانة لله ورسوله والمؤمنين. أما كونه خيانة للمؤمنين فظاهر، لأنه سيظلمهم وسيقصر في حقهم. وأما كونه خيانة لله ورسوله فلما في ذلك منافاة لما أمر به من أداء الأمانة في الولاية، ولم يفعل ذلك، فخيانة الأمانة خيانة لله ورسوله، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «من ولي من أمر المسلمين شيئًا، فولى رجلًا لمودة أو قرابة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمسلمين». وهذا الأثر يدل عليه معنى كلام العقيل المتقدم، ففيه هذا المعنى. وقد أشار في التعليق إلى أنه لم يصح مرفوعًا، وكذلك موقوفًا لم يوجد له إسناد. وقد روي مرفوعًا من حديث ابن عباس وحديث أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، فحديث ابن عباس فيه حسين بن قيس وهو متروك الرحبي. وحديث أبي بكر فيه بكر، قال الدارقطني: «متروك الحديث»، بكر بن قيس. وهذا الأثر المقصود منه تأييد المعنى المتقدم، والعمومات تدل عليه، عمومات الأدلة من الكتاب والسنة تدل على هذا المعنى. قال رحمه الله: «وهذا واجب عليه، فيجب عليه البحث عن المستحقين للولايات من نوابه على الأمصار، من الأمراء الذين هم نواب السلطان والقضاء، ومن أمراء الأجناد ومقدمي العساكر الصغار والكبار». يعني بحسب مراتب العساكر، أمير كبير وأمير صغير، ومسؤولية كبيرة ومسؤولية صغيرة، مثل ما نقول اليوم بالرتب العسكرية بحسب مسؤولياتهم. قال: «وولاة الأموال من الوزراء والكتاب والشادين»، يعني جميع ما تحتاجه الدولة والإمارة الإسلامية من أرباب المسؤوليات والولايات. ف نوابه على الأمصار أمراء، الصغار الأمراء الصغار في البلدان، ومثل ما نقول اليوم كالمحافظ ومن دونه كذلك في النواحي كرئيس الدائرة أو المجلس المحلي ونحوه، فهم نواب السلطان والقضاء كذلك. وأمراء الأجناد يعني الجنود في الجهات وهكذا كذلك، ومقدمي العساكر الصغار والكبار، وولاة الأموال كذلك بيت المال العام أو الخاص بكل منطقة. من الوزراء والكتاب، والمراد بالكتاب أي الكتاب الخاصين بالإمارة الذين تتعلق بكتابتهم الولايات، مثل كاتب العدل مثلًا في القضاء، وكذلك كاتب الصرافة في خزينة المال، أي من يصرفون الأموال، وبكتابتهم تصرف. والشادين قال شيخنا في تعليقه: «وشرحه الجامع للشيء من علم وأدب ومال»، هكذا معناه بالجملة، لكن مقصوده هنا المتعلق بباب الإمارة خاصة. أي الذين يوكلون بالشد، أي الجمع، سواء جمع الأموال أو جمع الجنود أو جمع ما يتعلق بأمر الإمارة من أنواع الجمع الذي تتعلق به أمور الإمارة، والسعي على الخراج، أي الذين يرسلون لجمع الزكوات والصدقات وغيرها من الأموال العامة. وللخراج أحكام سيأتي إن شاء الله الإشارة إلى بعضها في ثنايا هذا الكتاب، وكذلك الصدقات. قال: «وغير ذلك من الأموال التي للمسلمين»، يعني الواجب تولية في مثل هذا المستحق الأصلح. وهذا الأصلح لا شك كلما كان أكمل الصفات فهو المطلوب، ولكن إذا لم تتوفر أو لم يتوفر ذاك الكمال، فبما يتيسر ولو كان الصلاح نسبي بالنسبة لغيره، كما سيأتي معنا إن شاء الله بيانه وتفصيله. قال: «وعلى كل واحد من هؤلاء أن يستنيب ويستعمل أصلح من يجده، وينتهي ذلك إلى إمامة الصلاة والمؤذنين والمقرئين والمعلمين، وأمراء الحاج والبرد والعيون الذين هم القصاد، وخزان الأموال وحراس الحصون والحدادين الذين هم البوابون على الحصون والمدائن، ونقباء العساكر الكبار والصغار، وعرفاء القبائل والأسواق، ورؤساء القرى الذين هم الدهاقين». انتقل الآن من من يعاملهم الأمير