شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 15

الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 15، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الذبح لغير الله تعالى وتحريمه

يناقش حكم الذبح لغير الله تعالى ويستدل بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية على تحريمه باعتباره عبادة لا يجوز صرفها لغير الله. يوضح أن الذبح لغير الله يعتبر شركًا بالله عز وجل.

تحريم إيواء المحدثين وتغيير معالم الأرض

يتناول تحريم إيواء المحدثين وتغيير معالم الأرض، ويشرح معنى إيواء المحدثين وخطورة هذا الفعل وتأثيراته السلبية مستشهدًا بحديث نبوي يبين عواقب هذه الأفعال.

انتقاد ممارسات الجاهلية حول القبور

ينتقد ممارسة الجاهلية في وضع الزيت في فوهة القبر لإضاءته ليلاً، ويبين أن هذه العادة نابعة من الجهل وأن السدنة يقومون بإضاءة القبر لأغراضهم الخاصة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: باب ما جاء في الذبح لغير الله. وقول الله تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾. وقوله جل وعلا: ﴿فصل لربك وانحر﴾. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات: «لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من آوى محدثا، ولعن الله من غير منار الأرض». رواه مسلم. ثم ذكر أثر طارق بن شهاب. هذا الباب باب الذبح لغير الله، معنى هذه العبادة من العبادات العظيمة التي أمر الله عز وجل بها، أي أمر أن يذبح له، وأن لا يؤكل إلا ما ذبح لله عز وجل، وذكر اسم الله عز وجل عليه. ثم قال الله عز وجل: ﴿وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه﴾. وقال جل وعلا: ﴿لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾. فهناك مسألتان: مسألة الذبح لغير الله، والذبح بإهلال لغير الله. معنى ذكر اسم غير الله، هناك مسألتان. معنى إما أن يذكر يذبح لغير الله، أو يذكر اسم غير الله، مثل ما يفعل النصارى يقولون باسم المسيح ويذبحون باسم المسيح. وأيضا كذلك غيرهم، وبعضهم يقول باسم الله لكنه يذبح لغير الله. هذا فرق بين المسألة الأولى والمسألة الثانية. فالمسألة الأولى هو الإهلال باسم غير اسم الله، أن يذكر اسم غير اسم الله، وقد يكون لله الذبح، وقد يكون لغير الله. أن يقال مثلا باسم المسيح وهو أراد ذبحها لله عبادة وتقرب، لكن يذكر اسم المسيح فيها. وهذا الذي قال الله عز وجل: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾، وأنا ذكر اسم غيره، ما دام أنه ذكر اسم غيره، فهذا لا يجوز الأكل منه. وقال: ﴿وما أهل لغير الله به﴾، أي هذا حرام أيضا أكله، الذي يهل لغير الله. أهل معنى ذكر فيه اسم غير اسم الله، وإن كان هذا الذبح لله، أنه هو تقرب إلى الله، لكن ذكر فيه مثل ما قلنا يفعل النصارى، هم يتقربون إلى الله بهذا، لكن يذكرون اسم المسيح في التقرب أو في الذبح. فهذه مسألة مسألة الإهلال لغير الله، وكلاهما شرك، كلاهما شرك. لأن الإهلال بذكر غير اسم الله عز وجل، فهو تعظيم لذلك الاسم والتبرك به، والتبرك بهذه الأسماء لا يجوز. وأيضا يجعل تعظيمها كتعظيم الله جل وعلا، فلهذا التبرك مثل ما تقدم معنا أن التبرك بالأحجار والأشجار وغيرها، ومن ذلك أيضا التبرك بالأسماء، ولو كانوا من الصالحين، فإن هذا أيضا من الشرك. وأما هذه المسألة، مسألة الذبح، فهي عبادة من العبادات، كما قال الله عز وجل: ﴿فصل لربك وانحر﴾، أي انحر لربك، كما أنك تصلي لله فانحر لله. والنحر المراد به نحر الإبل، أن تطعن الإبل في نحرها. فقال: ﴿فصل لربك وانحر﴾، أي وانحر لربك، فهي عبادة من العبادات التي لا تكون إلا لله جل وعلا. فمن ذبح لغير الله، فقد صرف العبادة التي لله عز وجل، صرفها لغير الله. فالذبح لغير الله كيف يذبح لغير الله؟ معناه تقربا إلى هذا الذي أراد أن يذبح له، مثلا جني أو ولي، معناه الآن مثلا مثل ما يفعل أهل الشرك يذبحون لآلهتهم. فتسييب السائبة، مثلا يجعلون ناقة أو كذا سائبة، يسيبونها، يسيبونها معناه يتركونها تمشي، لا حد يكلمها، ثم يذبحونها في وقت ما. هذه تتبع من تتبع هذا الصنم أو هذا الإله الذي لهم. مثل البدنة، البدنة التي تكون في الحج، معناه الهدي، معناه معروف من قبل الإسلام. وفي الإسلام أن الهدي تشعر وتقلد وتترك، معناه أقصد أنها ليس تترك، أنها تسيب لا تترك، معناه أيضا معناه يذهبون بها إلى الحج لأجل أن يذبحوها في الحج. لكن كان في الجاهلية ما أحد يركبها، ولا أحد يجعلونها تمشي وحدها. لكن لما جاء الإسلام، النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يركبوها، حتى أن الرجل رأاه النبي صلى الله عليه وسلم يمشي معه والده يمشي به ويهذي والإبل وحدها، فقال: «ما لها؟» قال لابن هذا الرجل: «ما لهذا الرجل؟» قال: «إنه نذر أن يمشي إلى الحج». فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لغني عن تعذيبك لجسدك، اركب وامشي». أن يركب وامشي. وهم غالبا فعلوا ذلك حتى لا يركبوا في البدنة. كذلك جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يمشي ومعه بدنة معه ناقة، لكنها هدي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اركبها». ليش تمشي؟ اركب هذه الناقة. قال له: «يا رسول الله، إنها بدنة». قال: «اركبها». قال: «إنها بدنة». قال: «اركبها ويحك، ولو كانت بدنة». اركبها، معناه على ما كان في الجاهلية البدنة لا تركب. فظن أن هذا الحكم لا زال، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يركبها. فكان أهل الجاهلية يسيبون السوايب. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رأيته عمرو بن لحي الخزاعي في النار يدور حول أقتابي لأنه أول من سيب السوايب». السوايب هي الناقة التي يتركونها، يعني يجعلونها هذه يقولون ناقة الإله أو ناقة الصنم أو كذا. فهذه يسيبونها، ثم بعد ذلك يدبحونها لمن للسيد هذا. كذلك أيضا يتقربون حتى معنا عندنا إلى الآن، تجد بعض الصوفية وبعض كذا الذين تعلقون بالقبور، يقول له هذا الرأس لفلان قربة لفلان. وقد كان الناس أيضا كانوا لما كانوا على جهل، يأتي يأتي السادن سادن القبر الذي يحرس القبر، فقال له: «أن السيد فلان معنا مقبور يريد الراسل فلاني». أنا أنا خلي إما يجعل واحد ينظر في أغنامه أو هو ينظر في أغنامه، فيعلم هذا الشخص أن السيد فلان يعرف أغنامه. يقول له: «أريد التيس الفلاني الكبير وكذا». حتى مرة قال واحد يحكي قصة، قال: «جئنا إلى منطقة وهذه المنطقة منطقتهم، لكن هم خرجوا منها ثم رجعوا إليها معهم أغنامهم». فهذا الشخص عنده تيس كبير يربيه لأجل العيد، فعرف أن السيد سيقول له: «هاتوا رأس». قام تركه، لكن هذا السيد ذكي في هذه الأشياء، أرسل واحد من العبيد لما رأاه مقادمين، أرسل قال: «شوف الأغنام الذي معاه». رأى الأغنام عنده وحصل معاه