الدرس في التعليق على نظم الورقات 45، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تناول المقطع مسألة الإجماع وحجيته، واختلاف العلماء حول إمكانية وقوع الإجماع في غير القرون المفضلة. يرى جمهور العلماء أنه ممكن بينما يرى الظاهرية أنه لا يقع.
يناقش المقطع تعريف الخبر المتواتر وأهميته، ويشير إلى أن تقسيم الخبر إلى متواتر وأحد يعود إلى المعتزلة. كما يوضح شروط الخبر المتواتر وأنه يفيد العلم اليقيني.
يتناول المقطع شروط الخبر المتواتر ويفصل في تعريفه، ويشرح أن خبر الآحاد يوجب العمل وقد يفيد العلم القطعي أو النظري إذا صح الحديث. يبين أن مذهب السلف يختلف عن قول الأشاعرة في تفيد خبر الآحاد للظن مطلقًا.
يبدو أن المتحدث ينهي حديثه أو كلامه بقوله إنه يكفي ما تم التطرق إليه حتى الآن، معربا عن رغبته في الاكتفاء بما تم قوله بإذن الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، أخذنا بالأمس الإجماع وحجيته، والإجماع هو حجة شرعية لا شك في ذلك، وقول جماهير العلماء أنه حجة ودليل يُشد به. وإنما حصل الخلاف: هل هو ممكن الوقوع أو ليس ممكن الوقوع؟ أنه هل يقع إجماع صحيح معتبر أو لا يقع؟ أولًا، لا شك أن هناك أمورًا ضرورية يضطر إليها دين الله جل وعلا، معنى أن تُعلم من دين الله عز وجل بالضرورة. فهذه لا شك أن الإجماع فيها واقع، ولا خلاف فيها. وإنما مثل تحريم الربا، تحريم الخمر، تحريم المسكرات، الحشيشة؛ هذه الأشياء معلومة من الدين بالضرورة. لكن الخلاف يقع في الأمور التي ليست معلومة من الدين بالضرورة، فهل ممكن أن يقع فيها الإجماع؟ فعند جمهور العلماء أنه يقع. وعند الظاهرية أنه لا يقع؛ لتباعد الناس وكذا. وهناك من العلماء -كما قلنا- من يقول: ممكن، لكن في القرون المفضلة، أو في زمن الصحابة، مثل ما ذكره شيخ الإسلام في آخر الواسطية؛ ذكر عذين القولين: الإجماع، إجماع الصحابة، وإجماع القرون المفضلة. ولعل هذا قول الإمام أحمد رحمه الله: أن بعد القرون أو بعد الصحابة لا يمكن حصر الجمع؛ لتفرق العلماء في كل مكان. ولهذا قال الإمام أحمد: من ادعى الإجماع فهو كاذب، وما يدريه أنه اختلف. وتجد أن الإمام أحمد يحكي إجماعات، أو يحكي عدم الخلاف في مسائل، لكن غالب هذه المسائل يكون فيها إجماع الصحابة؛ مثلًا في مسألة الدم، قال: والاختلاف بينهم -يعني بين الصحابة رضي الله عنهم- في مسألة التكبير في عيد النحر. فقال: والاختلاف بينهم، أي بين الصحابة، ومسائل كثيرة يقول: ولم يختلفوا في ذلك. وغالبًا تجد كلام الإمام أحمد على الصحابة. ولهذا القول المشهور الذي نُسب إليه: أنه يرى أن الممكن في الإجماعات هو إجماع الصحابة، أما غيرهم فلا يمكن أن يقع. وهذا هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية في أحد قوليه. في القول الآخر: أن الممكن هو إجماع القرون المفضلة. لكن هل الإجماع في غير القرون المفضلة لا يمكن أن يقع؟ فأما -كما قلنا- عدم الإمكان غير صحيح؛ لأن الله عز وجل قد ذكر إجماع الناس، ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فهذا إجماع من الناس، من أهل الإيمان، فهذا شيء مجمع عليه، معناه شيء يتفق عليه أهل الإيمان، مثل مسائل العقائد؛ هذا متفق عليها، بعضها تعلم من الدين بالضرورة، وبعضها بالاستدلال. فهذا أيضًا يعتبر أنها مجمع عليها. ولكن الخلاف: هل يمكن هذا الإجماع ممكن في غير القرون المفضلة؟ الممكن هذا الإجماع في غير القرون المفضلة، فهذا محل الخلاف. وأكثر أهل الفقه والأصول يرون أنه ممكن؛ لأن الناس قد كتبوا كلام علمائهم، وحصروه، فما من أهل بلد أو أهل منطقة إلا وهم يكتبون كلام علمائهم، ويدونونه. لهذا تجد أصحاب المذاهب غالبًا يكتبون كل قول في المذهب، حتى ولو كان مخالفًا، لو خالف أحد من أهل المذهب، يكتبون قوله على أنه خالف، فلا شك أنهم سيكتبون الموافق. فلهذا هذا الجمع الذي يحصل معنا بجمع أقوال العلماء يدلنا على أنه يمكن أن يجتمع الناس على قول، يجتمع الناس على قول من هذه الأقوال. فلهذا فالظاهر، والذي مشى عليه الناس من زمن قديم: أن الإجماع ممكن معرفة. أو وإن قلنا مثلًا: أن الإجماع لا يمكن، لكن يمكن معرفة عدم الخلاف. يمكن معرفة عدم الخلاف. والساكت لا قول له، نحن ما نقول مثلًا: أن هؤلاء العلماء اختلفوا، ما الدليل على أنه اختلفوا؟ ما نعلم أن فلانًا تكلم، أو أن كذا تكلم. المسألة الساكت ليس له قول، ما دام أنه ساكت فليس له قول. فلهذا نقول: أنه لا اختلاف. ولهذا تجد أن بعض العلماء لا يعبر بالإجماع، وإنما يعبر بعدم الخلاف، مثل ابن قدامة في المغني، دائمًا يقول: ولا أعلم في ذلك اختلافًا. وكذلك النووي دائمًا يكرر هذا، وحيانًا يقول: إجماع، لكن ابن قدامة غالبًا لا يقول: إجماع، وإنما يقول: لا أعلم في ذلك اختلافًا بين أهل العلم. وأيضًا، حتى -كما قلنا- عبارة الإمام ابن المنذر رحمه الله عبارة متحفظة، وهو يقول: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم، ما يقول مثلًا: أجمع العلماء، وإنما يقول: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم. وهذه عبارة متحرزة، أن الإجماع هذا الذي يحكيه ليس إجماعًا عامًا، وإنما كل من يحفظ عنه من أهل العلم، وعلم كلامه، فهو يقول بهذا القول. فلهذا الذي مشى -كما قلنا- عليه العلماء: أن الإجماع، ولو بعد القرون المفضلة، يعتبر ممكن، سواء قلنا: إجماع، أو عدم خلاف، إجماع أو عدم خلاف. فعدم الخلاف يدلنا على أننا نتبع أولًا العلماء الذين تكلموا في المسألة، ولا نخالفهم. وهذا من طاعة ولاة الأمر، هم العلماء؛ لأن ولاة الأمر هم العلماء والأمراء، فالأمراء في الجانب الدنيوي، وقد يدخلون أيضًا في الجانب الديني أحيانًا. والجانب الشرعي، مسائل الشريعة، هو جانب العلماء. قال: باب الأخبار وحكمها. الأخبار يقول المؤلف رحمه الله -أي الناظم-: والخبر اللفظ المفيد المحتمل صدقًا وكذبًا، منه نوع قد نقل. الخبر هذا قد أشرنا إليه في بعض الأبحاث التي تقدمت، وأن الخبر هو الذي يحتمل الصدق والكذب، لكن ينقسم إلى ثلاث أقسام بالنسبة للمخبر. ينقسم إلى ثلاث أقسام