مباشرة، وهم من ذكر قبل، ثم من يعاملهم نواب الأمير الأول، وهم من ذكرها هنا. يعني يحرص على استعمال الأصلح والمستحق بمن توفرت فيه أكمل الصفات بحسب ما يتيسر وبحسب ما يناسب مهمته، كما سيأتي إن شاء الله. فالأصلح ينظر فيه إلى معاني واسعة، الكلام عليه إن شاء الله، وأن ذلك يتناول هذه التفاصيل، وكذلك غيرها، لأن المؤلف لم يستوعب، وإنما أراد أن يمثل. فقوله: «وينتهي ذلك إلى إمامة الصلاة والمؤذنين»، يعني ليكن في كل تفصيل، ومن ذلك، هذا المذكور حتى إمامة الصلاة، فالمسؤول عن ذلك يختار الأصلح، والمؤذنين يختار الأصلح، والمقرئين والمعلمين كل ذلك الأصلح. وأمراء الحاج كذلك وسماهم أمراء، قال الشيخ: «يعني باعتبار السنوات، وإلا فالأمير واحد». وهذا معنى، ومعنى آخر: «أنه باعتبار بلدانهم وأسفارهم، فهناك أمير يخرج بالحجاج مثلًا من جهة مصر، وآخر يخرج بهم من جهة اليمن، وآخر يخرج بهم من جهة العراق وهكذا، والجميع إذا وصلوا إلى الحج لهم أمير واحد هو أمير الحج، لكن لا شك سيكون هناك أمراء». فأمير الحج أمير الأمراء، فأولئك الأمراء يختار فيهم الأصلح حتى لا يظلم هؤلاء الحجاج، وحتى لا يحصل كذلك التقصير في أداء هذه الواجبات. ومثله اليوم كذلك يقال في حق المطوفين. وقوله: «والبرد والعيون»، البرد جمع بريد، ولكن المراد به ها هنا ما يتعلق بأمر الدولة خاصة. وكان من قديم هناك بريد خاص يستعمله الناس في أمورهم الطارئة والعاجلة، من ينقل لهم الرسائل والأشياء بسرعة، فيقطع هذا بالخيل مسافة أربع فراسخ تقريبًا، فيستلمها منه آخر ويقطع مثلها، ويستلمها منه ثالث فيقطع مثلها، فتصل الرسالة في أقرب وقت بتعاون هؤلاء البرد، تواصل بعضهم ببعض. ولما توسعت الدولة وإمارة المسلمين، صار للدولة بريد، ولا شك أن قيام مثل ذلك يحتاج إلى من يكون مسؤولًا عليهم ليتقن هذا الباب، ويؤدى على الوجه الأكمل، فهذا كذلك يولى فيه الأصلح. والعيون الذين هم القصاد، العيون يشمل عيون المغازي، ويشمل كذلك غير ذلك مما تقوم بهم مصالح الإمارة والبلاد. وخزان الأموال كذلك ظاهر، وحراس الحصون ظاهر، والحدادين بيّنه أنهم ليسوا الحدادين الذين يعملون في الحدادة، ولكن المختص عملهم بعمل الإمارة، قال: «هم البوابون على الحصون والمدائن، فيكون عندهم مهنة الحدادة، لكن هم مفرغون لأبواب الحصون والمدائن في تفقدها وإتقانها وغير ذلك». ونقباء العساكر الكبار والصغار، النقيب دون المقدم، فالمقدم رتبته أعلى، والنقيب رتبته أدنى. وعرفاء القبائل مثل اليوم شيخ القبيلة، والأسواق كذلك شيخ السوق، ويوجد هذا إلى زمن قريب عندنا شيخ العطارين، وشيخ الحدادين، وشيخ كذلك يعني كذا وكذا من أنواع المهن في السوق. والمراد بذلك إتقان هذا الباب، وأداء الولايات والحقوق على الوجه الذي يأمر به الشرع. ورؤساء القرى الذين هم الدهاقين، قال الشيخ: «جمعوا دهقان، والمقصود به مثل ما نقول رئيس المجلس المحلي أو نحوه، الذين يقومون بمسؤولية البلدة الصغيرة». قال رحمه الله: «فيجب على كل من ولي من ولي شيئًا من أمر المسلمين من هؤلاء وغيرهم أن يستعمل فيما تحت يده بكل موضع أصلح من يقدر عليه، ولا يقدم الرجل لكونه طلب الولاية أو سبق في الطلب، بل يكون ذلك سبب المنع». وذلك لأن الدليل دل عليه، والتعليل يقتضيه، فالغالب أنه لا يطلبها إلا وهو ليس أهلًا لها، فالذين هم أهل لا يغلب عليهم التشرف لمثل هذه المهن، فلذلك جاء الشرع بالنهي عن طلبها وعدم إعطائها من يطلبها. قال: «فإن