الدرس في شرح سلم الوصول إلى علم الأصول 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
ينزل الله عز وجل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل على ما يليق بجلال الله وعظمته، وقد ثبتت هذه الصفة في السنة النبوية وأثبتها السلف رحمهم الله.
يأتي الله عز وجل يوم القيامة لفصل القضاء كما ورد في القرآن والسنة، ويرى المؤمنون الله يوم القيامة بالعيان، وقد ثبتت هذه الصفة بالأدلة من القرآن والسنة النبوية.
يرى المؤمنون الله يوم القيامة بالعيان، وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم هذه الرؤية برؤية الشمس الواضحة، وهناك خلاف حول رؤية الكفار لله يوم القيامة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، ما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وفي ثلث الليل الأخير ينزل، يقول: هل من تائب فيقبل؟ هل من مسيء طالب للمغفرة يجد كريما قابلا للمعذرة، يمن بالخيرات والفضائل، ويستر العيب، ويعطي السائل. طيب، الآن هذه الأبيات في صفة النزول لله عز وجل، وهي صفة تليق بجلاله وعظمته جل وعلا. ينزل ربنا إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من سائل فأغفر له؟ وهذه الصفة لم تأت في القرآن، وإنما جاءت في السنة. هذه الصفة جاءت في السنة، وصفة النزول أثبتها السلف رحمهم الله. وكان إسحاق إبراهيم يقول: إذا قال لك الجهمي: أكفر برب ينزل من مكانه؟ فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء. واشتكى به بعضهم عند عبد الله بن طاهر أن إسحاق إبراهيم يقول: بأن الله ينزل كما ينزل البشر. فقال عبد الله بن طاهر: أنت تقول هذا إسحاق؟ فقال: لا، لم أقل أنا، وإنما قاله النبي عليه الصلاة والسلام -أي يقصد النزول- فذكر له الحديث، فذكر له هذا الحديث: «ينزل ربنا إلى سماء الدنيا». وقال: نحن قلنا مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم. فهي صفة تليق بجلال الله عز وجل، لا نقول أنه ينزل كالنزول البشر كما يقولون هؤلاء. نقول: ينزل على ما يليق بجلاله وعظمته. وهل يخل منه العرش أو لا يخل؟ هذه مسألة كانت عند السلف، فكانوا يقولون: أنه لا يخل منه العرش. جاء عن حماد بن سلمة، وجاء كذلك عن إمام أحمد، وعن الحميدي، وعن جماعة من السلف يقولون: ينزل ولا يخلو منه العرش. وهذا لعظمة الله جل وعلا، ولأنه على كل شيء قدير سبحانه وتعالى. ولا ينبغي للمسلم ولا للمرء أن يقيس الله عز وجل بالخلق. وتأولها بعض هؤلاء المبتدعة، تأول صفة النزول بمعنى نزول الرحمة. منهم من قال: نزول الملك. طيب، الرحمة والملك ممن ينزل؟ لهذا كما قال شيخ الإسلام في شرح حدوث النزول، قال: نقول لهم: ممن ينزل هذه الرحمة وهذا الملك؟ فإن قالوا: من الله، فقد أقروا بعلو الله. وأن إذا قالوا: أنه من الله ينزل من الله، فالنزول يأتي من العلو، فهم العالم مقرون بعلو الله. فإما أنهم ينفون الأمرين معا، وإما أنهم يثبتون الأمرين معا، ولا ثالثة لهم. فلهذا فتأويلهم هذه الصفة أو تحريفهم هذه الصفة تحريف باطل. قالوا: أنه يجيء يوم الفصل كما يشاء للقضاء العدلي. أيضا هذا صفة المجيء. صفة المجيء أيضا من الصفات التي ثبتت في السنة، وأغضي في القرآن كذلك. ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾، ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. فأنا هذه الآية أفحمتهم. فإن قالوا: ملك، الملك موجود. إن قالوا: الرحمة، الرحمة من آيات الله، فلابد أن يقولوا هنا بأنه الله عز وجل حقيقة يأتي؛ لأنه قال: الملائكة، وذكر بعض آيات الله. لو كان مثلا المراد يأتي ملك، ما يستقيم الكلام: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ مَلَكٌ﴾. وكذلك لو كانت الرحمة: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ تَأْتِيَ الرَّحْمَةُ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾، فالكلام فيه ركاكة. فلهذا الكلام مستقيم لا يحتاج إلى شيء: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. وإتيانه الفصل أيضا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الله عز وجل يأتي يوم الفصل لفصل القضاء، يأتي لفصل القضاء