الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 274، ألقاها
يشرح شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله حديث جندب بن عبد الله البجلي الذي يرويه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تعلم الإيمان والقرآن. الحديث يبين أن الصحابة تعلموا الإيمان قبل القرآن.
كان السلف يتعلمون الإيمان قبل القرآن، بينما في الوقت الحالي يتعلم الناس القرآن قبل الإيمان، مما قد يؤدي إلى عدم الانتفاع بالقرآن. السلف كانوا يعلمون أبناءهم آداب الإسلام قبل تعليمهم القرآن.
تعلم القرآن يزيد الإيمان ويؤكد أهميته في حياة المسلمين. هذا ما يستفاد من شرح الحديث النبوي الشريف، حيث يبين أن الصحابة ازداد إيمانهم بتعلم القرآن والعمل به.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: جندب بن عبد الله البجلي، جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي، أبو عبد الله البصري، سكن البصرة، ويعتبر في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صغيرا، كان في بداية شبابه. قال الإمام أبو عبد الله ابن ماجه رحمه الله: حدثنا علي بن محمد، وهو التنافس. علي بن محمد التنافس، وبيت التنافس بيت من بيوت أهل الكوفة، والذين فيهم العلم، فمحمد له أخوين: يعلى، وكذلك أيضا عمر، وكلهم أبناء عبيد التنافس: يعلى، محمد، وعمر، وهم أعمام علي بن محمد التنافس. قال: حدثنا وكيع، وهو ابن الجراح الرؤاسي الحافظ الكبير. قال: حدثنا حماد بن نجيح، وهو الإسكاف السدوسي البصري. وتفرد بهذا الحديث حماد بن نجيح. وقد روى هذا الحديث عن وكيع جماعة، ورواه كذلك عن حماد بن نجيح غير وكيع: أبو عامر العقدي، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وجماعة من أهل البصرة رووا عن حماد بن نجيح. قال وكيع: وكان ثقة، والظاهر أن هذا كلام وكيع، وقد وثقه غير واحد من أهل العلم. قال: عن أبي عمران الجوني، وهو عبد الملك بن حبيب الأزدي. قال: عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا به إيمانا. قال شيخنا: هذا حديث صحيح، وقد تفرد به حماد بن نجيح، لكن هذا المعنى الذي ذكره جندب قد جاء عن جمع من الصحابة. جاء الحديث من طريق اليمان أنه قال نحو هذا الكلام، وهو أنهم تعلموا الإيمان قبل القرآن. وكذلك أيضا جاء عن عبد الله بن عمر، أخرجه الإمام البيهقي، وكذلك أخرجه النسائي في الإيمان. جاء عن ابن عمر أيضا أنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نتعلم الإيمان، ثم نتعلم القرآن، فنتعلم فيه الحلال والحرام. وأنتم تتعلمون القرآن قبل الإيمان. وأيضا جاء في رواية في هذا الحديث أن جندبا قال: وأنتم تتعلمون القرآن قبل الإيمان. والمراد أن الصحابة رضي الله عنهم أولا تربوا على الإيمان، فلما نزلت السور، نزل القرآن، ازدادوا إيمانا، كما قال جندب: فازددنا به إيمانا. وقوله: ونحن فتيان حزاورة، معناه أننا لازلنا صغارا، شباب لا نشاط وهمة. فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن. المراد بالإيمان هو التربية العظيمة، التربية على الإسلام وعلى مبادئه. ولهذا كان السلف يعلمون أبناءهم آداب الإسلام قبل تعليمهم القرآن والسنة. فلما جاءهم القرآن عظموه، وكذلك أيضا عملوا به. لكن كما ذكر عبد الله بن عمر: أنتم تقرأون القرآن قبل أن تؤمنوا. قل: علّه أراد الإيمان، أي قبل أن يهذب نفسه، فيقرأ القرآن فما ينتفع به. يريد أن يتوب ويرجع إلى الله، أيضا تجد أنه يتكاسل عن هذا الرجوع والتوبة، ولعله أيضا أنه لم يعمل بالكتاب، لم يعمل بالقرآن. لكن إذا كان الرجل عنده إيمان واستقامة، عظم هذا الكتاب، عظم ما جاء به من عند الله عز وجل، فعمل به. يريد من هذا تعلمنا الإيمان، أي الوازع الذي يكون فيه الشخص يجعله ينتفر لأمر الله ويجتنب نهيه. قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن. وجاء بحديث آخر في الصحيحين أنه قال: سمعت حديثة رضي الله عنه حديثين: حديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحديث عنه. ومن ذلك الحديث الذي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ﴿إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال﴾، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة. نزلت أولا الأمانة في قلوبهم: الإيمان، والأخلاق الفاضلة العظيمة، وتحمل شرائع الإسلام وآدابه، أن يعكسها على الواقع. فلما نزلت السور والآيات زادتهم إيمانا. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادت هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون﴾. فهذه الآية، وكذلك هذا الحديث، وغيرهما من الأحاديث أيضا تدل على مذهب أهل السنة أن الإيمان يزيد وينقص. فقال هنا: ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانا. والصحابة رضي الله عنهم كانوا لإيمانهم ولتربيتهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تقبلوا القرآن بحفظه والعمل به. ولهذا ما يحفظون عشر آيات إلا ويعملوا بها، كما قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه. وكانوا أهل إيمان وأهل قرآن وعمل وتطبيق، وأهل نشاط لا أهل كسل. وكما قال الإمام أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري، قال: جمع السلف -وهو من السلف رحمه الله- قال: جمع السلف بين الخوف والعمل، ونحن جمعنا بين الرجاء واليأس وعدم العمل. أننا نعمل أو العمل قليل، والرجاء كثير، يتمنون على الله الأمان. وأما السلف رحمه الله فيعملون ويخافون أن لا يتقبل منهم العمل مع خوف. قال: ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانا. فهذا ما يذكر في شرح هذا الحديث. والله تعالى أعلم.