شرح لمعة الاعتقاد 57

الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 57، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الحشر في الدنيا وتأثير الفتن

يتناول هذا الفصل حشر الناس في الدنيا وتأثير الفتن على هجرة الناس من بلادهم إلى الشام ورغبتهم في الدين، وبيعهم لأملاكهم للحصول على وسيلة للركوب. كما يشير إلى أسباب خروج الناس من ديارهم.

حشر الناس بالنار إلى أرض المحشر

هذا الفصل يشرح كيف تحشر النار التي تخرج من قعر عدن الناس إلى أرض الشام التي هي أرض المحشر والمنشر، وتطردهم إليها بانتظارهم في أوقات الراحة. يبين أن النار تحشر من تبقى من الناس إلى المحشر.

أحداث يوم القيامة وأرض المحشر

يصف هذا الفصل حشر الناس يوم القيامة وأرض المحشر، حيث تتغير الأرض لتصبح بيضاء خالية من العلامات، ويحشر الناس حفاة عراة غرلة دون شيء معهم. يشير إلى اختلاف الحشر في يوم القيامة عن الحشر في الدنيا.

  • 13 جمادى الآخرة 1445هـ - 25/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. يوم القيامة يحشر الناس حفاة عراة غرلا بهمة، فيقفون موقف القيامة. وهذا كما قلنا الحشر الذي يكون بعد النشر وبعد البعث. وأما الحشر الذي يكون في الأرض، فهل يكون بعد البعث أو قبله؟ في خلاف، لكنه ثابت. والغالب أنه قبل البعث، لأن الأحاديث دلت على أن هذا يحصل والناس في الأرض. وقد جاء في الصحيح في الحديث: «يخرج الناس من بلادهم، من اليمن، وكذلك من الحجاز، ومن غيرها من البلدان، يخرجون إلى الشام على ثلاث طوائف: منهم راغبين راهبين». هكذا جاء في الحديث في الصحيحين: «راغبين راهبين». ومعنى راغبين: نكمل الحديث، قال: «منهم راغبين راهبين، ومنهم البعير على عشرة، أو العشرة على البعير، أو الاثنان على البعير، أو الثلاثة والأربعة والعشرة على البعير». وذكر أيضا أن منهم من تحشرهم النار على ثلاث أقسام: منهم من يخرج قبل أن تأتي النار، راغبين راهبين. راغبين: منهم من هو راغب في الشام لأجل أنها طيبة الإسلام، وأيضا اجتماع أهل الإسلام هناك، فيذهب ويرغب. ومنهم راهب، قيل: إنه راهب لأجل وجود الفتن في غير البلاد التي هو فيها، فيخرج رهبة من هذه الفتن. ومنهم من قال: إنه راهب، أي خائف من الموت، يخرج خوفا من الموت ورغبة في الحياة، فيذهب إلى الشام. فممكن هذا، وهذا، لكن الغالب أن المراد بهم الأول، لأنهم يخرجون لأجل الدين. فعندما تكون الفتن فيخرجون إلى الشام، فهي مجتمع أهل الإسلام. وطائفة يخرجون بعد ذلك على الإبل، وهذا يدل على أنه ليس هناك غير الإبل، يعني ليس هناك سيارات، وكذا يخرج في الثلاثة على بعير، والأربعة على بعير، والعشرة على بعير. وقد جاء عند أحمد عن عبد الله بن مسعود أن الركب يقل. وجاء في حديث أيضا صحيح عند الطبراني والبزار: «حتى إن الرجل ليبيع البستان ببعير». هنا يبحثون عن الركب، كل واحد يريد بعير حتى يذهب به. فالرجل يبيع المزرعة الكاملة، مزرعة البستان الذي هو مليء بالثمار، فيبيعه لأجل أن يتحصل على بعير واحد يركب فيه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ويقل الركب». جاء عن ابن مسعود موقوفا، لكن قال العلماء: له حكم الرفع. فيقل الركب، فيبحث الناس عن المركوبات خاصة عن الإبل، لأنها أسرع وأيضا تتحمل. فلهذا إذا قلت الرواحل، تجد أن الناس يتشاركون في البعير لأجل أن يخرجوا من أراضيهم إلى أرض الشام. فهؤلاء الذين أرادوا الخير وذهبوا إلى تلك الأماكن. وأيضا كذلك بعضهم قد يكون عنده خبر أن النار ستأتي وتطرده، فيخرج قبل أن تأتي النار. وهذا أيضا يدخل في قوله: «راهب»، فهو خائف من شيء. فتبقى الطائفة الثالثة، فتحشرهم النار. فتحشرهم