بين العباد. قال رحمه الله: «وأنه يرى بلا إنكار في جنة الفردوس بالأبصار، كل يراه رؤية العيان كما أتى في محكم القرآن، وفي حديث سيد الأنام، من غير ما شك ولا إبهام، رؤية حق ليس يمترونها كالشمس صحوا لا سحاب دونها، وخص بالرؤية وخص بالرؤية أولياءه فضيلة، وحجب أعداؤه». هذه الأبيات الخمسة في رؤية الله جل وعلا، وأنه يرى بلا إنكار، أي أن الله عز وجل يرى يوم القيامة. فرؤية الله عز وجل -أي أن الله عز وجل يرى يوم القيامة- جاء إثباتها في الكتاب والسنة. فمما جاء في الكتاب قول الله جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاظِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، أي تنظر إلى ربها جل وعلا. واستدل أيضا كثير من الأئمة -كمالك والشافعي وأحمد- بقول الله جل وعلا: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، فما دام أن الله عز وجل حجب عن رؤيته في حال سخطه على الكفار حجبهم عن رؤيته، فدل على أن المؤمنين يرونه، فدل على أن المؤمنين يتفضل عليهم ويرونه. وأثبت ذلك الحديث المتواترة عن النبي عليه الصلاة والسلام، منها حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله. وهذا رواه كثير من العلماء والسلف عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله البجلي، فقال جرير: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته». فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس أو قبل غروب الشمس، وصلاة قبل طلوعها. فلهذا فصفة أو فرؤية رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا، يرونه بالعيان، يرونه بعينهم. وشبه النبي صلى الله عليه وسلم ورؤية رؤية الله عز وجل برؤية الشمس الواضحة، ليس دونها سحاب. وهذا تشبيه الرؤية بالرؤية للمرء بالمرء، تشبيه الرؤية بالرؤية على المراد أنها رؤية واضحة جدا، لا غبش فيها، ولا فيها شيء مما يحول بينك وبين الرؤية. فلهذا فهذه الرؤية تشبيه الرؤية بالرؤية للمرء بالمرئي، فالشمس مخلوق. فلهذا لم يشبه النبي صلى الله عليه وسلم المرئي بالمرئي، وإنما شبه الرؤية بالرؤية أن رؤية واضحة لا لبس فيها أبدا. ولا أيضا يتضامون ويتزاحمون. وقال: قصة الأولياء بالرؤية، أما أعداءه حجب: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾. وهل يراه المؤمنون فقط أم غيرهم؟ فهذا أيضا في خلاف يسير؛ لأنه قد جاء في حديث بالسعيد: أنه يرونه أيضا بعض المنافقين، ويرونه أيضا بعض غبرات من أهل الكتاب. طواف من أهل الكتاب؛ لأنه كانوا موجودين في فصل القضاء. لما يأتي الله عز وجل فيقول: «أنا ربكم». بعدما تذهب كل أحد مع من يعبد، كل واحد يذهب مع من يعبد، فيبقى من لم يعبد إلا الله. أما من يعبد الشمس يذهبون، من يعبد الأصنام يذهب، ومن يعبد الصالحين يذهب إلى النار؛ لأن الصالحين لا يدخلون النار أبدا، فمن يعبدهم يدخل النار. يبقى من يعبد الله فقط، فيأتيهم الله عز وجل في غير صورته فيقول: «أنا ربكم». فيقولون: «عود بالله أن تكون ربنا». ثم يأتيهم في صورته فيقول: «أنا ربكم». فيقولون: «نعم، أنت ربنا». فيقول لهم: «أل بينكم وبينه علامة؟» فيقولون: «الساق». فيكشف ربنا جل وعلا عن ساقه. الحديث تبين أنه يرونه غير المؤمنين، بل هناك من المنافقين، حتى أنهم أرادوا يسجد، فيرجع طبقا، فيسجد لله كل من كان يسجد له في الدنيا. ومن يسجد ومن لم يسجد لله، معنى سجوده لا يريده لله. فيوم القيامة كلما أراد أن يسجد يرجع ظهره طبقا، كلما أراد أن ينحني يرتد ظهره. فهذا يدل على أنهم أيضا يرون الله عز وجل، ثم أيضا يحجبون. وقوله أيضا في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمْحَجُوبُونَ﴾، فقال بعض العلم: أن الكفار يرون الله -من أهل السنة- معنى أن الكفار يرون الله ثم يحجبون، والمؤمنون لا يحجبون. معنى بتفسير هذه الآية أخذوا بلفظة يحجبون، ثم ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمْحَجُوبُونَ﴾، فيحجبون فيرونه فترة ثم يحجبون. هذا التفسير، لكن الذي دلت عليه الدلالة أنهم لا يرونه أبدا، وأن الذي يراه هم المؤمنون، وكذلك بعض المنافقين وغبرات من أهل الكتاب من أهل... في ذلك إن شاء الله نرى.