التعليق على كتاب القواعد المثلى 14

الدرس في التعليق على كتاب القواعد المثلى 14، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

التخلي عن التمثيل والتكييف في إثبات صفات الله

يلزم التخلي عن التمثيل والتكييف في إثبات صفات الله، حيث إن التمثيل يعني اعتقاد تشابه صفات الله مع المخلوقين والتكييف يعني إثبات كيفية معينة لصفات الله. كلا الأمرين باطل بدليل القرآن والسنة.

تحريم التمثيل والتكييف ومسألة رؤية الله

يناقش تحريم التمثيل والتكييف لله تعالى، ويحذر من وصف كيفية لصفات الله، مستشهدا بآيات قرآنية وأقوال العلماء. كما يبين أن الله لا يشبه المخلوقات ولا يمكن وصف كيفية صفاته.

نفي التشبيه والتمثيل عن الله وتوضيح الفروق

يناقش نفي التشبيه والتمثيل عن الله، ويوضح أن صفات الخالق تختلف عن صفات المخلوق. يقدم ثلاثة وجوه لتوضيح ذلك، ويفرق بين التمثيل والتشبيه، ويبين أن التعبير بنفي التمثيل أولى لموافقة القرآن.

حدود إدراك الإنسان لله تعالى

يشير إلى عجز الإنسان عن إدراك حقيقة الله سواء كان يحيط به علماً أو لا، ويعبر عن حدود قدرة الإنسان على فهم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: القاعدة السادسة، قال: يلزم في إثبات الصفات التخلي عن محذورين عظيمين، أحدهما التمثيل والثاني التكييف. فأما التمثيل، فهو اعتقاد مُثبت أن ما أثبته من صفات الله مماثل لصفات المخلوقين، فهذا اعتقاد باطل، بدليل السمع والعقل. أما السمع، فمنه قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقوله: ﴿فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، أي: مشابها. وكفى بهذا. وقوله: ﴿لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. قال الشيخ رحمه الله: في هذه القاعدة، وهي القاعدة السادسة في الصفات، أنه يلزم في إثبات الصفات التخلي عن محذورين عظيمين: التمثيل والتكييف. فالتمثيل أن يُمثل الخالق بالمخلوق، أي: اعتقاد أن هناك مثيلا لله؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وهو السميع البصير. فالخالق ليس كالمخلوق، ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. فلهذا، صفات الله عز وجل ليست كصفات المخلوقين. فإذا أثبت الصفة لله عز وجل، تقول: صفة تليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى، لا تماثل صفات المخلوقين، بل لا يماثله شيء أبدا سبحانه وتعالى. وأما التكييف، فالمراد به إثبات كيفية معينة. وقد قال الله عز وجل: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾. لا تدركه الأبصار، أي: لا تحيط به، بل هو أعظم من ذلك سبحانه وتعالى. فلهذا، كما قال الإمام الطحاوي: مهما تخيلت في ذهنك كيفية لله عز وجل، فالله أعظم من ذلك. فلهذا، لا يجوز للشخص أن يكيف الله عز وجل بكيفية معينة. لكن، هل لله عز وجل كيفية؟ نعم، لله كيفية، ولصفاته كيفية، لكن لا نعلمها؛ لم يخبرنا الله عز وجل عن كيفية صفاته. فلو قال قائل: كيف تثبتون شيئا ولا تعرفون حقيقته ولا تعرفون كيفيته؟ مثل ما قال ذلك الرجل المبتدع لإسحاق بن إبراهيم عند عبد الله بن طاهر، وكان أمير خراسان يسمى بعبد الله بن طاهر، فقال الرجل لإسحاق بن إبراهيم: كيف تثبتون النزول؟ فكيف هو النزول؟ أنا كيف ينزل؟ كيف تقولون أن الله ينزل؟ كيف ينزل؟ قال: أثبته كما أثبت لك، حتى أثبت لك كيف النزول. وأيضا، جاء في بعض الآثار أنه حصلت مناظرة هكذا، فقال: صف ذاته أصف لك صفاته. أنت الآن ما تعرف ذاته، ولا أحد يعرف ذاته، فكيف ستصف صفاته؟ فلهذا، هذا الباب باب خطير، فلا يجوز أن يمثل الله عز وجل بخلقه، ولا أن يجعل له كيفية معينة، بل يقال: أن له ذاتا وصفاتا تليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى. كما ذكر العلماء أنه إذا أردت أن تعرف كيفية الشيء، لابد أن تسلك ثلاثة سبل: إما أن يخبرك صادق بكيفية هذا الشيء وصفته، وإما أن تراه أمامك، وإما أن ترى نظيره فتقيس عليه. وهذه كلها الثلاثة الأمور ممتنعة عن الله عز وجل؛ لأننا لا نرى الله، والله عز وجل يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾. فكيف سيستطيع أحد أن يصف الله؟ ونبينا عليه الصلاة والسلام لما قال له أبو ذر: أرأيت ربك يا رسول الله؟ قال: «رأيت نورا». وفي رواية: «نورا أنى النار». ولهذا، مذهب أهل السنة أن النبي عليه الصلاة والسلام لم ير ربه بعيني رأسه. ولهذا، كانت عائشة رضي الله عنها تقول: من أخبركم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه، فقد أعظم الفرية. وأما قول ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه، يريد به: أي بفؤاد وقلب، لا رؤية بصرية. وأما الآية التي في سورة النجم، فالمراد به: رأى جبريل عليه الصلاة والسلام، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾، رأى من رأى جبريل. فلهذا، الله عز وجل لم يره أحد. ولما قال قوم موسى: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾، فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون. وقال موسى لربه: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾. فجعل نظره إلى شيء ممكن، فقال: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾، فإن استقر مكانه فسوف تراني. فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا. وهذا كله لدلة على أن الإنسان بصفته هذه لا يستطيع أن يرى الله. لكن، لما في يوم القيامة يجعل الله عز وجل صفة غير صفته في الدنيا، فيستطيع أن يرى الله جل وعلا. فلهذا، الإنسان كيف سيصف الله أنه كذا وكذا، وهو لم يره، ولم يره أحد حتى يخبره عن ذلك، ولم يخبرنا الله عز وجل عن كيفية الصفة، وإنما أخبرنا عن الصفة. فكل هذه الأمور تدل على أن الإنسان لا يستطيع أن يذكر كيفية معينة لله. وأما الممثلة، أصحاب هشام بن عبد الملك، وأيضا سليمان -ليس سليمان بن حيان، إنما سليمان بعض المفسرين- يذكرونه في التفسير، وهو ممثل. يعني: أولا أصحاب هشام بن عبد الملك، وهذا سليمان وغيرهم، يقولون: أن الله مثل المخلوق. فتجروا حتى قالوا: أن الله مثل المخلوق في كل صفة. وهذا كلام باطل. ولهذا، الممثلة شبهوا الله عز وجل بالمخلوق، والمعطلة شبهوا الخالق بالمخلوق؛ لأن المعطلة ما عطلوا إلا لأنهم مثلوا. فلهذا، فإن التمثيل والتكييف مما لا ينبغي للمسلم أن يحوم حولها. ثم ذكر أن التمثيل لا يجوز، وذكر قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. وهذه الآية، ليس كمثله شيء، أي: الكاف هنا اختلف فيها إلى عدة معاني. فمن العلماء من قال: أن الكاف هنا بمعنى مثل، ومعنى الكلام: ليس مثل مثله شيء. وهذا المعنى الظاهر أنه ليس بصحيح؛ لأنه مثل مثله، هل هناك له مثل حتى يقال: مثل مثله؟ فليس بصحيح. والمعنى الثاني: أن قوله: ليس كمثله شيء، أي: ليس كصفته شيء. المثل هنا بمعنى الصفة، مثل قول الله عز وجل: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾، أي: صفة الجنة التي وعد المتقون. وهذا معنى لا بأس به. ومنهم من قال: أن الكاف حرف جر زائد يفيد التوكيد، يعني يفيد التوكيد. والمعنى: ليس مثله شيء. ويسمى في القرآن حرف صلة؛ لأن القرآن ليس فيه حروف زائدة، يسمى حرف صلة. لكن إذا قيل أنه زائد من باب الإعراب، فلا بأس. لكن الأصل أنه ليس هناك حرف زائد في القرآن، وإنما إما أن يكون صلة أو توكيد أو صلة وتوكيد. وهذا الذي عليه أكثر العلماء: أنه صلة وتوكيد، مثل قول الله عز وجل: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾. الباء هنا في الإعراب زائدة، لكن في القرآن هنا الباء صلة وتوكيد. لو قال مثلا: أليس الله كاف عبده، كن صحيحا. لكن زاد الباء هنا استعانة بالله جل وعلا وتوكلا عليه سبحانه وتعالى، وأنه يكفي عبده. فقال: وأما العقل، فمن وجوه. وأما قوله هنا: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، هذا استفهام بمعنى النفي، متضمن معنى التحدي. يعني: هل تعلم له سمية؟ أي: لا سمية له. مثل ما يقول الشخص: هل يكون أحد مثل هذا؟ فالله عز وجل كأنه يتحدى: هل تعلم له سمية؟ هل هناك سمية لله عز وجل مساو لله؟ لا أحد. قال: وأما العقل، فمن وجوه. الأول: أنه قد علم بالضرورة أن بين الخالق والمخلوق تباينا في الذات، وهذا يستلزم أن يكون بينهما تباين في الصفات؛ لأن صفة كل موصوف تليق به، كما هو ظاهر في صفات المخلوقات المتباينة في الذوات. فقوة البعير مثلا غير قوة الذرة. فإذا ظهر التباين بين المخلوقات مع اشتراكها في الإمكان والحدود، فظهور التباين بينها وبين الخالق أجل وأقوى. فهنا يقول: الأول أنه بالمعقول، أنه قد علم بالضرورة -والمعلوم بالضرورة هو الذي تضطر إلى أن تعلم، أو يقال: الذي لا يستطاع دفعه- أنه ما من ذاتين متباينتين إلا ولكل ذات صفات تليق بها متباينة. فما تكون ذوات صفات متباينة إلا وهي مختلفة في الصفات. ولهذا، فكل الناس يعلم أن ذات الله جل وعلا ليست كذات المخلوق. فما دام أن ذوات المخلوقات تختلف، فمن باب أولى ذات الخالق تختلف عن ذات المخلوق. الثاني: أن يقال: كيف يكون الرب الخالق الكامل من جميع الوجوه مشابها في صفاته للمخلوق المربوب الناقص المفتقر إلى من يكمله؟ وهل اعتقاد ذلك إلا تنقص لحق الخالق؟ فإن تشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصا. يعني: يقول الآن الشيخ: كيف يكون الرب الخالق الكامل من جميع الوجوه مشابها في صفاته للمخلوق الذي هو ناقص من كل وجه؟ فحياة الله عز وجل غير منتهية بموت، وغير مسبوقة بعدم، بخلاف حياة المخلوق. هذه حياة وهذه حياة، لكن حياة المخلوق مسبوقة أولا بعدم، ومنتهية بموت. فلهذا، فهي تختلف تمام الاختلاف عن صفة الله جل وعلا. الثالث: أننا نشاهد في المخلوقات ما يتفق في الأسماء ويختلف في الحقيقة والكيفية. فنشاهد أن الإنسان يدا ليست كيد الفيل، وله قوة ليست كقوة الجمل، مع الاتفاق في الإسم. فهذه يد وهذه يد، وهذه قوة وهذه قوة، وبينهما تباين في الكيفية والوصف. فعلم بذلك أن الاتفاق في الإسم لا يلزم منه الاتفاق في الحقيقة. قالوا: التشبيه كالتمثيل. وقد يفرق بينهما بأن التمثيل التسوية في كل الصفات، والتشبيه التسوية في أكثر الصفات. لكن التعبير بنفي التمثيل أولى لموافقة القرآن: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. وذكر شيخ الإسلام أن التعبير بالتمثيل أفضل من ثلاثة وجوه: أن التعبير بالتمثيل أفضل من ثلاثة وجوه. أولا: لأنه لفظ القرآن: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. والأمر الثاني: أن مسألة التشبيه، هذه المراد بالتشبيه هو الشبه من وجه معين أو وجوه معينة، لكن التمثيل المراد به الشبه من كل الجهات. والأمر الثالث: أن التشبيه قد استعمله أهل البدع في تثبيط أهل السنة، استعمله أهل البدع في تثبيط أهل السنة، أنه يقولون: مشبهة. فمن هذه ثلاثة الأوجه، بيّن شيخ الإسلام أن الأفضل استعمال التمثيل أفضل من استعمال التشبيه. قال رحمه الله: وأما التكييف، فهو أن يعتقد المثبت أن كيفية صفات الله تعالى كذا وكذا، من غير أن يقيدها بمماثل. وهذا اعتقاد باطل، بدليل السمع والعقل. أما السمع، فمنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾. فالذي يحاط به، أو الذي لا يحاط به، لا يستطيع الإنسان أن يكيفه.