النار، تقيل معهم، وتبيت معهم. عندما إذا جاء وقت قيلوا، انتظرت النار حتى يقيلوا يرتاحوا، فإذا ارتاحوا جاءتهم النار وطردتهم، فيذهبون. حتى إذا جاء وقت الليل، تبيت معهم النار، يبيتون. وهذا من رحمة الله عز وجل بهم. فهذه النار تطردهم إلى المحشر، إلى أرض الشام. وقد جاء في أحاديث كثيرة تدل على أن هذا صحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام، منها ما جاء عند أحمد عن أم سلمة، وأيضا عن غيرها: «أن أرض الشام هي أرض المحشر والمنشر». أرض المحشر والمنشر، فدلت على هذه الأحاديث على أنهم يحشرون في تلك الأرض. فبعد ذلك إذا جاءت هذه النار تطردهم. وهذه النار تخرج من قعر عدن، ثم تأتي إلى حضرموت، ويبدأ زحفها. لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في العلامات الساعة: «أن آخر ذلك نار تخرج من حضرموت تحشر الناس»، أي تحشر الناس إلى تقودهم إلى المحشر. فهذا المحشر الذي تقودهم، كما قلنا، هو أرض الشام. فهذه النار تخرج أصلا من قعر عدن، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنها تخرج نار من قعر عدن». وهذه النار التي تخرج من قعر عدن تمشي إلى حضرموت، ثم بعد ذلك تسوق الناس. لأن حضرموت يكون مجمع الناس، معناه آخر ما يأتي به بعد البحر. ثم بعد ذلك تنتشر هذه النار في كل مكان في كل الجزيرة، فتحشر الناس إلى أرض المحشر. والمتأمل في هذه الأحاديث يجد أن هذه الأحاديث تحصل كلها في هذه الجزيرة، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من بعد الجزيرة أو بعد الشام. فهل أنهم يبقون أو أنهم يموتون ويذهبون؟ وتذهب أو تذهب معهم؟ يموتون في زمن عيسى أو في زمن يأجوج ومأجوج؟ الظاهر أنهم تفنى الأرض وتقرب الأرض، كما جاء في بعض الأحاديث: «الأرض تقرب»، ما تجد إلا جزيرة العرب، فيجعلها الله عز وجل مثل ما كانت تعود مروجا وأنهارا، مزارع وأنهار، كلها تكون أنهار ومزارع. فأكثر الناس يأتون إليها، من كان فيه خير من المسلمين، فيأتي إلى الجزيرة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها جزيرة العرب تعود مروجا وأنهارا. فبعد ذلك تحشر هذه النار الناس وتطردهم إلى أرض المحشر. وهل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أرض المحشر يحشر الناس يوم القيامة في أرض بيضاء ليس لها علم لأحد»، هل المراد بها التي في الأرض أم التي في السماء أو في يوم القيامة؟ فالظاهر من أقوال العلماء أنها تكون يوم القيامة، عندما قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾. لكن قد يكون أيضا هذه الأرض التي يحشر الناس فيها أيضا كذلك أرض بيضاء. وكأن الله عز وجل يخرب هذه الأرض وتدق الجبال، فإذا دكت الجبال اتسعت وصارت أرضا واحدة كلها، ليس فيها عوج، وتكون أرضا بيضاء ليس فيها علامات لأحد، فيحشر الله عز وجل الناس فيها. فيحشرهم يوم القيامة حفاة عراة غرلة بهمة. حفاة: أي من غير نعال. وعراة: أي من غير ملابس. وغرلا: أي غير مختونين. وبهمة: أي أنهم ليس معهم شيء، ليس معهم شيء. كما جاء في بعض الأحاديث: «قالوا: يا رسول الله، وما بهمة؟ قال: ليس معهم شيء». معناه يأتون كما قال الله عز وجل: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾. فيأتي الشخص حاف وعار مثل ما خلقه الله عز وجل، ليس معه شيء من هذه الدنيا، فيريد أن ينقذ نفسه فيخرج مع هذه النار. أو أن المراد بهذا الحشر يوم القيامة، كما جاء في الحديث: حديث ابن عباس وحديث عائشة في الصحيحين. فهذا الحشر الذي يحصل في الدنيا. وأما الحشر الذي يحصل في يوم القيامة، إن شاء الله تعالى نأخذه في الدرس اللاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.