بالنسبة للمخبر: فخبر لا يحتمل إلا الصدق، وهو خبر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وخبر لا يحتمل إلا الكذب، وهو خبر الشيطان؛ لأنه كذوب. وخبر يحتمل الصدق والكذب، وهو خبر باقي الناس. فهذا التقسيم بالنسبة للمخبر. فخبر الله عز وجل صدق دائمًا، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾. فهنا الآن يتكلم على الخبر الذي هو خبر الناس، أي ما حدث به الناس من أخبار عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا الباب هو باب ليس من شأن الأصوليين، لكن ليس هو من مباحث الأصول؛ هذا الباب هو مباحث الحديث، وطرقه. الأصوليون من باب التعلق ببعض الأشياء التي لا بد أن تعرف في الأصول من هذا الباب. وإلا -كما قلنا- أن هذا الباب هو باب من أبواب الحديث، يبحثه أهل الحديث. قال: والخبر اللفظ المفيد المحتمل صدقًا وكذبًا، منه نوع قد نقل. يريد نوعًا قد نقل، هو المتواتر. أن يقول: نقل نقلًا متواترًا. وهذا على التقسيم بأن الخبر ينقسم إلى قسمين: متواتر وأحد. متواتر وأحد. وهذا التقسيم أصلا هو تقسيم المعتزلة. أول من قسم هذا التقسيم هو عبد الرحمن بن كيسان، وتلميذه إبراهيم بن إسماعيل بن عليا. لكنه ترد و انحرف عن مذهب أبيه. وأختار مذهب الجهمية. فهما أول من قسم الحديث إلى متواتر وأحد. فقالوا: المتواتر يؤخذ في العقائد والأحكام، والأحد يؤخذ في الأحكام لا في العقائد. أنهم كل الذي أرادوا هذا أرادوا أن يقحموا عقولهم في عقائد الإسلام، وأن العقل لا بد منه في معرفة العقائد. ولهذا فهم يقدمون العقل والنقد. حتى الأشاعرة الذي يقال أنهم أقرب الناس إلى أهل السنة يقولون بتقديم العقل على النقل، كما قد صرح به الرازي وغيره. وهذه أم الدواهي، كيف يجعل العقل المخلوق يتحكم في ما جاء عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم؟ فما وافق عقله أخذ، وما لم يوافق عقله لا يؤخذ. كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: فبعقل من نحكم؟ أن إذا قلتم أنتم أن العقل مضطرد، وأنه لا بد أن يقدم العقل على النقل. طيب نقدم عقل من؟ هل نقدم عقول الجهمية، أو نقدم عقول المعتزلة، أو نقدم عقول الأشاعرة، أو نقدم عقول الرافضة؟ المشبهة قديمًا، كان على مذهب التشبيه أو التمثيل. ثم في العصور المتأخرة بعدما ظهر بعض أئمتهم. نحو إلى نحو المعتزلة. فالآن مذهب الرافضة مذهب المعتزلة في العقائد. فأصل هذا التقسيم باطل. لكن لما توارد عليه العلماء، وأخذ كتقسيم في الكتب، أصطلح عليه. لكن لا كاصطلاح المعتزلة، لا كاصطلاح المعتزلة في الاحتجاج: أنه ما كان متواترًا يقبل في العقائد والشرائع، وما كان أحدًا لا يقبل في العقائد ويقبل في الشرائع. هذا ليس المراد. وإنما فقط من باب الترجيح، أن أخذه العلماء من باب الترجيح. وأن المتواتر الذي يفيد العلم القطعي ليس كالأحد الذي لا يفيد ذلك أحيانًا. قال: تواترًا للعلم قد أفاد، وما عدا هذا اعتبر أحدًا. وما عدا هذا اعتبر أحدًا. فمعنى هنا أراد أن المتواتر هو ما أفاد العلم