الدرس في كتاب الصلاة 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اختلف العلماء في حكم تارك الصلاة كسلا وتهاونا، حيث تباينت آراؤهم بين القتل حدا أو تأخيره حتى يصلي أو تكفيره. اتفقوا على أن جاحدها كافر يقتل كفرا.
النصوص الشرعية تدل على كفر تارك الصلاة، واختلف العلماء في تفسير هذا الحكم بين الكفر الأكبر والأصغر. بعضهم يرى كفر تارك الصلاة كليا بينما يرى آخرون أنه كفر العمل.
المسألة يناقش فيها خلاف الأئمة حول تكفير تارك الصلاة، حيث استندوا إلى أحاديث نبوية وآيات قرآنية. بعضهم يرى تكفيره بينما يرى آخرون قتله حدا.
يرى الشيخ العثيمين رحمه الله أن تارك الصلاة كليا يكفر كفرا يخرج من الملة، مستندا إلى تفسيره للحديث النبوي. هذا الرأي يستند إلى فهم معين للنصوص الشرعية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد؛ قال المؤلف رحمه الله: أجمعوا على أن جاحدها من المكلفين يقتل كفرا، واختلفوا فيمن تركها كسلا وتهاونا. فقال مالك والشافعي: يقتل حدا بالسيف، وتجري عليه أحكام الإسلام من الغسل والتكفين والصلاة عليه والدفن في مقابر المسلمين والإرث. وقال أبو حنيفة: حيث أبدى عذرا أخر حتى يصلي. وقال أحمد: يقتل كفرا. هذه المسألة مسألة تارك الصلاة، فإن كان تركه جحدا وإنكارا، فهذا لا خلاف فيه أنه كافر، وكذلك يقتل كفرا، إما لأنه مرتد، فإن كان مسلما فهو مرتد، فيقتل كفرا. ولا خلاف فيه، لكن اختلفوا فيمن تركها تكاسلا وتهاونا. فإن كان تركه لهذه الصلاة تكاسلا وتهاونا، فقال مالك والشافعي: يقتل حدا بالسيف. ومعنى يقتل حدا: أي أنه ليس بكافر، ليس كافرا، وإنما هو مسلم، لكن يحد بالقتل لأنه ترك الصلاة، فهو يقتل؛ العهد الذي بيننا وبينه الصلاة، فمن تركها فقد كفر. فجعلوا حدا أنه يقتل حدا بالسيف، وتجري عليه أحكام الإسلام من الغسل والتكفين والصلاة عليه والدفن في مقابر المسلمين والإرث. واستدل الإمام الشافعي رحمه الله على مذهبه بأنه لم يعلم في زمن من الأزمان منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم أن الصلاة على الجنائز تركت على رجل تارك الصلاة؛ أي يقول: إن الناس لا زالوا يصلون على تارك الصلاة. واستدلوا أيضا بأحاديث الشفاعة وإخراج الناس أو كثير من الناس ممن عنده إيمان من النار -أهل التوحيد- إخراج أهل التوحيد. وأيضا في قوله في حديث أنس وبسعيد وأبي هريرة: «فيقبض الله عز وجل قبضة من النار، فيخرج أناسا لم يعملوا خيرا قط»، لم يعملوا خيرا قط؛ لكن كما قلنا: الصحيح أن هذه الكلمة تقولها العرب، ليس المراد أنه لم يعمل خيرا أبدا، فهذا غير ممكن، وإنما يريدون بها أنه لم يعرف عنه الخير، لم يعرف عنه الخير، بل عرف عنه الشر، لم يعرفه الناس إلا بالشر والأعمال الشريرة. وكما ذكرنا قبل حديث أبي هريرة في ذلك الرجل الذي لما احتضر جمع أولاده وقال لهم: أي أب لكم كنت؟ قالوا: كنت خير أب. أنا هذا عمل أنه خير أب لرب أولاده على فضيلة على كذا، فهذا يدل على أنه عمل عمل، لكن أعماله التي عند الناس يعرف بالشر، فعن أكثر أعماله أعمال شر وفساد، مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم في تلك المرأة التي سئل عنها أنها تصلي الليل لكنها تؤذي جيرانها، فقال: «لا خير فيها»، قال: «لا خير فيها، هي في النار». فهنا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا خير فيها» مع أنها تصلي الليل؛ لماذا؟ لأنها تؤذي جيرانها، فعرف عنها شر، فعرف عنها شر. فلهذا فأكثر النصوص التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها تكفير تارك الصلاة، تكفير تارك الصلاة، وإن كان بعض العلماء يقول: إن الكفر هو عمل، لكن نقول: إنه كفرا. وكذلك أيضا في الآيات، قطع الله عز وجل العلاقة بين الذي لا يصلي وبين الذي يصلي، فقال الله عز وجل: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، وقال في الآية الأخرى: ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُ﴾. أي أنهم إذا لم يصلوا، إذا لم يتوبوا ويصلوا ويؤتوا الزكاة، فإنهم ليسوا بإخواننا في الدين. وكذلك أيضا هذا الحديث الذي قد ذكرت، حديث جابر، كذلك في مسلم: «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة». وهناك قول ذكره الشيخ العثيمين رحمه الله يقول: إن النصوص التي جاءت في هذا: «فمن تركها فقد كفر»؛ تدل على الترك الكلي، أنه يترك الصلاة كليا لا يصلي، فهذا يعتبر كافر. وأما الذي يصلي ويترك، فلا يعتبر كافرا. وإن قلنا بكفره فهو كفر عمل؛ لأن بعض السلف كما جاء عن إسحاق بن إبراهيم، وقبل ذلك أيضا ما جاء عن عبد الله بن شقيق أنه قال: «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة». وقال إسحاق بن إبراهيم، وهو عالم كبير من أهل السنة، قال رحمه الله: «أجمع المسلمون على أن من ترك صلاة واحدة حتى يخرج وقتها فقد كفر». وإجماع المسلمين هنا حمله بعضهم على الكفر العمل؛ لأن بعض العلماء يقول: إن السلف ما كانوا يعرفون إلا أن من ترك الصلاة يكفر. حتى قال بعضهم، وهو الإمام ابن جريج، أنه قال: «لا يعرف هذا القول بعدم تكفير تارك الصلاة إلا لما جاء الشافعي رحمه الله». لكن لا، هذا ليس صحيحا، بل هناك أيضا مالكا يقول بهذا، وهو قبل الشافعي. فالمسألة فيها الخلاف القديم، لكن ظاهر النصوص يدل على كفره، ظاهر النصوص يدل على كفره. فإذا قلنا بكفره فإنه يقتل كفرا، يقتل كفرا. وإذا لم نقل بكفره فيقتل حدا. أجد دليل على أنه يقتل حدا حديث عبد الله بن عمر، بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة». وقالوا: هذا دليل على أنه يقتل حدا لا كفرا. وقال أبو حنيفة: حيث أبدى عذرا أخر حتى يصلي. مع أن هؤلاء الشافعي أيضا يقول بالاستتابة، يقول بالاستتابة. والقول بالاستتابة هذا يدل أيضا على أن الرجل ليس في قلبه هذه الصلاة؛ يعني الآن مثلا يقال له: صل وإلا قتلناك، يقول: صل، يقولون له: صل وإلا قتلناك، يختار القتل على الصلاة. وذكر الحميدي رحمه الله في رسالته قال: فإذا كان مثل هذا الرجل، معنى كلامه أنه يقال له: صل وإلا قتلناك، فأي إيمان في قلبه؟ فأي إيمان في قلبه يخير بين القتل والصلاة فيختار القتل على الصلاة؟ وأما أحمد فلا يرى أنه يستتاب، وإن كان خلاف مذهبه، بعضهم يقول: إنه يستتاب، بل إنه ذكرت عنه رواية أنه يقول: إنه يقتل حدا بالسيف. لكن بعض العلماء كالإمام ابن القيم وغيره ينفي ثبوتها عن الإمام أحمد، وإنما أخطأ لعله بعضهم أن الإمام أحمد يقول: إنه إذا استتاب أنه استتاب، فظن بعضهم أنه أراد أنه استتاب أي أنه ليس بكافر، فحكى عن الإمام أحمد أنه يقول مثل قول مالك والشافعي، وليس بصحيح. فالإمام أحمد يرى كفر تارك الصلاة، بل إنه جاءت رواية عنه يرى كفر كل من ترك ركنا من أركان الإسلام، سواء كانت الصلاة أو الزكاة أو الحج أو الصيام. فهذه أيضا رواية عنه، وفي رواية عنه جاءت: إنه يرى كفر من ترك الصلاة والزكاة؛ أن من ترك الصلاة والزكاة يكفر. فهذه النصوص عن الأئمة، والأحاديث في كفر تارك الصلاة كثيرة، وكذلك الآيات تدل عليه. فالظاهر كما قلنا: أنه يكفر كفرا يخرج من الملة. لكن هل هذا على من يصلي ويترك؟ فكما قلنا: إن الشيخ العثيمين رحمه الله ذكر أن الحديث فيها الترك الكلي، الترك الكلي، وهذا ممكن يوجه لحديث إلى هذا. الحمد لله رب العالمين.