في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قومًا دخلوا عليه فسألوه ولاية، فقال: «إنا لا نولي أمرنا هذا من طلبه». والحديث أصله في الصحيحين كما أشار رحمه الله وذكر عندكم المعلقون. وقال: «وقال لعبد الرحمن بن سمرة: «يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة، فإنك إن عطيتها من غير مسألة، وعنت عليها، وإن عطيتها عن مسألة، وكلت إليها». أخرجاه في الصحيحين، يعني عنه رضي الله عنه، ومعناه ظاهر في الدلالة على المقصود. قال: «وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من طلب القضاء واستعان عليه، وكل إليه، ومن لم يطلب القضاء ولم يستعن عليه، أنزل الله إليه ملكًا يسدده». ورواه أهل السنن، وهو حديث ضعيف كما أشار المعلق عندكم، وذكره العلامة الألباني في «الضعيفة»، وفي إسناده خيثم بن أبي خيثم، فيه ضعف، وله أسانيد أخرى كذلك لا تخل من مقال، ولكن معناه صحيح يدل عليه عمومات في هذا الباب. فالحديث الذي قبله يدل عليه، وهو عام في الإمارة الكبيرة والصغيرة، ومنه القضاء، فإن أعطيها من غير مسألة أعين عليها، وإن أعطيها عن مسألة وكل إليها، وعند ذلك لا يعان عليها. قال: «فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره لأجل قرابة بينهما أو ولاء عتاقة، أو صداقة». يعني من المصادقة «أو موافقة في بلد أو مذهب أو طريقة أو جنس كالعربية والفارسية والتركية والرومية»، يعني لكونه من جنسه، عربي مع عربي، فارسي مع فارسي إلى آخره «أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة أو غير ذلك من الأسباب، أو لضغن في قلبه على الأحق أو عداوة بينهما، والضغن هو الحقد، وما كان بمعناه مما يكون في الصدور ولا يظهر عند الناس». سببه قد يكون لحسد، وقد يكون لموقف، حتى المحسود أو المضغون عليه لا يدري به. والعداوة تظهر، والمعنى لا يعطى لدنيا، ولا يمنع لدنيا. قال: «فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، ودخل فيما نهي عنه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ثم قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾». والمقصود من هذا الإشارة إلى أنه يجب الحرص قدر المستطاع على الأصلح، ولو كان ذلك على حساب القريب أو كذلك غيره من المعاني الأخرى. كما ننتبه لقوله: «لا يعطى من طلبها، ولا من سبق إليها أو سبق في الطلب»، يعني حتى لو كان هناك سابق وهناك متأخر، إذا كان المتأخر أولى أعطي المتأخر، لأن العبرة في هذا الباب ليس التقدم والتأخر، ولكن العبرة الأصلح. بل حتى إذا كان كل المتقدمين ليس أهلًا، والأهل بعيد، أرسل إليه وطلب وعرض عليه، ويحاول معه حتى يرضى. قال: «فإن الرجل لحبه لولده أو لعتيقه قد يؤثره في بعض الولايات أو يعطيه ما لا يستحقه، فيكون قد خان أمانته، كذلك قد يؤثر زيادة في ماله أو حفظه بأخذ ما لا يستحقه أو محابات من يداهن في بعض الولايات، فيكون قد خان الله ورسوله وخان أمانته». وهذا باب خفي دقيق، قل أن يسلم منه أحد، خصوصًا إذا تولى شيء من الولايات، فإذا تولى الإنسان شيء من الولايات، يبتل بهذا الباب، يعني طلب بعض الأقارب التوظيف، ولعان على ذلك، وربما وجد من هو أولى من ذاك القريب، فهذا امتحان. فإنك إن أعنته ومكنته، كنت خائنا للأمانة، لأنه وجد من هو أولى منه، وأنت منعك الحياء، وكذلك غير ذلك من رد أمثال هؤلاء، أو كذلك حتى الحاجة، قد الحاجة تدفعك لإعانة لإعانة بعض الناس من أقربائك أو ممن لهم نعمة ويد عليك، وكل هذا ينبغي أن يحذر منه. ويعلم المسلم أن