اليقيني، وما لا يفيد العلم فهو خبر غير متواتر. وهذا -كما قال الشيخ ابن تيمية- تعريف الشيء بالضد، وتعريف الشيء بالضد مردود عند علماء المنطق. وما قال بعضهم: وعندهم من جملة المردود أن تدخل الأحكام في الحدود. فهذا التعريف لا يصح؛ لأن التعريف هذا بالثمرة: ما أفاد العلم صار متواترًا، ومن لم يفد العلم لا يكون متواترًا. وهذا ليس بصحيح؛ فليس كل أحاديث الآحاد لا تفيد العلم وتفيد الظن، بل هناك من أحاديث الآحاد التي احتف بها القرائن تفيد العلم، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وذكره عن جماعة من السلف، بل قال: هو قول عامة السلف. وذكره أيضًا عن جمهور الفقهاء من أهل المذاهب، من أئمة أهل المذاهب الذين تكلموا في هذه المسألة. فذكر عنهم أنهم يقولون بهذا: أن الخبر ولو كان أحدًا إذا احتف به القرائن أفاد العلم، أي أفاد العلم اليقين، لا -كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله- يفيد العلم النظري؛ لأن مسألة الظن والعلم النظري واحد، لو قلنا: علم نظري، معناه هو ظن عنده، معناه يحتاج إلى استدلال، ويحتاج أيضًا إلى نظر. لكن الصحيح: أن الأحاد الذي احتف به القرائن فهو يفيد العلم القطعي اليقيني. قال: فأول النوعين ما رواه جمع لنا عن مثله. عزاه أن أول النوعين هو المتواتر، وهو ما رواه جمع كثير يمتنع في العادة أن يتواطؤوا على الكذب. وقد معروف عندنا في الحديث: أن الحديث المتواتر، وإن كان أيضًا هذا المتواتر ليس من مباحث أهل الحديث، وإنما هو من مباحث أهل الأصول: تقسيم الخبر إلى متواتر وأحد، ليس من مباحث أهل الحديث؛ لأنه -كما هو معروف- أن موضوع علم الحديث معرفة الخبر من صدقه وكذبه، أو صحيح أو ضعيف. وهذا لا يحتاج أن يدخل فيه المتواتر؛ لأن المتواتر صحيح، لا يشك لهذا فهو لا يدخل. ما تجد في علم الحديث أنهم يقسمون الحديث إلى متواتر وأحد. لكن ذكره بعض المتأخرين من باب الفائدة، مثل ما ذكره الحافظ ابن حجر من باب الفائدة. قال: فقلنا: الحديث المتواتر، وما جمع عدة شروط. أولًا: أنه يرويه جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب، يستحيل تواطؤهم على الكذب. وأنه يكون هذا الجمع من أول الإسناد إلى آخره، يكون هذا القطع من أول الإسناد إلى آخره. والأمر الثالث: أنهم يستندون إلى أمر محسوس، أنهم يستندون إلى أمر محسوس. الأمر المحسوس هو إما سمع أو رؤية. ما يكون بلاغ مثلًا: بلغني كذا وكذا، لا يكون رؤية أو سمع: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول كذا، الصحابي يقول، أو رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل كذا. ثم يتوارد الناس على هذه الرواية، تكون على هذا: سمعت فلانًا يقول كذا، وهذا يقول: سمعنا فلانًا يقول كذا، كلهم عندهم سمع. فلهذا يستندون إلى أمر محسوس. والأمر الرابع: أنه يفيد العلم، أنه يفيد العلم، وينقطع في علم في قلب الباحث: أنه أفاد العلم اليقيني الذي لا يستطيع رده. أن العلم اليقين هو الذي أو العلم الضروري هو الذي لا يستطاع رده. لو قالوا مثلًا: لو جاء إنسان قال: ليس هناك في الدنيا بلد تسمى إندونوسيا، هل هذا الكلام مقبول؟ كلام مردود. قولنا مثلًا: أن هناك بلدًا تسمى إندونوسيا، هذا كلام لا يستطاع أن يرد؛ لأنه أصبح يقينًا عند الناس. فلهذا فالعلم الضروري هو الذي لا يستطاع رده، أو يقال: لا يستطاع دفعه. قال: وهكذا إلى الذي عنه الخبر لا باجتهاد بل سماع أو نظر. هذا أيضًا من شروط متواتر، معناه: يستند إلى أمر محسوس، إما سماع أو رؤية. وهكذا الذي عنه الخبر لا باجتهاد بل سماع ونظر، معناه: لا يكون عبر اجتهاد. المتواتر لا يكون عبر اجتهاد، وإنما لا بد أن يكون سماعًا أو نظرًا. ولهذا الخبر الذي يكون عن اجتهاد، ولو تناقله مئات الناس، فهو خبر كاذب، معناه: لأنه عن اجتهاد. ممكن يكون صدق، لكنه ليس متواترًا. لماذا؟ لأنه ما يستند إلى أمر محسوس. مثلًا الآن تواتر الناس على أن -مثلًا- التاريخ الميلادي، وأن هذا التاريخ الميلادي ممتد من ولادة عيسى، مثل هذا ما يستطع أن يجزم به. لماذا؟ لأن هذا عبر اجتهاد، ليس عبر نقل. أن أوله ليس نقل، ما عندهم النصارى ما عندهم نقل عن -مثلًا- ولادة عيسى عليه السلام، ليس هناك عنده نقل: أنه -مثلًا- ولد في اليوم الفلاني أو في السنة الفلانية. ما عندهم نقل، ليس مثل هذه الأمة، عندهم نقل عن نبيهم عليه الصلاة والسلام: متى ولد، وفي أي شهر ولد، وفي أي عام. وإن كان العام لم يأت فيه جزمًا، لكن جاء في اليوم والشهر. لكن النصارى ما عندهم دليل، وإنما اجتهاد فقط. وكذلك أيضًا -كما ذكر الشيخ أيضًا هنا- خبر النصارى بأن عيسى بن مريم أنه إله، أو أنه ابن الله، هذا منتشر عندهم، أصبح يكاد عند النصارى خبرًا يقينًا، لكنه مبني على إيش؟ على اجتهاد، مبني على اجتهاد بعض من انحرف من النصارى، وبسبب الغلو الذي كان عنده. فهل هذا نقول: أن هذا خبر متواتر؟ لا؛ لأنه لم يستند إلى أمر محسوس، لا نظر ولا سمع، وإنما فقط اجتهاد. فالذي يبنى على اجتهاد وهو خبر ظن، ليس خبرًا متواترًا أبدًا. قال: وكل جمع شرطه أن يسمعوا، والكذب منهم بالتواطي يمنعوا. أيضًا هذا شرط من شروط المتواتر، معناه: أن يكون جمع، وهؤلاء الجمع يستحيل تواطؤهم على الكذب، يستحيل تواطؤهم على الكذب. لماذا؟ لأنهم ثقات، أو لأنهم -مثلًا- أهل دين، لم يجرب عليهم الكذب، ولم يعتاد منهم الكذب. وأجمعوا على ذلك الأمر، فهذا يدل على صدق ما أخبروا به. ومعلوم أن المتواتر قسمنا قسمين: متواتر لفظي، ومتواتر معنوي. أما المتواتر المعنوي فهو كثير. المتواتر المعنوي فهو كثير. ثم قال بعض الشعراء: ﴿وَمِمَّا تَوَاتَرَ حَدِيثُهُ مِنْ كَذِبٍ وَمَنْ بَنَى لِلَّهِ بَيْتًا وَاحْتَسَبِ﴾، هذا تواتر لفظي. ومما تواتر حديثه من كذب، ومن بنى لله بيتًا واحتسب. ورؤية شفاعة، وحوض، ومسح خفين. وهذا بعض الرؤية، والشفاعة، والحوض، والميزان، معناه: والحوض، والرؤية، هذه كلها مجمع عليها، وجاء بالخبر المتواتر عنها. خبر يفيد التواتر؛ لأنه جاء من أحاديث كثيرة، مثلًا أحاديث الشفاعة. أحاديث الشفاعة ليس هناك دليل في