تيس كبير وكذا. لكن هذا الرجل قال لبعض أولاده: قال له: «وخده هذا التيس في طريق ثاني، ونحن نمر عند السيد ونعطيه واحد من هذه اللي معنا». لما جاءوا إلى القبر، فسأل معنا تكلموا معه مع السادن هذا، قال له: «وين حق السيد؟» قال له: «هذا حق السيد». أدخلوا شاتن، دخلها الغرفة عند السيد، خرجها، قال له السيد: «ما يريد هذا؟» قال له: «إيش يريد السيد؟» قال: «يريد التيس ذاك اللي شليته». قال له: «بس». وعطاه، وهمه راضي معنا. هذا الأشياء يتقربون بها إلى هؤلاء، معنا أنها قربة إلى هذا القبر إلى هذا السيد، وهم يعطونه أعظم ما عندهم، بل يعتقدون أن السيد هذا يعرف هذه الأشياء، ويطلع على هذه الأشياء. وكل سبب هؤلاء السدنة يوهمونهم كذب معنا، لأجل أنهم أصلا هذه الأشياء من يأكلها؟ يأكلها هؤلاء السدنة، المقبور هذا الذي يقولون سيد، لا يعرف شيء من هذه الأمور، لكن هم الذين يأكلون ويأخذون الأموال وكذا. فلهذا فهذا عملهم، فهم يروجون لهذا العمل، فيأتي يقول مثلا يأتون بقصص أن أناس جاءوا أمس عند السيد وقالوا: «نريد كذا». وجاء لهم مرة واحد يقول: قال: «جئنا إلى السيد هذا القبر، قلنا الآن الثمد غير موجود، هذا الصيد نريد الثمد الآن». قال لهم: «ثمد». ما حسوا إلا عندهم ثمد موجود وناجح وكذا، وأكلوا منه. المهم، هم يروجون مثل هذا القصص لأجل أن يعتقد الناس في هذا المقبور. فلهذا تجد أحيانا القبر ليس فيه أحد، أنا ما قبر أحد أصلا، لكن لقوا عملوا مشهد أو قبر مرتفع، وسموه بأي اسم، يسموه بأي اسم، ثم بعد ذلك يحكون القصص التي له، لعجل أنه فعل كذا وفعل كذا. حتى فيه واحد عندنا هنا يسموه بن ناصر، بن ناصر، وقبر في المسجد من المساجد، قبره موجود في المسجد، وهذا المسجد يسمونه بن ناصر على اسم القبر. وهذا يقولون: «بن ناصر فعل كذا وأحيا ضبي ماتت، أحياها». معنى يجبون له قصص. لما كان أرادوا أن يوسع المسجد، قال لهم بعض المشايخ: «وإن كان فيه الصوفية، لكنه كان عاد لا بأس». معنى يمشي على المذهب، لأن بعض الصوفية في هذا الباب ما يمشون على مذاهبهم، معنى مذاهبهم فقط في الذي يريدونه، لكن هذا يمشي على مذهب. قال: «خلاص، خذوا الجثة القبر هذا، خرجوه من المسجد ووسعوا المسجد». فقاموا حفروا، فما وجدوا إلا صفي، معنى ما في أحد في القبر، ما في أحد مقبور، لا بن ناصر ولا غيره. فهذه القصص التي يذكرونها كلها كذب، وليس هناك أي أحد اسمه بهذا الاسم، أو قد يكون مثلا مقبور في مكان آخر. المهم أن هؤلاء يستخدمون هذا القصص، العجل هذا. فهؤلاء يتقربون بالذبائح إلى هؤلاء السدنة، فهذا التقرب يعتبر مثل التقرب إلى الله عز وجل، عن التقرب بعبادة يصرف عبادة لغير الله، فهذا هو الذبح لغير الله. ولهذا صرح كثير من العلم أن الذبح لغير الله يعتبر شرك. صحيح أن بعض الفقهاء ما اعتبره شركا، وإنما اعتبره حراما، أنه لا يجوز، لكن هذا قول غير صحيح. وإن كان مثلا في بعض المذاهب مثل مذهب الشافعي، لكن الشافعي لم يأتي عنه شيء من هذا، أنه قال: «إنه حرام وليس بالشرك»، ولم يتكلم على هذه المسألة، لأنها معروفة عندهم. وجاء تصريح أنه يعتبر من الشرك في مذهب الحنفية، وكذلك في مذهب الحنابلة، أنه يعتبر شرك. وجاء أيضا عن إمام أحمد. ومما يدل على هذا أن الله عز وجل قال: ﴿أقول إن صلاتي ونسكي﴾، النسك هو الذبح. صحيح أن النسك يعتبر ذبح في عبادة، مثل عبادة الحج، الهدي، العقيقة، الأضحية، هذا يعتبر