من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه. وفي مقابل هذا كذلك قد يحصل الابتلاء بشدة الحرص إلى حد حرمان المستحق، وهذا خطأ آخر، ولكن هذا قليل ونادر، وهو قد يقع إن وقع عند بعض من يبالغ في الورع، عند بعض من يبالغ في الورع، فقد يحرم بعض يعني أقاربه وأهله لكونهم من قرابته، خشية أنهم لا يستحقون، وهذا كذلك ينبغي أن يجتنب. فإن قال قائل: «هناك ما قد يشكل على الإنسان، وهو من جهة التهمة، فإنه قد يتهم ولو كان هذا القريب مستحق، قد يتهم بأنه قرب القريب». فالجواب: «إن كان هناك ما يدفع هذه التهمة بظهور هذا الاستحقاق أو كذلك أي معنى آخر يمكن به إظهار ودفع هذه التهمة، فلا يبالي مع ذلك». وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها صفية»، «فليكن عنده قول أو فعل بمثابة ومعنى إنها صفية». فإن لم يكن، فالأحوط تركه ولو كان هو الأصلح، لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح. قال رحمه الله: «ثم إن المؤدي للأمانة مع مخالفة هواه يثبته الله فيحفظه في أهله وماله بعده، والمطيع لهواه يعاقبه الله بنقيض قصده، فيذل أهله ويذهب ماله، وهذا كثير كثير كثير». قالوا في ذلك الحكاية المشهورة: «أن بعض خلفاء بن العباس سأل بعض العلماء أن يحدثه عما أدرك، فقال: «أدركت عمر بن عبد العزيز»، فقيل له: «يا أمير المؤمنين، أفغرت أهواك بنيك من هذا المال وتركتهم فقراء»، ومعنى أفغرت: «بالغت في التورع وحرمانهم». قال: «وتركتهم فقراء لا شيء لهم»، وكان في مرض موته، فقال: «أدخلوهم علي»، قال: «فأدخلوهم وهم بضعة عشر ذكرًا، ليس فيهم بالغ كلهم صغار، وكونهم ليس فيهم بالغ يعني ضعفة كلهم ضعيف». قال: «فلما رآهم درفت عيناه»، يعني دمعت عيناه حزنًا عليهم، وكونه تركهم فقراء وهو أمير المؤمنين رحمه الله تعالى، فإن لله وإن إليه راجعون. وماذا عسى أن يقول من تولى إمارة ومسؤولية بعده، وقد ترك ما يسأل عنه يوم القيامة؟ وهذا أمير المؤمنين، ودولته تبلغ دولنا اليوم من اليمن جنوبًا إلى العراق شمالًا، إلى بلاد الفرس شرقًا، وإلى بلاد الروم غربًا، كل هذا تحت ملكه، ومع ذلك ترك بضعة عشر ذكرًا فقراء ليس لهم شيء. قال: «فلما رآهم درفت عيناه، ثم قال: «يا بني، والله ما منعتكم حقًا هو لكم، ولم أكن بالذي أخذ أموال الناس فأدفعها إليكم، وإنما أنتم أحد رجلين: إما صالح فالله يتولى الصالحين، وإما غير صالح فلا أخلف له ما يستعين به على معصية الله»، قوموا عني». قال: «فلقد رأيت بعض ولده حمل على مئة فرس في سبيل الله»، يعني أعطاها لمن يغزو عليها، «فما ضيعهم الله، فما ضيعهم الله سبحانه وتعالى، بل أغناهم الله جل وعلا بعد الفقر، وأعانهم سبحانه وتعالى بعد الضعف». وقد قال جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. والله عز وجل أخبرنا في مواضع كثيرة ما يطمئن قلوب المؤمنين المتقين ألا يخافوا على أبنائهم من بعدهم، حتى لا يذهب أحد فيسلك مسلك الحرام طمعًا في الحفاظ على أبنائهم من بعده، كما قال جل وعلا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. وفي قصة موسى مع الخضر عليهم الصلاة والسلام، في قصة الجدار وبنائه بين الخضر لموسى عليه الصلاة والسلام: «أنه كان لغلامين يتيمين، وكان أبوهما صالحًا، فحفظ الله أبناء الأبوين الصالحين بصلاح الأبوين، حفظ مال هذين اليتيمين الضعيفين». والقصة كما ذكر أشار إليها أهل التاريخ والسير، فذكرها ابن كثير في «البداية والنهاية»، والذهبي في «سير أعلام النبلاء»، وهكذا ذكرها صاحب «الحلية»، وغير واحد. قال قلت: «هذا وقد كان خليفة المسلمين من أقصى المشرق بلاد الترك إلى أقصى المغرب بلاد الأندلس، وغيرها من جزائر قبرص وثغور الشام والعواصم كطرسوس ونحوها، إلى أقصى اليمن، فرحمه الله رحمة واسعة، ومع ذلك ترك أبناؤه فقراء ليس عندهم شيء». وهذا محنة لكل من تولى إمارة ومسؤولية، ماذا عساه من يقول؟ واليوم عند بعضهم أضعاف ما يملكه ملوك الكفار، ومسؤولياتهم دون ذلك بكثير، فإن لله وإن إليه راجعون. قال: «وإنما أخذ كل واحد من أولاده من تركته شيئًا يسيرًا، يقال أقل من عشرين درهمًا». والعشرين درهم هو النصاب ما يعادل خمسة وثمانين جرام من الذهب، ما يعادل خمسة وعشرين جرام، عشرين درهم ليس دينار، يعني لا شيء. فمئتي درهم النصاب، فعشرين درهم عشر النصاب، عشر النصاب. المئتي درهم يساوي اليوم تقريبًا بخمسين ألف، عشره كم؟ خمسة آلاف، يعني ترك لكل واحد خمسة آلاف، قرابة خمسة آلاف ريال يمني، هؤلاء أبناء أمير المؤمنين. قال: «وحضرت بعض الخلفاء وقد اقتسم تركته بنوه، فأخذ كل واحد منهم ستمائة ألف دينار». ولقد رأيت بعضهم يتكفف الناس أن يسألهم بكفه، هذه الدنيا. هؤلاء تركوا لأبنائهم الواحد ستمائة ألف دينار. ستمائة ألف دينار، عشرين دينار يساوي خمسة وثمانين جرام من الذهب، ستمائة قسمة عشرين بكم؟ الصفر مع الصفر، ستين قسمة اثنين ثلاثين، ثلاثين وهنا ستمائة ألف ليست ستمائة فقط. يعني ثلاثين ألف، ثلاثين ألف، ثلاثين ألف دينار قسمة عشرين، قسمناها، يعني ثلاثين ألف في خمسة وثمانين جرام بكم؟ ثلاثة في ثمانين أربع وعشرين مائتين وأربعين ألف تقريبًا، مائتين وأربعين ألف جرام، مليونين وأربعمائة، خمسة وثمانين تقريبًا اثنين مليون وأربعمائة جرام، احسبوها سواء تقريبًا، يعني اثنين مليون وأربعمائة جرام من الذهب، شيء عظيم. لو قسمناه قسمة ألف بالكيلو يصير تقريبًا مائتين وأربعين ألف كيلو من الذهب، الواحد مائتين وأربعين ألف كيلو من الذهب، هذه خزان الدولة للفرد الواحد. ومع ذلك كما ذكر رحمه الله صاروا يتكففون الناس ويسألون الناس، وهذا حال الدنيا، من ترك شيئًا لله عوضه الله، وأخلفه خيرًا منه، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب. والمقصود من هذه القصص هو إدخال القناعة في قلوب الرعاة والمرعيين، اجتناب الحرص على الدنيا، وكذلك في هذا الموضوع خاصة الحرص على تولية الأصلح. قال: «وفي هذا الباب من الحكايات والوقائع المشاهدة في الزمان والمسموعة عما قبله ما فيه عبر لكل ذي لب». وصدق رحمه الله، وقائع مشاهدة في أعصار الناس، كل أناس شاهدون، وقائع بعينهم، فكم من غني افتقر، وكم من فقير أغناه الله، فإذا كان كذلك، فلا يكن مثل هذا الغرض سبب في محابات قريب أو تولية من لا يستحق، لأنها أمانة، ويوم القيامة حسرة وندامة. قال: «وقد دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن الولاية أمانة يجب أداؤها في مواضع، مثل ما تقدم، ومثل قوله لأبي ذر رضي الله عنه في الإمارة: «إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها». والحديث كما ذكر المعلق أصله في صحيح مسلم. والشاهد منه هو ما سمعنا، فالمسلم ينبغي عليه أن يحرص على أداء الأمانة في كل ولاية ومسؤولية تولاها أو يريد أن يولي من تحته فيها، لأنها أمانة، ويوم القيامة خزي وندامة، يعني إذا لم يؤدها على الوجه الذي أمر بها شرعًا. نقف إن شاء الله إلى هنا، ونترك الباقي إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.