القرآن إلا إشارات، لكن ليس دليل صريح في القرآن. لكن في السنة أحاديث كثيرة جدًا، حتى أن شيخنا مقبلًا رحمه الله جمع كتابًا سماه: كتاب الشفاعة. عن كثرة الأحاديث، أيضًا الحوض، للحافظ ابن كثير رحمه الله، جمع حديث الحوض كثيرة، حتى أخرجه بعض المعاصرين في جزء لا بأس به عن حديث الحوض. وكذلك أيضًا حديث الرؤية، فهي حديث أيضًا متواترة، وهي كثيرة. قال: ثانيهما الأحاد، يوجب العمل لا العلم، لكن عنده الظن حصل. يريد أن الأحاد يوجب العمل، لكن لا يوجب العلم. ومذهب السلف: أن خبر الآحاد يوجب العلم هو العمل. العلم قد يكون نظري، وقد يكون قطعي. أن يوجب العلم والعمل، إذا صح الحديث أوجب العلم، أوجب العمل. لكن من ناحية العلم، فهو يوجب العلم، لكن قد يكون هذا العلم نظري، وقد يكون علم قطعي. وأما قول الأشاعرة وغيرهم: أن الحديث الآحاد تفيد الظن مطلقًا، فهذا قول باطل: أنها تفيد الظن مطلقًا. والعجيب أن هؤلاء يقولون: أنها تفيد الظن من ناحية العلم والعمل، يقولون: أن أيضًا حتى من ناحية الدلالة -أقصد- تفيد الظن. وهذا كلام غير صحيح. أن كيف يكون شيء منطوق يفيد الظن؟ أنا في العمل به، فهذا ليس صحيح. مثلًا النبي عليه الصلاة والسلام يقول -مثلًا-: أنه النبي عليه الصلاة والسلام عن كذا، فنقول: هذا يفيد الظن، ودلالته تفيد الظن؟ كيف هذا شيء منطوق؟ كيف يفيد الظن؟ لو كان مثلًا شيء محتمل، مثلًا قول النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»، هذا لا شك يقال: أنه يفيد الظن؛ لأن العصر محتمل: محتمل أنه أرادهم أن يعجلوا، ولم يرد الصلاة، ومحتمل أنه أراد الصلاة. فلهذا فهذا الذي يحتمل يفيد الظن. وأما الذي لا يحتمل، وهو منطوق، كيف يقال: أنه يفيد الظن؟ معناه: يقولون: دلالته ظنية. طيب. قال: لمرسل ومسند قد قسم، وسوف يأتي ذكر كل منهما. أهل الأصول عندهم مسند ومرسل، معناه: إما أن يكون مسندًا متصلًا، أو مرسلًا وهو المنقطع. فيسمون كل منقطع مرسلًا. وهذا عند الأصوليين، كما قلنا. أما عند المحدثين فيسمونه منقطعًا، معضلًا. لكن اتفق أهل الأصول وهل المحدثون في شيء واحد، وهو مسألة المعنى. كثير من هذا الحديث -أقصد- الاشتقاق، يقولون: فلان عن فلان مرسل، مرسل، معناه: منقطع. لكن يقولون: هذا الحديث فيه انقطاع، لكن من ناحية الاشتقاق يقولون: هذا حديث مرسل، فلان عن فلان، أو أرسله فلان. فالحديث عندهم ينقسم إلى قسمين: إما مرسل ومسند. وأما الحديث عند المحدثين ينقسم إلى منقطع ومعضل ومعلق. وكذلك مرسل، هذا الحديث الذي ينقطع. والقسم الثاني هو المسند الذي يتصل إسناده، أو المسند -كما عرفه الحافظ- لكن هنا المسند يريدون به أعم من المسند الذي عنده الحديث. فعنده الحديث متصل، ومسند: المتصل الذي يكون اتصال حقيقي، والمسند الذي يكون ظاهر الاتصال. هذا على تقسيم الحافظ، أيضًا من كلام العلماء. وأما أهل الأصول فيقولون: المسند يريدون به: يدخل فيه المتصل، قال: فحينما بعض الرواة يفقد، فمرسل. وما عداه مسند، الانقطاع في الإسناد. إن شاء الله نكتفي هذا.