نسك. فالنسك هذا لا بد أن يكون لله، ما يكون لغيره. فمن صرفه لغير الله، فهو قد أشرك بالله عز وجل. وهذا الحديث حديث علي، أنه قال: «حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات: لعن الله من ذبح لغير الله». فليس معنى هذا الحديث أن الذبح لغير الله مثل هذه الأخرى، لأن بعضهم يقول: «معنى بعض هؤلاء للتصوف وكذا يقول: كيف الذبح لغير الله الشرك، والنبي صلى الله عليه وسلم ذكره مع هذه الأشياء التي هي ليست بشرك؟» لا يلزم هذا. لأن هنا إنما ذكر لأجل التحذير، فذكر التحذير من هذا الذبح لغير الله، وليس معنى أنه ليس بشرك. ودلالة الاقتران يسمونها دلالة الاقتران عند العلماء، معنى أن يقرن شيء بشيء. دلالة الاقتران من أضعف الأدلة، أو من أضعف الاستدلال، أن يستدل بالقرائن التي تذكر. معنى الله عز وجل قال: ﴿فأكلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده﴾، الآن ذكر الأكل وذكر الزكاة، فهل معنى أن الأكل واجب؟ لابد أن الإنسان يأكل من ثمره، ذكاء عنده أشجار، لابد أن يأكل من هذا؟ الزكاة هل هذا حكم صحيح؟ لا، ما قال به أحد من هالعلم. معنى الله عز وجل قرن هنا الأكل مع الزكاة، فالزكاة بإجماع العلماء أنه واجب، ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾، زكاة المعشرات يسمونه الثمر والحبوب، ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾، لكن لم يجب الأكل. فهذا معنى الله عز وجل قرن بين الأكل وبين الزكاة، فهذا يسمى قرنة أو دلالة الاقتران، دلالة الاقتران. فالاستدلال بدلالة الاقتران خطأ، ولا يجوز. أقصد معنى لا يصلح أن يستدل بدلالة الاقتران، لكن ممكن يستعان بها، لكن الاستدلال لا. فقولهم مثلا قول بعض هؤلاء: «أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الذبح مع شيئا محرمة ليست شرك، كيف تقولون هذا شرك؟» وهذا محرم، تفرقون؟ فهذا نقول لهم: «أن دلالة الاقتران ضعيفة أصلا ما يستدل بها». وقد دلت الأدلة على أن الذبح لغير الله شرك، لأنه عبادة، فمن يصرف عبادة لغير الله، لا شك أنه مشرك بالله جل وعلا. لأن الله عز وجل يقول: ﴿ولا تدعو مع الله إلها آخر﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿قل ادعو الذين زعمتم من دوني فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويل﴾. وقال إبراهيم: «وادعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقية». ثم قال الله عز وجل: سمى هذا الدعاء عبادة. فالدعاء هنا العبادة هي أصلا دعاء، كل عبادة هي دعاء، مسألة دعاء، مسألة أو دعاء، أقصد عبادة. والدعاء هذا الذي هو الطلب، يعتبر دعاء طلب. وأما العبادات فهي دعاء، يسمى دعاء عبادة، لأن الإنسان مثلا يصلي ويريد ماذا؟ يريد أن الله عز وجل يتقبل منه هذه الصلاة، يصوم يريد أن الله عز وجل يتقبل منه هذا الصيام. فالأصل أن العبادات هي دعاء أصلا، الأصل أن العبادات دعاء. فإذا ذكر الدعاء غالبا، فالمراد به دعاء العبادة والمسألة. لهذا استدل العلماء بمثل هذا المسألة على آيات الدعاء، قالوا: ﴿ادعو الذين زعمتم من دونه﴾، فهنا الدعاء ليس المراد دعاء الطلب فقط، هنا دعاء يشمل دعاء الطلب ودعاء العبادة، دعاء الطلب ودعاء العبادة. قال: «لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من آوى محدثا، ولعن الله من غير منار الأرض». ومعنى «آوى محدثا»، معنى إنسان أحدث حدثا، مثلا أحدث جرم عنده جناية، وراد الناس أن يأخذوا بحقهم، فيؤويه، يؤويه عنده، ولأجل أن لا يتفطنوا أو أن لا يجدوه، فهذا آوى محدثا. إنسان سرق وأخذ أموال الناس، قال له: «تعال اجلس عندي في البيت»، هذا يؤوي محدثا. أو إنسان ابتدع بدعة، أو خرج مثل الذي يأوي الخوارج أيضا يقتلون أهل الإسلام، ثم يهربون، فبعض الناس آويهم، يقول معنى بعضهم من من قد يحبهم أو قد عنده شبهة، يقول: «آويهم من الحكام الظلمة»، معنهم قتلوا الناس، وأيضا يفسدون في الأرض، فيريد هذا الحاكم أن يأخذهم أو يحبسهم أو يقتلهم، فيأتي هذا ويأويهم. فالمهم هذا الإيواء كله لا يجوز، «من آوى محدثا لعن الله من آوى محدثا»، وخاصة أيضا إذا كان في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يكون أعظم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «المدينة حرام من ثور إلى عير، من جبلين، من أحدث فيها حدثا أو آوى فيها محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا». الصرف هو الفريضة، والعدل هو النافلة. أن لا يقبل الله عز وجل منه شيء من الطاعات، ما دام أنه يأوي المحدث، وخاصة في مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ويدخل فيه أيضا الحدث في الابتداء، كما قال بعض العلم أيضا يدخل الابتداء الذي كيف يأويه؟ يدافع عنه، يدافع عن بضعته، فهذا إيواء أيضا. قال عن طارق بن الشهاب: «أما قوله أن الله من غير منار الأرض»، منار الأرض العلامات التي تكون في الأرض، معنى كل ما يكون فيه تغيير منار الأرض كيف يكون؟ مثلا بعض العلامات الناس يستدلون بها على وجود بلد معينة، أو على وجود مثلا أوعد المسافة البلد. مثلا بين المدينة ومكة يقولون: «ست مراحل»، يعرفون هذا المراحل من كذا إلى كذا مرحلة، من كذا إلى كذا مرحلة. فإذا جاء أنسان وغير هذا، مثلا يقولون: «إلى مكان السقي الذي في منطقة فلان هذا مرحلة»، فيقوم هذا ويكسر هذا السقي ويزيله من الأرض، فالناس يضيعون، لأن الناس كانوا يمشون ويعتمدون على مثل هذه المنارات. فإذا غير أن الإنسان متعمد مثل هذه الأشياء، فهو يغير منار الأرض. أيضا كذلك يدخل في هذا مسألة العلامات التي تكون على الأراضي، أن الإنسان عنده أرض له، وضع فيها علامات، وليس لأحد شيء، فيأتي آخر ويزيل هذه العلامات، فيغلط الناس بعد ذلك، ما يدري هل هذا له من هنا وهذا من هنا؟ فتحصل بعد ذلك المشاكل بين الناس، هذا يدخل أيضا في تغيير منار الأرض. قال عن طارق بن الشهاب رضي الله عنه، وطارق بن الشهاب صحابي صغير، رأى النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه لم يسمع منه، كما قال أبو داود. ومثل هؤلاء الذين رأوا النبي صلى الله عليه وسلم، وهو رأى النبي صلى الله عليه وسلم، هذا حديثه يعتبر من مراسيل الصحابة، ويعامل معاملة المسند. لكن الذي لم يرى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما رآه النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا يعامل معاملة مرسل التابعين أو كبار التابعين، هنا فرق. وهذا رجحه كثير من هذا العلم، كابيحاتهم وغيره، على أن المرسل الذي يكون من صغار الصحابة الذين رأوا النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا مرسلهم يعتبر مثل مراسيل الصحابة. وأما من لم يرى النبي صلى الله عليه وسلم، فيعتبر مرسله من مراسيل كبار التابعين. مثلا محمد بن طلحة بن عبيد الله لم يرى النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا مرسله يعتبر من مراسيل التابعين. أيضا يوسف بن عبد الله بن سلام، أيضا رأاه النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه لم يرى النبي صلى الله عليه وسلم، أنا مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير. فهذا يعتبر حديثه من مراسيل التابعين. أنا أقصد يعامل معاملة مراسيل التابعين أيضا، محمد بن عبد الله بن أبي بكر الصديق، أو أقصد محمد بن أبي بكر، معنى رأاه النبي صلى الله عليه وسلم لما ولد، ولدته أسماء بنت عميس في الحج، هم داهبون إلى الحج. فهذا يعتبر صحابي، لكنه حديثه يعتبر من مراسيل التابعين. وهكذا وإنما سمي صحابيا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأاه. قال طارق بن شعاب: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب». قال: «وكيف ذلك يا رسول الله؟» قال: «مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا، فقالوا لحد ما قرب». قال: «ليس عندي شيء أقرب». قالوا: «قرب ولو ذبابا». فقرب ذبابا، فخلوا سبيله، فدخل النار. وقالوا لآخر: «قرب». فقال: «ما كنت لو أقرب لحد شيئا دون الله». فضربوا عنقه، فدخل الجنة. هذا الحديث صحيح أنه مرسل، أقصد الصحيح أنه موقوف على سلمان الفارس، ليس عن النبي عليه الصلاة والسلام، معنى طارق بن شعاب رواه عن سلمان الفارس، وليس عن النبي عليه الصلاة والسلام. ومعنى هذا الحديث أن رجلين مروا على قوم ما عندهم صنم، كل من مر يقولون: «قرب قرب شيء». فقال: «ما عندي شيء حتى أقربه». قالوا: «قرب ولو ذبابا». أخذ ذباب وقربه، فقال: «فدخل النار». وهذا الآخر قال: «ما كنت أقرب شيئا من دون الله عز وجل». فقتلوه، فدخل الجنة. هنا في هذا العثر هو أثر قد يكون إسرائيلي، معنى يعلمه سلمان من الكتب المتقدمة، أن سلمان كان نصرانيا. فهل هو يوافق شرعنا؟ الظاهر أنه يوافق من ناحية المضطر، هذا أنه الذي قتل وهو يقرب، هل فعله صحيح أم أن له أن يقرب؟ أما الثاني هذا فهو فعله صحيح لا شك. لكن الفعل الأول الذي قرب ودخل النار، هل هو مضطر في التقريب؟ فالظاهر أنه مضطر، قالوا له: «إما أن تقرب وإما أن نقتلك»، فقرب. وقال: «دخل النار». والله أعلم، لكن كما قلنا بعضها العلم أنكر هذا بحكم أنه قد يكون هذا الحكم في من كان قبلنا. أما في شرعنا، فإن هذا الله عز وجل يقول: ﴿من كفر بالله بعد إيماني إلا من أكرها وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا﴾، فمن كان مطمئن الإيمان وفعل ذلك مكرها، فلا بأس. وأما إن لم يفعله مكرها، فهذا لا شك أنه يعتبر كافرا مشركا. لكن دل هذا الحديث بمفهومه على أن لا يجوز أن الإنسان يتقرب إلى غير الله عز وجل، ولو بشيء بسيط، لا يتقرب أبدا لغير الله، ولو كان هذا الشيء قليل أو شيء يسير، لا يقول مثلا: «أنا ما تقربت إليه بذبيحة، تقربت إليه بشيء بطعام مثلا أو بسراج». مثل الذين تقربون بسراج بالزيت مثلا، يجعل هذا قربة، قربة يأتي بزيت، زيت هذا لماذا؟ لأجل أن يشعل النور الذي في القبر. كان قديما يجعلون فوهة في القبر، يضعون فيها الزيت، كل من جاء بزيت وضعوا في هذه الفوهة حتى يسرجوا السراج، معناه عشان يضاوي للقبر في الليل حتى يسهر الميت، وهذا جهل، لكن هم يفعلون، هم السدنة أصلا، السدنة يسرجون في الليل لأجل أن يجلسوا عند القبر، يتلقون من يأتي ويتقرب إلى هذا القبر. فإن شاء الله، المسائل نتركها في درس.